ثلاث بقراتٍ حمراء جرفها الطوفان

17 أكتوبر 2023
+ الخط -

مثلما أخذ طوفان مدينة درنة الليبية، قبل أسابيع معدودة، العمائر والشوارع والناس والبهائم أخذة جبّار عزيز، وجرفَ في طريقه كلّ ما وقف في وجهه العبوس القمطرير، أخذ طوفان الأقصى المستهدفين به أخذة فلسطينيّ لا يُفلّ له حديدٌ ولا تنكسر له روح، هاج خليط الماء والطين في الواد، ماجَ وفاض، كسحَ وجرفَ في طريقه الموانع الإسمنتية والحواجز الإلكترونية والمقرّات العسكرية والحرّاس والمستوطنات الحصينة في غلاف غزّة، في مشهد يحاكي ما فعله انهيار سد مأرب في الزمن اليمني القديم، ويُماثل ما نجم عن تفجير سدّ خيرسون في شرق أوكرانيا عشيّة الهجوم المضادّ المتعثر منذ ذلك الوقت.
على أهمية كل ما سبق ذكره، لم تكن كل تلك المعطيات الملموسة باليد، المرئيّة بأمّ العين، هي كل ما جرفه طوفان الأقصى، أي كل ما أنجزه المقاتلون الراجلون، الآتون خفافاً ثقالاً ومن كل قبوٍ غزّي عميق، فالقائمة هنا أطول بكثير، والآثار بعيدةُ المدى لا يتّسع لتعدادها مقالٌ سريع، الأمر الذي يحمل على التوقّف بأناةٍ عند الأهم من النتائج المهمّة، تلك التي لا تسقط من الذاكرة مهما كانت التطوّرات في الميدان، ونعني بها جملة من الحقائق التي فعلت من اليوم الأول فعلها العميق في الوعي العام لدى مختلف الأطراف والأقوام، التي راحت تفرك أعينها وهي تشاهد، غير مُصدّقة، صور فتيةٍ ملثّمين في العشرينيات، طلعوا من قلب الحصار، يسحبون الغول من شعره الطويل، ويذيقونه الشراب نفسه من الكأس الذي كانوا قد تجرّعوه أباً عن جد.
جرف هذا الطوفان العديد من الشياه والنعاج والعجول والبغال، وغيرها من ذوات الأربع، إلا أن أثمن ما جرفه السيل العرم تمثّل في ثلاث بقرات حمراء مقدّسة في ملّة الحاخامات، تشكّل مجتمعةً أضلاع مثلّث الملحمة التي تُشارف حدّ المعجزة، أولها كانت بقرة الاستيطان باعتبارها الفكرة المؤسّسة لدولة الاحتلال، فقد تم ضرب هذه الفكرة في مقتل، وإخراجها من حيّز القوة التوسّعية القاهرة، والحقيقة الكفيلة بالدفاع عن نفسها بنفسها، وفرض سياسة الأمر الواقع، إلى نقطة ضعفٍ تكوينيةٍ عميقة الغوْر في بنية الاستراتيجية الصهيونية المعتمدة منذ قرن وأزيد، حيث أثبت اقتحام مستوطنات الغلاف وغلاف الغلاف أن بقاء مثل هذه البؤر المتفرّقة والمزدهرة يقتضي الحراسة الشديدة إلى أبد الآبدين. وبالتالي، فإن عودة المستوطنين المذعورين، بعد مشاهد الفرار الجماعي والإخلاء الجبري، إلى حصون مستعمراتهم المضروبة، بات من ضروب العبث، على الأقل في المدى المنظور.
ولعل البقرة الحمراء الثانية ماثلةٌ في فقدان الثقة بالجيش، وهو عمود الوسط في بنية الدولة العبرية، وتعميم فكرة نهاية المشروع الصهيوني قبل أن يبلغ سن الثمانين على نطاق أشمل، (وهو اعتقاد لا يزال حكراً على النخبة، يُطلق عليه "عقدة العقد الثامن" المُستعادة من التاريخ اليهودي)، ولا سيما بعدما اكتسب الخوف من المصير قدراً أكبر من المصداقية، ليس فقط على ضوْء ما فاض به طوفان الأقصى من نتائج أولية لا حصر لها، وإنما أيضاً على ضوْء ما ينطق به مشهد الاحتضان الأميركي، بالسلاح المتطوّر وحاملات الطائرات، من إسنادٍ منقطع النظير لمشروعٍ أقامه الاستعمار القديم في هذه المنطقة، وظلّ يمدّه بكل عوامل القوّة، ثم وجده خائراً مصدوماً مذعوراً، غير قادر، بمفرده على الدفاع عن نفسه، فقد بدا الأمر وكأن الاستثمار الطويل في هذا المشروع بات على وشك الإفلاس.
عطفاً على هذه النتيجة المذهلة، وبالتداخل مع مضاعفاتها المركّبة، تتحوّل البقرة الحمراء الثالثة، بين عشية وضحاها، من كونها الذخر الاستراتيجي للغرب، والقوّة الإقليمية التي لا تُقهر في الشرق الأوسط، إن لم نقل القلعة التي لا تُؤخذ من الخارج، إلى دولة من دول العالم الثالث (مع سلاح جوي متقدّم) غير قادرة على صد أعدائها من دون دعم فوري من الخارج، وموضع شكّ بقدرتها الذاتية على الصمود أمام الطوفان، ولعل هذه الأساطيل هي أبلغ ما تقصّه على مسامعنا معاني الهرولة الغربية، وفي القلب منها الأميركية، ومغزى صبّ السلاح والمال صبّاً في أحضان دولةٍ بدت قاب قوسين من حالة عجز قاتلة.
من اليسير الحديث أكثر عن خسائر إسرائيل الباهظة على صعيد الصورة والمكانة والدور والسردية والردع والذاكرة، غير أن أشد هذه الخسارات وأفدحها على الإطلاق تظل كامنة في وعاء الوعي، بما في ذلك فقدان الثقة بالنفس، بالجيش ومستقبل الدولة، ولعل كل هذه الوحشية والتمادي في القتل والترويع هي مجرّد محاولة يائسة للتستّر على حالة الهلع المستشرية.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي

كاتب وصحافي من الأردن

عيسى الشعيبي