المغاربة يتهمون بعضهم بعضاً

09 مايو 2017
وزارة الداخلية متهمة (جلال مرشدي/ الأناضول)
+ الخط -

يعاني المجتمع المغربي من ظاهرة سيئة، قوامها تبادل الاتهامات بين كثير من أفراده ومؤسساته ونواديه، وهي اتهامات لا أساس لها من الصحة في أحيان كثيرة.

تنتشر ظاهرة تبادل الاتهامات في المجتمع المغربي بشكل كبير، سواء داخل الأسرة الواحدة، أو في مقرات العمل، أو في الشارع والحافلات، وغير ذلك من الأماكن العامة. ولا تخلو مجالات السياسة والثقافة والفن والرياضة وغيرها من الميادين من تبادل الاتهامات بين الأطراف، ليجري تداولها بكثافة عبر وسائل الإعلام وفي المنتديات والمقاهي والصالونات.

في السياسة مثلاً، لا يمر يوم من دون أن يتهم حزب ينتمي إلى المعارضة الحكومة بقهر المواطنين بسياساتها "غير الشعبية"، التي تستهدف جيوب الناس من خلال رفع الأسعار وتجميد الأجور، فيما تتهم الحكومة المعارضة بأنّها تسفّه مجهوداتها، وتنظر إلى النصف الفارغ من الكأس.

يتبادل السياسيون اتهامات حادة أحياناً، يصل بعضها إلى رمي الطرف الآخر باتهامات لا يقبلها المنطق، من قبيل اتهام زعيم حزب الاستقلال المغربي حميد شباط، رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، بأنّه متواطئ مع تنظيم "داعش" والموساد الصهيوني، قبل أن تمر أيام ويتصالح الرجلان وتنتهي الاتهامات.

وفي مجال الفن، أمر مماثل، من قبيل اتهام مغنية شابة زميلة لها بأنّها تفتقد الصوت الجميل، فتنعتها الأخرى بالمتطفلة على الغناء، فيما يتهم مطرب زميلاً أنّه "يشتري" جمهوره بطرق احتيالية.

وفي الرياضة، تتبادل جماهير الفرق الاتهامات في ما بينها، وأحياناً تنشب الخلافات وترمى الاتهامات بين جمهور الفريق الواحد. كثيراً ما يتهم أنصار فريق كروي أنصار فريق خصم بأنّهم يثيرون الشغب في ملاعب الكرة، وهي اتهامات تتطور إلى مشاحنات وخصومات ومشاجرات عنيفة أحياناً.




وعلى صعيد علاقات المجتمع سواء الفردية أو الجماعية، تجد الاتهامات المتبادلة أرضاً خصبة لنموها وترعرعها، لتتحول إلى خلافات حادة تصل غالباً إلى ردهات المحاكم، أو تنتهي في حلبات المعارك البدنية واللفظية. من هذه القصص التي بلغت المحاكم بسبب تبادل الاتهامات، ما حصل للمواطن حميد الهزار، وهو موظف أربعيني اتهمه زملاؤه بعدم الأمانة في أداء وظيفته، ولفقوا أدلة مزورة ألقت به في النظارة على ذمة التحقيق والمحاكمة.

يقول الهزار لـ"العربي الجديد" إنّه واجه سيلاً من الاتهامات التي مست ذمته ومهنته، وحولته إلى لص لا يحافظ على الأمانة خصوصاً أنّه كان مكلفاً بالجانب المالي للشركة. يضيف أنّ سبب الاتهامات لم يكن أكثر من غيرة وحسد دافعها كفاءته ونزاهته ورفضه مساومات بعض زملائه في العمل، فلجأ بعضهم إلى أسلوب الاتهامات من أجل تحطيمه. يشير إلى أنّ المحكمة برأته من تلك التهم وأعادت إليه اعتباره، لكنّه قرر الانتقال إلى عمل آخر لا يتعرض فيه إلى نيران الاتهامات الحارقة حتى لو كان بريئاً.

أما فوزية، وهي سيدة مطلقة وأم لطفلين، فتروي لـ"العربي الجديد" معاناتها المريرة مع الاتهامات التي استهدفتها من طرف جاراتها في المبنى، الذي تقطن فيه، فقد اتهمنها بسوء السمعة، وبإقامة علاقات غير شرعية مع رجال غرباء. تقول فوزية إنّ تلك الاتهامات لم تكن لتصلها لولا ملاحظتها نظرات غريبة من جاراتها، عندما كانت تلتقي بهن في المصعد أو على السطح، حيث كن يتحاشينها ويتجنبن الحديث إليها، أو يرمينها بعبارات فظة بطريقة غير مباشرة.

تضيف فوزية أنّها بعد علمها بالاتهامات التي تطاول سمعتها باعتبارها سيدة مطلقة، بادرت إلى جمع الجارات ذات يوم لتشرح لهن خطأ اتهاماتهن تلك، وأظهرت لهن بالدليل أنّ الرجل الذي يأتي إلى بيتها ليس سوى شقيقها، فيما يأتي إليها خالها أحياناً، فهدأت العاصفة واعتذرت الجارات لفوزية كما تقول.

تعزو الباحثة في علم الاجتماع، ابتسام العوفير، انتشار ظاهرة الاتهامات في المجتمع المغربي إلى عدة عوامل رئيسية، منها تفشي ثقافة التخوين، فكلّ فرد يرى في الآخر مشروع خائن للثقة، أو خائن للأمانة، أو خائن للأخلاق وهكذا. تضيف لـ"العربي الجديد" أنّ من تلك العوامل أيضاً غياب أو ضعف سلوك الحوار والتواصل، ففي كثير من الأحيان تنشأ الاتهامات بين طرفين بسبب انعدام إمكانية التواصل المباشر بينهما. تتابع أنّ من العوامل أيضاً الفراغ الذي يعاني منه كثيرون داخل المجتمع المغربي، مما يدفع الفارغين إلى تركيز الانتباه على شخص آخر كزميل في العمل، أو جار، أو شخصية معروفة، من دون أن يوجهوا اهتماماتهم إلى أشياء نافعة أخرى. ويبقى عامل هيمنة مشاعر الغيرة والحسد على البعض ليقذفوا الشخص الناجح باتهامات مختلفة، فقط من أجل تحطيمه ونسف نجاحاته، بحسب العوفير.