غرائب القضاء المصري... واقعة خدش "الرونق" ليست الأولى

14 مايو 2017
تراجع قضائي في مصر (Getty)
+ الخط -
ضجت صفحات موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بسخرية النشطاء المصريين، بعدما وجهت نيابة أمن الدولة العليا إلى أحد الصحافيين تهمة "خدش الرونق العام للمجلس الأعلى للقضاء"، بعدما نشر تحقيقا عن تعيين 47 من أبناء وأقارب قضاة ومستشارين بمختلف الهيئات القضائية، بالإضافة إلى تعيين 7 من أبناء الضباط والقيادات الأمنية في دفعة أبريل/نيسان الماضي، لكن واقعة التعيين نفسها لم تلق صدى مثلما أثارت تهمة "خدش رونق القضاء" اندهاش وتعجب متتبعي الشأن العام في مصر، ومن بينهم الدكتور محمد نور فرحات أستاذ فلسفة القانون بكلية الحقوق جامعة الزقازيق، والذي كتب على صفحته الشخصية منشورا قال فيه إن التهمة الموجهة إلى الصحافي "بلاغة بلا بلاغة"...، إذ أن القضاء له كل الاحترام والإجلال حين يجلس مجلس الحكم، أما قبل ذلك وبعد ذلك فهو مؤسسة من مؤسسات المجتمع يتقاضى أفرادها أجورهم من الضرائب التي يدفعها الشعب ويحكم باسمه ولا يستعصي على النقد الموضوعي، ويعمل في ظل مبدأ المساواة أمام القانون واحترام الدستور، وسلطته ليست مطلقة بل هي وظيفة من أجل إعلاء كلمة القانون وليست لإضفاء حصانة على مخالفته، ولا يقبل في مجتمع ديموقراطي أن يثأر القضاء لنفسه ممن يجرؤ على كشف عيوبه، وإلا تحول القضاء من سلطة تحكم باسم الشعب إلى سلطة فوق الشعب.

ولا تعد واقعة ما بات يعرف بـ"خدش رونق القضاء" حادثة فريدة من نوعها، إذ وثق معد المادة 6 وقائع مشابهة تتناول غرائب القضاء المصري في مرحلة ما بعد 30 يونيو/حزيران 2013 بعد صعود نجم عبدالفتاح السيسي في سماء السياسة المصرية.


معتقلو العزاء... محاكمة بلا متهمين ولا محامين

في 8 أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، أصدر المستشار ناجي شحاتة حكماً بالسجن المؤبد على 10  أعضاء بحركة شباب 6 إبريل، بتهمة التظاهر والتجمهر وحيازة أسلحة، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"معتقلي العزاء"، دون إعلام المحامين أو المتهمين الذين أخلت النيابة سبيلهم العام الماضي، بعد يومين من القبض عليهم.

وتعود وقائع القضية إلى سبتمبر/أيلول عام 2014، حينما توجه الناشطون من أجل تقديم واجب العزاء في الشاب أحمد المصري الذي لقي مصرعه متأثراً بإصابته أثناء توجهه إلى عمله في محيط ميدان مصطفى محمود، في 14 أغسطس/آب 2013، إثر الاشتباكات التي اندلعت بين قوات الأمن والمتظاهرين، وفق ما رواه أحمد علي أحد المتهمين في القضية عبر الهاتف من إسبانيا، حيث يقيم حاليا بعدما حصل على لجوء سياسي، إثر الحكم عليه.

وأوضح علي أنه أثناء توجهه إلى بيت أحمد المصري بغرض التصوير مع أهله لإعداد تقرير صحافي عنهم، تم القبض عليه برفقة 9 آخرين، وبعد عدة تحقيقات استمرت 5 أيام في قسم شرطة بولاق ثم النيابة العامة ثم الأمن الوطني تم إخلاء سبيلهم، وبينما كانت القضية في طريقها إلى الحفظ، فوجئ ورفاقه بالحكم عليهم بالسجن المؤبد لمدة 25 عاما.

معتقلو السحور

لا تقل تلك القضية غرابة عن سابقتها، إذ ألقت قوات الأمن القبض على 12 شخصاً أثناء تناولهم وجبة السحور في منزل جدة أحدهم في فجر يوم 4 يوليو/تموز عام 2014، واتهمتهم باقتحام شركة للسياحة والتظاهر وقطع الطريق والانتماء إلى جماعة محظورة، ليتم الحكم على 11 منهم بالسجن لمدة 15 عاماً، و3 سنوات للمتهم الأخير القاصر، قبل أن يتم الإفراج عن 4 منهم بعفو رئاسي في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016، بينما قبلت محكمة النقض في شهر مارس/آذار الماضي الطعن المقدم من باقي المتهمين وقررت إعادة محاكمة باقي المتهمين.

وأثارت القضية تفاعلا عالميا، إذ طالبت منظمة "هيومن رايتس موينتور" في أغسطس الماضي بإعادة محاكمة المتهمين بعد الحكم عليهم بالسجن 15 عامًا، وذلك لإسناد تهم واهية لهم بناء على تحريات كيدية من جهاز المباحث والأمن الوطني في البحيرة وتجاهل المحكمة شهادات شهود النفي في القضية، الذين أكدوا عدم صحة ما ورد في محضر الاتهام.


القناص الكفيف

اكتشف الشيخ ربيع أبو عيد المتحدث الإعلامي لرابطة علماء الأزهر سابقًا، بعد إنهاءه فترة محكوميته البالغة 6 أشهر، في يونيو 2014، صدور حكم غيابي ضده بالحبس 15 عاما بتهمة "قنص ضابط شرطة"، على الرغم من أنه يعاني من العمى كلياً، فيما عرف إعلاميا بقضية "القناص الكفيف".

واستمر الرجل داخل السجن حتى تم الإفراج عنه لظروف صحية في شهر أغسطس/آب 2015 بعدد أن أمضى 547 يوماً داخل السجن.

واقعة مشابهة تكشفت أثناء استماع محكمة جنايات القاهرة، يوم الثلاثاء 9 مايو/أيار الجاري لمرافعة الدفاع عن المتهمين في قضية اغتيال النائب العام الراحل هشام بركات، إذ فجر أحد المحامين مفاجأة مؤكدا أن أحد المتهمين ويُدعى جمال خيري والمتهم بتدريب آخرين على استخدام السلاح يعاني فقدان البصر كليا، وهو ما يعني أنه من المستحيل عمليا وواقعيا أن يكون قد قام باستخدام السلاح، مضيفا: "كيف يقوم بتدريب الآخرين على استخدام السلاح"، لكن رئيس الجلسة المستشار حسن فريد بعدما استدعى المتهم وتأكد من كونه كفيفاً أعاده مرة أخرى إلى الحبس إلى حين استكمال نظر القضية في الجلسة التالية.

إدانة طفل عمره 3 أعوام

في فبراير 2016 قضت محكمة غرب القاهرة العسكرية بالسجن المؤبد على 116 متهما اتهموا بحرق منشآت عامة، إثر مظاهرة جرت في محافظة الفيوم خلال شهر مارس/آذار عام 2014، إلى هنا والأمر صار معتادا في مصر، لكن غير المعتاد هو أن من أولئك المتهمين المحكوم عليهم الطفل أحمد منصور قرني شرارة البالغ من العمر 3 سنوات و5 أشهر.

ويمنع القانون العام والعسكري المصري تقديم الأحداث، الذين تقل أعمارهم عن سبع سنوات، إلى المحاكمة في أية دعاوى.


معاقبة الموتى

بعد عامين من وفاته، أصدرت محكمة جنح العجوزة في مصر حكماً قضائياً بحبس الفنان الراحل نور الشريف، سنة غيابياً وكفالة 1000 جنيه لاتهامه بالتزوير في شيك بنكي.

وجاء في الدعوى رقم 477 لسنه 2015، أن الفنان الراحل نور الشريف رفع دعوى قضائية ضد حسام مهدي عويس مالك قنوات "بانوراما" يتهمه فيها بتحرير شيك له بدون رصيد، وحصل مالك الفضائية على حكم بالبراءة ليقوم بعدها برفع دعوى تتهم نور الشريف بتزوير توقيعه على الشيك.

وتتشابه واقعة الحكم على متهم متوف مع ما حرى في القضية المعروفة إعلامياً بالهروب الكبير، إذ أصدر المستشار شعبان الشامي في 16 مايو/أيار 2015 حكماً بالإعدام على 107 متهمين في قضية التخابر مع حماس، و16 متهماً في قضية الهروب من وادي النطرون كان من بين المحكوم عليهم عضو حركة الجهاد الإسلامي حسام الصانع، الذي استُشهد في فلسطين في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2008، وتيسير أبوسنيمة، الذي اغتالته إسرائيل في 8 أبريل/نيسان 2011، والقيادي القساميّ رائد العطار، الذي تم اغتياله في 21 أغسطس/آب 2014، ومحمد سمير أبولبدة، المتوفى عام 2005، ومحمد خليل أبوشاويش، المتوفى عام 2007، وحسن سلامة، الأسير المعتقل في سجون الكيان الصهيوني منذ عام 1996، وهو ما يشير إلى كون هذه الوقائع لم تعد حالات فردية، بل نموذجا على حالة عامة من التردي المتزايد في جميع المجالات في مصر.