هل كان عباس محقاً في اعتذاره للحاخامات؟

30 يونيو 2016
تزايد انتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين (وسام حشلمون/الأناضول)
+ الخط -
كان من المستهجَن أن يعتذر رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، لإسرائيل على ما ورد في خطابه الأسبوع الماضي أمام البرلمان الأوروبي والذي أكد فيه أن المستوطنين اليهود يقومون بتسميم آبار الفلسطينيين بناءً على فتاوى الحاخامات. واستهجان اعتذاره مبرر لا سيما أن حقوقيين إسرائيليين أكدوا ليس فقط حدوث عمليات التسميم، بل إن هذه العمليات أدت في بعض الحالات إلى تشريد فلسطينيين عن قراهم.

وعرض موقع صحيفة "ميكور ريشون" الإسرائيلي، في 14 يونيو/ حزيران 2016، تسجيلاً مصوراً يظهر فيه مؤسس منظمة "يكسرون الصمت" الحقوقية، يهودا شاؤول، وهو يؤكد إقدام المستوطنين على تنفيذ عمليات التسميم. وأضاف شاؤول، الذي تعنى منظمته برصد انتهاكات حقوق الإنسان التي ينفذها جيش الاحتلال والمستوطنون اليهود في الضفة الغربية ضد الفلسطينيين، أن الهدف من تسميم المياه يتمثل بدفع هؤلاء "إلى ترك قراهم وبلداتهم ليتسنى للمستوطنين السيطرة على أراضيها". وحسب شاؤول، فإن سكان إحدى القرى الفلسطينية في جبل الخليل غادروا قبل عامين قريتهم بعد قيام مستوطنين بتسميم محطات المياه التي تغذي هذه القرية، مشيراً إلى أن التقديرات تؤكد أن هذا الأسلوب استُخدم في مناطق عديدة داخل الضفة الغربية.

وتكمن المفارقة في أن شاؤول لم يعتذر عما قاله، كما أن أحداً من ممثلي الحكومة الإسرائيلية وقوى اليمين في تل أبيب لم يطالبه بذلك. في المقابل، فإن اعتذار عباس، الذي بدا فزعاً من ردة فعل المسؤولين والنخب الإعلامية الإسرائيلية على تصريحاته، أعطى الانطباع وكأن المرجعيات الدينية اليهودية لا تمارس التحريض العنصري ضد الفلسطينيين.

وقد وظف الناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية حالة الدفاع عن النفس التي لجأت إليها السلطة الفلسطينية بعد اعتذار عباس، للتدليل على "تهاوي الدعاية الفلسطينية"، وتحذير المجتمع الدولي من "خطورة" التعاطي بجدية مع الانتقادات الفلسطينية لانتهاكات حقوق الإنسان التي تقوم بها إسرائيل.

ويعكس ما كتبه كل من الصحافيين سمدار بيري وبن دورون يميني في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، والكاتب أمير تيفون في موقع "وللا"، على أن الدعاية الصهيونية توظف ما اعتبرته "سقطة" عباس لإحداث نقطة تحول في الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول مسألة تسميم المياه وغيرها من الانتهاكات.

فبدلاً من أن يستند عباس إلى معطيات موثقة متاحة للجميع لكي يقدم الدليل على حجم إسهام الحاخامات في التحريض على الفلسطينيين، اختار استرضاء الإسرائيليين عبر تقديم الاعتذار لدرء تهمة "معاداة السامية"، التي سارع المسؤولون الصهاينة لإلصاقها به، على غرار ما يفعلون مع كل من ينتقد سلوك الاحتلال.

وما يثير الاستغراب أن عباس الذي اختار الانسحاب، لم يستغل الانتقادات الإسرائيلية له في لفت أنظار العالم إلى "الفتوى" الصريحة التي أصدرها الحاخام الأكبر لإسرائيل، إسحاك يوسيف، قبل شهرين والتي حثت على تنفيذ إعدامات ميدانية ضد الفلسطينيين، ناهيك عن دعوته لطرد الفلسطينيين إلى السعودية بزعم أنه لا يجوز السماح لغير اليهود بالبقاء في أرض إسرائيل، باستثناء أولئك الذين تتطلب خدمة اليهود وجودهم. ولم يكن للحكومة الإسرائيلية أن تتنصل من المسؤولية عن "فتوى" يوسيف، الذي يقف على رأس المؤسسة الدينية الرسمية.

لقد كان بإمكان عباس العودة لعشرات التحقيقات التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية حول دور الفتاوى التي أصدرها الحاخام، إسحاق غيزنبيرغ، أحد أبرز مرجعيات المستوطنين، والتي مثلت في الواقع "التأصيل الفقهي" الذي استندت إليه منظمة "شارة ثمن الإرهابية" في تنفيذ هجماتها ضد الفلسطينيين على مدى الأعوام الخمسة الماضية. وكان يتوجب على عباس أن يستند إلى ما نشرته صحيفة "هآرتس" بتاريخ 5 إبريل/ نيسان 2016 حول الدعم الحكومي الذي تتلقاه المؤسسات التعليمية والدينية التي يشرف عليها غيزنبيرغ، والتي يوظفها في الترويج لأفكاره المعادية للفلسطينيين.

وكان يكفي أن يستند عباس لما كتبه الرئيس الأسبق لمجلس المستوطنات اليهودية، أحد قادة التيار الديني الصهيوني، يسرائيل هارئيل، والذي اتهم الحاخامات بشكل واضح وصريح بالمسؤولية عن التحريض على العمليات الإجرامية التي تنفذها العصابات اليهودية الإرهابية ضد الفلسطينيين، بحسب ما ورد في صحيفة "هآرتس" في 6 يناير/ كانون الثاني الماضي. وكان بإمكان مساعدي عباس، ومنهم كثر ممن يجيدون العبرية، أن يعودوا إلى التحقيق الموسع الذي أعده الباحث سافي ريخليفسكي، والذي تناول دور الحكومة الإسرائيلية في دعم المرجعيات والمؤسسات الدينية التي تحث على قتل الفلسطينيين والمس بممتلكاتهم لدوافع عنصرية. كذلك، كان بإمكان عباس أن يلفت نظر العالم إلى أن الحاخام شموئيل يوسيف، عضو الحاخامية الكبرى، والمرشح لتولي منصب الحاخام الأكبر، قد أفتى في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي بجواز سرقة الفلسطينيين.

المساهمون