الحبّ نواة درامية سينمائية "دائماً"

14 فبراير 2024
"حيوات سابقة": أحدث فيلمٍ عن الحبّ بجمالياتٍ سينمائية عادية (الملف الصحافي)
+ الخط -

 

عيد الحبّ، أو عيد العشّاق (14 فبراير/شباط)، يُمكن أنْ يكون دافعاً إلى استعادة سيرة، أو بعض سيرة السينما الرومانسية، المليئة بأفلامٍ، منها الأجمل والأفضل والأعمق، والأكثر تأثيراً بفضل أسلوبٍ أو تصوير أو كلامٍ أو حالة أو أداء. تاريخ الفن السابع حافلٌ بهذا النوع، تماماً كما أنّه حافلٌ بأنواع سينمائية أخرى.

لكنّ الرغبة في أن تكون الاستعادة مختلفة مُلحّةٌ، فالتكرار مُملّ، والمناخ العام، لبنانياً وفلسطينياً وعربياً تحديداً، غير مريح لاحتفال بعِيدٍ، يريد سلاماً وتوافقاً وسكينة، رغم ما في الحبّ من غليان ومواجع وشقاء وعذاب. استعادة بعض تاريخ السينما الرومانسية، عربياً وغربياً، غير ناجعةٍ، فالمهتمّ ـ المهتمّة بالسينما مطّلعان وعارفان ومتابعان، والمهنة مفتوحةٌ على اختباراتٍ، يُراد لها تمرين على كتابةٍ، تنبثق من مشاهدة أفلامٍ غير رومانسية، بحثاً عن الحبّ فيها، خاصة أنّ أمثلة مختارة تكشف أنّ الحبّ، أي العشق والهيام بين شاب وشابّة، أو حبّ أبٍ لابنه، دافعٌ إلى فعلٍ يُصنَّف لاحقاً في خانة البطولة والنضال ضد عدو أو محتلّ أو متسلّط.

 

الحب نواة أساسية

يُمكن القول إنّ أفلاماً سينمائية، غير استهلاكية، مرتكزة على الحبّ، بتفاصيله ومسالكه وتأثيراته ومصائره، كما بناسه وانفعالاتهم وأهوائهم ومشاغلهم به وبما يصنعه بهم وبارتباطاتهم بالآخرين. في كلّ فيلمٍ شيءٌ من حبّ، يكون نواة نصٍّ بصري، أو دافعاً إلى مسار، أو صانع حكاية. حبّ يُشكّل الفيلم برمّته، أو يحفّز شخصية أو أكثر على فعلٍ أو أكثر.

هذا إن يكن الفيلم مُشوّقاً أو بوليسياً أو اجتماعياً أو سياسياً، أو يستلّ حدثاً أو شخصية من تاريخٍ قريبٍ أو بعيدٍ، أو يتناول عوالم اقتصادية ومالية وتجارية وأمنية ـ استخباراتية، أو يُفكِّك فرداً ليكشف بواطنه، أو يُعرّي حالة ـ مجتمعاً، أو يروي سيرة مجرم، أو غيرها من المسائل. أمّا الفيلم الرومانسي، فواضحٌ ومباشر، وغير مندرجٍ في قولٍ كهذا، إن يُنجز الفيلم في إطار حبكةٍ تعاين حالة حبٍّ ومساراتها، أو يُضفَى على الحبكة غناء واستعراضات موسيقية راقصة.

الحبّ المذكور لا علاقة له، هنا، بحبّ السينما، الذي يمتلك من يصنعها، وإن يكن صانعها مُنتِجاً أو موزّعاً، أو صاحب صالة عرضٍ، أو مؤسّس مهرجان أو مديره، أي ذاك المعنيّ بالجانب التجاري ـ الاقتصادي ـ الترويجي للفنّ السابع. فهؤلاء يشعرون بـ"نوعٍ" من "حبٍّ" لصناعة الصورة المتحرّكة، فالتجاري ـ الاقتصادي ـ الترويجي، إن يُنجَز ببراعة ومهارة، يُكدِّس أموالاً، وهذا كافٍ لهؤلاء كي يشعروا بـ"حبّ" لصناعة السينما. الحبّ المذكور يتحرّر من علاقة مخرج ـ مخرجة، أو ممثل ـ ممثلة، أو عامل ـ عاملة في أي مهنةٍ من المهن السينمائية (في كلّ مهنة منها هناك ما يُثير شغفاً، أو حبّاً على الأقلّ، في ذات عامل ـ عاملة فيها) بالسينما، لأنّ الحبّ المذكور حاضرٌ في الحبكة والحالة والشخصية والمسار والانفعال والموضوع والشعور، وهذه كلّها مصنوعة بحبّ، أيضاً، لكنّها حاضرة في جوهر النصّ السينمائي وصُنعه.

مثلٌ أوّل: مشاهدة "دجانغو غير المُقيَّد" (2012)، لكوانتن تارانتينو، ربما تحجب جوهر الحكاية وأصلها، وهذان كامنان في أنّ هناك حبّاً عاصفاً بين شخصيتين، ينبثق منه كلّ شيءٍ آخر. لا إلغاء لكلّ شيءٍ آخر، ولا لأهميته، درامياً وأخلاقياً وثقافياً وسردياً. العنصرية حاضرة، عبر سخرية مريرة يبرع تارانتينو في ابتكارها السينمائي. خنوع أفروأميركي ("عبدٌ" أسود) لسلطة رجل أبيض، والتزلّف له، والانصياع لرغباته، إلى خيانة الأفروأميركي (الـ"عبد" الأسود) هذا لقومه، تفصيلٌ أساسيّ أيضاً. لؤم الرجل الأبيض وادّعائه تعاطفاً ما مع أفروأميركي ("عبدٌ" أسود)، أحياناً، جزءٌ من نصٍّ، يريد تارانتينو عبره رسم صورة حقيقية، لكنْ ساخرة ومرّة وقاهِرة، عن فصلٍ من تاريخ أميركا، مرتبط بالعبودية والعنصرية.

لكنْ، كلّ هذا منبثقٌ من حالة ـ مسألة: غرام دجانغو فريمان (جيمي فوكس) ببرومْهيلدا فون شافت (كيري واشنطن)، والغرام هيامٌ وعشقٌ يبلغ مرتبة جنونٍ أحياناً، ويُشكِّل أصل الحكاية، التي تُضاف إليها مطاردة كينغ شولتز (كريستوفر فالتس)، صائد الجوائز، أناساً مطلوبين للعدالة، أو للقتل. سياقان يلتقي أحدهما بالآخر في لحظةٍ، فيكوّنان معاً حكاية حبٍّ تكاد تطغى (إنْ لم تكن أكثر طغياناً) على كلّ شيءٍ آخر. ألن يشعر كينغ شولتز بـ"حبٍّ" ما لدجانغو نفسه، ولعشقه بيرومْهيلدا أيضاً؟

 

 

القتل والحبّ وأشياء أخرى

مثلٌ ثانٍ: مقتل مورون ماك كلانو (كاثرين ماك كورماك)، بعد اعتداء جنسي عليها، دافعٌ مباشر لويليام والاس (مِل غيبسون) إلى الانتقام من قاتليها، حكّام اسكتلندا، وشنّ إحدى الحروب المشهورة بين المقاطعات التي تُصبح لاحقاً "المملكة المتحدّة"، في "قلب شجاع" (1995)، لغيبسون نفسه (زمن الأحداث عائدٌ إلى الربع الأخير من القرن الـ13). القصّة الأصلية، أي الصراع القائم بين اسكتلنديين وحكّام إنكلترا وأيرلندا، حقيقية. شخصية والاس (1270 ـ 1305) معروفةٌ في تاريخ النضال ضد الاحتلال. مقتل والده وشقيقه يجعله متوارياً عن الأنظار، وعند عودته شاباً، يُقرّر العيش بهدوء مع من يحبّها.

مقتل أب وأخ غير محرِّض على نضال. قتل حبيبةٍ دافعٌ إلى بدء رحلة ثأر، محفوفة بمخاطر جمّة، وصراعات غير مقيّدة بسيوف وأحصنة، فللسياسة ومؤامراتها، وللخونة ومصالحهم، دورٌ أساسيّ يؤدّي، في النهاية، إلى شنق والاس. استعادة حقبةٍ تاريخية كهذه، في فيلمٍ، عاديّة وفاعلة في الإنتاج السينمائي، ومُكرّرة مراراً، وكلّ استعادة، وإنْ يكن محورها الحكاية الأصلية نفسها، مصنوعة بأسلوبٍ وتفكير ورؤية تختلف من مخرج إلى آخر، وتُروى لأهدافٍ ربما لن تكتفي بمجرّد الاستعادة، فإسقاطات آنية مؤثّرة أيضاً.

لكنْ، يُمكن مشاهدة "قلب شجاع" من منظار الحبّ، ولا شيء غيره. حبّ عاصف بين طفلين ـ يتجذّر في ذات كل واحد منهما، وروحه وانفعاله وسلوكه، ويُرافقهما إلى مرحلتي البلوغ والنضج ـ أساسيّ في الحكاية أيضاً، إنْ لم يكن الأساسيّ. يحدث هذا في "الوطني" (2000)، لرولاند إيميريك، أيضاً: بنجامن مارتن (غيسبون نفسه)، أرمل ووالد 7 أبناء وبنات، مُسالِمٌ رغم كونه محارباً قديماً في "حرب الغزو" في أميركا الشمالية (1754 ـ 1760)، أو ربما بسبب تلك الحرب. يريد حياة هادئة مع عائلته، بعيداً عن صخب "حرب الاستقلال الأميركي" (1775 ـ 1783)، التي، رغم هذا، تمرّ قريباً منه ومن أبنائه وأقارب له. يتبدّل الواقع، بعد انخراط غبريال (هيث لادجر)، الابن البكر، في "الجيش القاريّ"، غصباً عن والده.

حبّ الابن جامح. ما يُشبه الجنون يحلّ في الأب، دافعاً إياه إلى خوض معركة، شخصية أساساً، كمن يسعى إلى اغتسالٍ من غضبٍ ودمٍ وقهر، أو كمن يجهد في خروجٍ من عتمةٍ وانكسار وموت. حبّ يختلف عن ذاك العشق بين شابٍّ وصبيّة، في حربٍ غير مختلفة عن أي حربٍ أخرى، شكلاً ونتائج، على الأقلّ. حبّ يُخرِج من يحبّ إلى عالمٍ يرفضه فينبذه، أو يكتفي بابتعادٍ عنه، لكنْ من دون جدوى، غالباً. حبّ أبّ غير مختلفٍ عن حبّ عاشقٍ، بقوّته وعاطفته وجماله وهيبته وهيامه وتوقه إلى سلامٍ، يُتيح للمحبّ والعاشق أنْ يعيشاه فعلياً.

ألن يكون حبّ الأخ لأخيه شبيهاً بهذا أيضاً؟ "طراودة" (2004)، لوولفغانغ بيترسن، مثلٌ على ذلك: عشق بارّيس (أورلاندو بلوم) لهِلِن (دايان كروغر) سببٌ في اندلاع إحدى حروب اليونانيين والطراوديين. تعلّق بارّيس بها يدفعه إلى مبارزة، لن يتجرّأ على إنجازها، فيتولّى الشقيق الأكبر، هكتور (إيريك بانا)، تنفيذها، ومع انتصاره فيها، تُعلَن حربٌ جديدة بين العدوين اللدودين. أما حبّ الأب، بْريام (بيتر أوتول)، ملك طروادة، لبارّيس وهكتور معاً، يجعله ذليلاً أمام أخيل (براد بيت)، بهدف استعادة جثّة ابنه بارّيس.

آخر جديدٍ سينمائي ينتمي إلى السينما الرومانسية: "حيوات سابقة" (2023)، للكورية الكندية سيلين سونغ (مُقيمة في الولايات المتحدّة الأميركية): نورا (غرينا لي) وهاي سونغ (تيو يوو) طفلان ـ مراهقان (12 عاماً لحظة بدء حكايتهما السينمائية في كوريا الجنوبية)، يلتقيان مجدّدان بعد ربع قرن على "هجرة" نورا مع أهلها إلى كندا. إيقاع هادئ (مفردة "بطء" ربما تشي بغير المقصود، فالمقصود بـ"هادئ" أو "بطيء" كامنٌ في أنّ الإيقاع غير مستعجل في كشف الأحداث، وغير معنيّ إلاّ بكشف مكامن روح ونفس وعلاقة وانفعال، إلى تفاصيل هجرة وارتباط بأكثر من بلد)، على نقيض مشاعر، لن يظهر غليانها مباشرة، بل فقط بساطتها وصدقها وعمقها، وإنْ بلمحاتٍ تختلف في سياق تصاعدي للحكاية.

 

خاتمة

السابق محاولة لقراءة تدّعي اختلافاً، وإنْ يكن الاختلاف قليل. لا ادّعاءَ تنظير أو تصنّع أو تفلسف. ربما السابق كلّه منبثقٌ من إحساس شخصيّ، يريد إسقاطاً للحبّ على أفلامٍ، لن تكون عن الحبّ حصراً. تمرينٌ لا أكثر، ورغبةٌ في مقاربة تبدأ من النقد، لكنّها "تنحرف"، ولو قليلاً، عنه، باتّجاه بحثٍ عن سمات الحبّ في أفلامٍ، غير مُصنّفة رومانسية. فاللحظة احتفالٌ بـ"عيد العشّاق"، والمهنة تتطلّب، أحياناً، سرداً لأفلام الحبّ في مناسبة عيد الحبّ، ولا بأس باختلافٍ قليلٍ عن المعتاد في المهنة.

لكنّ الاحتفال بعِيدٍ كهذا مُعطّل، لأنّ حرب إبادة تشنّها إسرائيل ضد قطاع غزّة، أناساً وعمارة وجغرافيا، على الأقلّ، تحول دون احتفاء، ولو متواضع، بلحظة كهذه. وأيضاً، لأنّ حروباً تُشبه الإبادة تحصل في دولٍ عربية أخرى، مع أنّ الاحتفال بعيد الحبّ أو بعيد العشّاق لن يحول دون تنبّه إلى كلّ هذا الدم والعنف والدمار والخراب، في الجغرافيا العربية كما في بعض العالم.

المساهمون