هل يكون 2024 عام انهيار الاقتصاد الأميركي؟

12 مايو 2024
هل خرج الاقتصاد الأميركي عن سيطرة رئيس البنك الفيدرالي جيروم باول؟ 30 مارس 2024 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الاقتصاد الأميركي يشهد تحديات كبيرة مثل التضخم وتباطؤ النمو، مع ارتفاع معدلات الفائدة وتوقعات بركود تضخمي، بينما الدين الوطني يتجاوز 34 تريليون دولار مع توقعات بالزيادة.
- الحملات الانتخابية تركز على الاقتصاد؛ حيث تحاول حملة ترامب التقليل من إنجازات بايدن، محذرة من انهيار اقتصادي، بينما تبرز إدارة بايدن المؤشرات الإيجابية للاقتصاد.
- تحديات خارج الأساسيات الاقتصادية تشمل سياسات الحماية التجارية وتأثير شركات التكنولوجيا الكبرى، مع تراجع ثقة المستهلكين وخطط للحد من الإنفاق، مما ينذر بتحديات مستقبلية للاقتصاد.

مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأميركية، في 5 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، تعلو وتيرة المناقشات عن الاقتصاد الأميركي باعتباره العامل الأكثر تأثيراً، في أغلب الأحوال، على توجهات الناخبين، أو على الأقل الشريحة غير المرتبط تصويتها بالانتماء الحزبي منهم.

وفي حين تسعى حملة الرئيس السابق والمرشح الجمهوري دونالد ترامب للتقليل من إنجازات الرئيس الحالي الديمقراطي جو بايدن، والتحذير من اقتراب الاقتصاد الأميركي من الانهيار، تتمسك إدارة بايدن بالعديد من المؤشرات التي تعكس الحالة القوية للاقتصاد، وتحاول في الوقت نفسه الربط بينها وبين قراراته.

التضخم والفائدة ومعدلات النمو

وارتفعت الأسهم الأميركية بنسبة تقترب من 9% في عام 2024 حتى نهاية الأسبوع الماضي، قياساً بمؤشر إس أند بي 500 الأكثر تعبيراً عن قطاعات الاقتصاد الأميركي المختلفة. لكن الأسواق أظهرت تباطؤاً خلال الأسابيع الأخيرة، حيث تراجع مؤشر الشركات الكبيرة بنسبة 1.3% في الفترة التي مضت من الربع الثاني، ما دفع بعض المستثمرين إلى الخروج من السوق، في ظل أخبار اقتصادية مثيرة للقلق، كان أهمها تباطؤ النمو الاقتصادي، وتراجع سوق العمل، وارتفاع التضخم الأساسي، ومن ثم بقاء معدلات الفائدة عند أعلى مستوياتها في أكثر من عقدين.

ويطلق الاقتصاديون على هذا السيناريو اسم "الركود التضخمي"، وهو بمثابة إنذار للاقتصاديين والمستثمرين وصناع السياسات المالية والاقتصادية. وفي أواخر إبريل/ نيسان، أفادت وزارة التجارة الأميركية بأنّ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول تباطأ إلى مستوى فاتر بلغ 1.6%، وهو أبطأ بكثير من الزيادة المسجلة في الربع الرابع من العام الماضي، التي وصلت إلى نسبة 3.4%، رغم أنه ما زال الأفضل بين الاقتصادات الكبرى.

وفي الوقت نفسه، ارتفع معدل التضخم الأساسي في الولايات المتحدة إلى 3.7% في الربع الأول من عام 2024، وهو أعلى من التوقعات البالغة 3.4%. وهذا أعلى من معدل معتدل يقدر بنحو 2% تم تسجيله في الربع الرابع من العام الماضي.

وأدى ارتفاع التضخم وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى عرقلة خطط مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) المعلنة لبدء دورة جديدة من خفض أسعار الفائدة، ستكون الأولى منذ عام الجائحة. وقبل بضعة أشهر فقط، توقع بعض الاقتصاديين ستة تخفيضات في أسعار الفائدة في عام 2024، لكن أسواق العقود المستقبلية والآجلة تعكس حالياً توقعات بألّا يزيد عدد التخفيضات في 2024 على اثنين.

ومع التطورات الأخيرة، ظهر العديد من التحليلات للأسواق الأميركية، رأى بعضها ركوداً تضخمياً يلوح في الأفق، شبيهاً بما حدث في الاقتصاد الأكبر في العالم في فترة السبعينيات، ما نتج منه ارتفاع درجة عدم اليقين في الاقتصاد الأميركي بصورة واضحة.

وتوقع حساب Game of trades على موقع التواصل الاجتماعي إكس، الذي يقول في تعريفه بنفسه إنه معنيّ بأبحاث الاستثمار المبنية على البيانات، دخول الاقتصاد الأميركي في ركود في النصف الثاني من العام الحالي. ورصد في سلسلة منشورات نشرها الأسبوع الماضي توقف تراجع معدل التضخم في الولايات المتحدة، وارتفاع نسبة الدين الأميركي إلى الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة إصدار سندات الخزانة الأميركية مع ارتفاع العائد المدفوع عليها، مؤكداً أن سوق السندات الأميركية قد بدأت انهيارها بالفعل.

وفي الوقت الحالي، تجاوز الدين الوطني الأميركي 34 تريليون دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 57 تريليون دولار خلال السنوات القليلة المقبلة. وهذا المستوى "غير المسبوق" من الديون، وفقاً لقول مدير مكتب الميزانية في الكونغرس، فيليب سواجل، بحسب ما نقل عنه موقع كوين تريبيون، يضع الولايات المتحدة على مسار محفوف بالمخاطر، أشبه بذلك الذي سلكته المملكة المتحدة قبل أزمتها المالية الأخيرة.

ولكن مارك ج. هيغينز، نائب الرئيس الأول في شركة إندكس فاند أدفيزورز في بورتلاند بولاية أوريغون، قال في مذكرة: "أحد أقوى الدروس المستفادة من دراسة 234 عامًا من التاريخ المالي للولايات المتحدة هو أن انهيارات السوق لا يمكن التنبؤ بها إلى حد كبير". وأكد هيغينز أن أحد الأسباب وراء ذلك هو أن العديد من أسوأ الحوادث نجمت عن أحداث كانت بحكم تعريفها غير قابلة للتنبؤ بها.

ويقول هيغينز: "على سبيل المثال، تعود أصول الذعر الذي حدث عام 1819 إلى ثورة بركان جبل تامبورا عام 1815، وما تلا ذلك من تبريد عالمي وفشل المحاصيل الأوروبية الذي أعقب ذلك. وتعود أصول ذعر عام 1907 إلى زلزال سان فرانسيسكو عام 1906، في حين سببت جائحة عالمية ذعر مارس/ آذار 2020".

وكتب كيندال ديلي، المحلل المالي المعتمد لدى شركة Vineyard Global Advisors في مذكرة: "لقد فاجأتنا قراءات التضخم في بداية العام باتجاهها الصعودي، حيث بلغ متوسط مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي على أساس شهري 0.4% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وهذا يعادل معدل مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي السنوي لثلاثة أشهر بنسبة 4.5%، ما يشير إلى أن التضخم قد يظل أعلى لفترة أطول من المتوقع".

وأشار ديلي إلى أنه "بالتزامن مع إعلان معدلات التضخم الساخنة في بداية العام، ارتفعت العائدات، مع ارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بأكثر من 83 نقطة أساس إلى أعلى مستوى إغلاق في عام 2024 عند 4.7%". وتراجع العائد على سندات العشر سنوات منذ ذلك الحين، أي ارتفعت أسعارها، إلى نحو 4.5% قبيل نهاية الأسبوع الماضي.

وأضاف ديلي أن شبح التضخم العنيد، وبنك الاحتياط الفيدرالي الأقل تكيفًا، وأسعار الفائدة المرتفعة، يمثلان معًا رياحًا معاكسة كبيرة للأسهم والاقتصاد الأميركي.

الاقتصاد الأميركي والسياسات الحمائية

وبعيداً عن تحليل الأساسيات، يتعرض الاقتصاد الأميركي والعالمي لمخاطر "جديدة قديمة"، ممثلة في سياسات الحماية التي تفرضها بعض الدول، من خلال فرض التعرفات الجمركية على وارداتها من بعض الدول، وعلى سلع معينة.

وبينما بدا الرئيس بايدن متردداً في فرض التعريفات على بعض واردات بلاده من الصين، كان ترامب عازماً على إزالة الوضع التجاري للدولة الأكثر تفضيلاً للصين، وفرض تعرفات أساسية عالمية بنسبة 10% على الواردات. وفي القاعات المغلقة، طرح ترامب فكرة فرض تعريفات جمركية تصل إلى 60% على البضائع الصينية، وفقًا لما نشرته صحيفة واشنطن بوست.

وتخطط إدارة بايدن أيضاً لرفع الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية من 25% إلى 100%، ومن المتوقع أن تعلم الإدارة عن قفزة الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية ضمن رسوم جمركية أخرى على واردات الطاقة النظيفة، يوم الثلاثاء المقبل، وفق ما نقلت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، أمس السبت.

وقال ضياء بيرناس، المؤسس المشارك لشركة بيرناس للأبحاث، وهي شركة لإدارة الأصول في سان خوان، بورتوريكو، في تعليقه على الأخبار وقتها لوسائل إعلام أميركية إن "التراجع عن العولمة يهدد بتقويض النمو الاقتصادي وتوليد الثروة الذي يسرته التجارة الحرة وغير المقيدة. وعلى الرغم من التباطؤ في التعاون الدولي، هناك تفاؤل حذر بأن الدول ستجد طرقاً مفيدة للطرفين للتعاون، والحفاظ على درجة من الاستقرار الاقتصادي العالمي".

الاقتصاد الأميركي وشركات التكنولوجيا الكبرى

وهيمنت شركات التكنولوجيا الكبرى المستفيدة من تطبيقات وبرامج الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الأميركي في السنوات الأخيرة. وأصبحت أسهم "العظماء السبعة" أشبه، مع بعضها البعض، بمؤشر جديد، يمكن من خلاله معرفة توجهات سوق الأسهم، سواء عند تخلف بعضها عن تحقيق معدلات الربحية المتوقعة، أو عند انطلاق أي منها في فتحٍ جديد، يضمن لها قطعة أكبر من كعكة الذكاء الاصطناعي.

ويقول ميتش بودينميلر، مدير المحافظ ومحلل الأبحاث في شركة Buckingham Advisors في دايتون في حديث نقله موقع "يو إس نيوز": "لقد أدى أداء شركة إنفيديا في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2024 إلى نقلها إلى ثالث أكبر سهم في مؤشر إس أند بي 500، وكان ذلك جزءًا كبيرًا من الارتفاع واسع النطاق. وإذا بدأت الشركة أو أي شركة أخرى من مجموعة العظماء السبعة بالتخلف عن تقديرات الأرباح أو إصدار توجيهات أضعف من المتوقع، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى تراجع في سوق الأسهم الأميركية برمتها".

ويقول روب هاوورث، كبير مديري استراتيجية الاستثمار في إدارة الثروات في "بنك يو إس إيه"، في مذكرة بحثية جديدة: "إننا نشهد أرباحًا وإيرادات أفضل من المتوقع في الربع الأول. قد يكون هناك بعض خيبة الأمل في توقعات الأرباح التطلعية التي قدمتها الشركات حتى هذه اللحظة، لكن الصورة ما زالت إيجابية على المستوى العام".

الاقتصاد الأميركي وتراجع ثقة المستهلكين

وبالفعل بدأ بعض الأميركيين بفقدان ثقتهم بالاقتصاد الأميركي، حيث أظهرت ثقة المستهلكين تراجعاً في شهر إبريل إلى أدنى مستوى لها منذ يوليو/ تموز 2022، وأصبح المستهلكون أقل إيجابية بشأن الوضع الحالي لسوق العمل وأكثر قلقاً بشأن ظروف العمل المستقبلية وتوافر الوظائف والدخل، وفقاً لمركز الأبحاث غير الربحي "كونفرنس بورد".

وقالت دانا إم بيترسون، كبيرة الاقتصاديين في مركز الأبحاث: "على الرغم من انخفاض المؤشر العام في إبريل، فإن التفاؤل بشأن الوضع الحالي لا يزال يعوض المخاوف بشأن المستقبل".

وفي الوقت نفسه، يخطط 51.5% من المستهلكين الأميركيين للحد من الإنفاق على التجزئة لبقية عام 2024، وفقًا لتقرير "غلوبال داتا GlobalData" الجديد، الذي أشار إلى دخول الأميركيين في وضع "المقتصد". وقال 34.1% من المتسوقين إنهم اشتروا ملابس مستعملة حتى الآن في عام 2024.

وأضافت: "لا حرج في شراء الجينز أو السترات الصوفية الكلاسيكية، لكن العدد المتزايد من الأميركيين الذين يقومون بذلك يعد علامة تحذير أخرى للاقتصاد ولسوق الأوراق المالية".

وأظهر استطلاع أجرته شركة التأمين Allianz Life في 7 مايو/ أيار أن 47% من الأميركيين يرون الآن أن التقاعد بمثابة انتقال بطيء بعيدًا عن العمل بدوام كامل. وقال 61% إن الناس يجب أن يتوقعوا أنهم سيحتاجون إلى العمل في التقاعد من أجل البقاء.

وفي السياق، أطلقت مبيعات التجزئة الأميركية أخيرًا صفارة إنذار قوية، في ظل تعاملها مع المستهلكين الذين سئموا التضخم وموجة من حالات الإفلاس، حيث نبهت إلى إغلاق ما يقرب من 3200 متجر حتى الآن في عام 2024، وفقًا لتحليل جديد نشرته Coresight المتخصصة في تتبع بيانات مبيعات التجزئة.

وقالت الشركة في تحليلها إنه "على الرغم من أن بعض تجار التجزئة يخططون للتوسع هذا العام، فقد أعلنت السلاسل الكبرى افتتاحات أقل بنسبة 4% مقارنة بالعام السابق".

المساهمون