عشائر قطاع غزة.. جبهة الحرب الإسرائيلية الصامتة

29 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:03 (توقيت القدس)
يكافح الفلسطينيون من أجل الحفاظ على حياتهم، دير البلح 2025/12/20 (سترينجر، أنادولو/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استهدفت إسرائيل العشائر الفلسطينية في غزّة لتفكيك النسيج المجتمعي وزرع الفتنة باستخدام الحرب النفسية والإعلامية، بهدف تهميش الدور العشائري التقليدي المرتبط بالمقاومة.

- رغم المحاولات الإسرائيلية، فشلت في تحقيق أهدافها بسبب الوعي الوطني القوي للعشائر الفلسطينية، التي رفضت التماهي مع مخططات الاحتلال ولعبت دورًا محوريًا في دعم الجبهة الداخلية.

- تمثل العشائر في غزّة جزءًا من الهوية الوطنية وجدار حماية للمجتمع الفلسطيني، حيث حافظت على النسيج الاجتماعي ومنعت الانفلات الأمني، مما يعكس التزامها الوطني وعمقها الشعبي الداعم للمقاومة.

مثّل مقتل ياسر أبو شباب، الذي تبرأت منه قبيلة الترابين وقامت "بتشميسه"؛ عقب ظهوره خارج السياق الوطني، والإجماع العشائري، وتقاطع أقواله وأفعاله مع مخططات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزّة؛ لحظةً مفصليةً في فهم طبيعة المواجهة والصراع بين الاحتلال الإسرائيلي والمجتمع الفلسطيني ومكوناته بأبعاده العسكرية والاجتماعية، من خلال التفكيك والاختراق.

خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة، التّي لم تقتصر على استهداف المقاومين والبنية التحتية، بل تجاوزت ذلك إلى ضرب النسيج المجتمعي، ومحاولة تفكيك حاضنة المقاومة الشعبية. برزت العشائر الفلسطينية هدفًا مركزيًا، بوصفها ركيزةً اجتماعيةً صُلبةً، وحاضنةً شعبيةً لها امتداد تاريخي في دعم المقاومة الفلسطينية. فما هي ملامح الحرب الإسرائيلية على عشائر غزّة ومحدداتها؟ ولماذا أصبحت العشائر الفلسطينية في غزّة ضمن دائرة الاستهداف؟ وهل نجحت إسرائيل في مخطط اختراق العشائر الفلسطينية وتفكيكها حاضنةً شعبيةً للمقاومة؟

منذ نشأته، لم يتعامل الاحتلال الإسرائيلي مع المجتمع الفلسطيني بوصفه كتلةً موحدةً، بل سعى دائمًا إلى تفكيكه إلى مكونات طائفية وعشائرية ومناطقية يمكن التحكم بها. ويُعد توظيف العشائر من أبرز أدوات هذا النهج، خصوصًا في قطاع غزّة، حيث يتداخل البُعد العشائري مع الدين والسياسة والمقاومة. أدركت إسرائيل منذ بداية الصراع أن القوّة الصلبة وحدها لا تكفي لإسقاط المقاومة في قطاع غزّة، فبدأت تتجه نحو أدوات التفكيك الناعم، من أبرزها: محاولة توظيف البنية العشائرية في غزّة، مدخلًا لإضعاف حاضنة المقاومة الاجتماعية، وزرع الفتنة داخل النسيج المجتمعي، مستخدمةً الحرب النفسية والإعلامية من خلال ضخ دعاية مركزة عبر وسائل إعلامها، وصفحات ناطقة بالعربية تظهر بعض العشائر على أنّها "تعارض المقاومة"، أو "تسعى إلى حكم ذاتي"، كما من خلال محاولة خلق قيادة محلية بديلة.

لم تنجح المحاولات الإسرائيلية لضرب العلاقة بين المقاومة وعشائر غزّة وتفكيكها؛ لكنها لم تتوقف أيضًا، ما يعني أنًها فشلت

أثناء اجتياحات قطاع غزّة بريًا؛ روّجت إسرائيل رسميًا على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، ووزير حربه يوآف غالانت فكرة المجالس المحلية، أو الزعامات البديلة في بعض المناطق، خصوصًا تلك التي شهدت فراغًا مؤقتًا بسبب القصف أو النزوح، في محاولة لتهميش الدور العشائري التقليدي المرتبط بالمقاومة.

استهداف إسرائيل العشائر الفلسطينية ليس طارئًا أو وليد حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزّة؛ ذلك أنّ الرؤية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تقوم على عقلية استعمارية كلاسيكية، تستلهم من تجارب القوى الاستعمارية الغربية، خصوصًا بريطانيا، وقد ورثت إسرائيل هذا النموذج عبر ما يُعرف بروابط القرى في الضفّة الغربية في الثمانينيات، وهي رؤية ترى أن الانقسام الداخلي هو مفتاح السيطرة السياسية.

خلال حرب الإبادة؛ طورت إسرائيل هذه الرؤية فلم تعد تسعى إلى تعزيز الانقسام من أجل السيطرة، بل ذهبت إلى محاولة اختراق العشائر من أجل تفكيك العلاقة بينها وبين المقاومة؛ باعتبار أنّ عشائر غزّة تُعد أحد أهمّ مكونات حاضنة المقاومة الشعبية ورافدها البشري، وعامل إسناد في مواجهة الاحتلال.

يقوم الأساس الفكري المحدد لتعامل إسرائيل مع العشائر على منهج تفكيكي استعماري، يعتمد على استبدال الهوية الوطنية الجامعة بهويات فرعية ثانوية هامشية منبوذة، يمكن إدارتها واختراقها. وبالتالي عندما تتحدث إسرائيل عن "الشراكة مع وجهاء"، أو "تفاهم مع سكان محليين"، فهي تنطلق من نظرة استعلائية استعمارية، ترى الفلسطينيين "مكوّناتٍ بدائيةً" يمكن تفكيكها والتلاعب بها، بدلًا من الاعتراف بهم شعبًا موحّدًا تحت الاحتلال. غير أن المجتمع الفلسطيني، رغم الضغوط والانقسام والابتزاز الإسرائيلي، وحرب الإبادة، ما زال يحتفظ بوعيٍ جمعيٍ قوي، يحبط هذه الاستراتيجيات ويُبقي على العشيرة رافعةً اجتماعيةً وطنيةً، لا أداة تفكيك.

لم تنجح المحاولات الإسرائيلية لضرب العلاقة بين المقاومة وعشائر غزّة وتفكيكها؛ لكنها لم تتوقف أيضًا، ما يعني أنًها فشلت؛ وفشل إسرائيل ليس انطباعًا شخصيًا أو تقديرًا ذاتيًا، بل له جملة مؤشرات ومحددات تعتبر حصنًا وجدارًا حال دون الاختراق الإسرائيلي للعشائر، وهذه المحددات هي الانخراط الكبير للعشائر في المقاومة على مستوى القيادات والميدان، ووجود تاريخ طويل من التلاحم بين العشائر الفلسطينية والمقاومة على مدار عمر النضال والثورة الفلسطينية منذ الانتداب البريطاني حتّى اللحظة الحالية، وعامل وعي العشائر الوطني وفهمها المخططات الإسرائيلية.

دفع إدراك العشائر أنّها في دائرة الاستهداف الإسرائيلي إلى القيام بردة فعل معاكسة لمواجهة مخططات الاحتلال، وقطع الطريق على محاولاته، وقد شهدنا وعايشنا في بعض المناطق مبادرات عشائرية لدعم الجبهة الداخلية، وتطوع أبناء العشائر في القتال وتنظيم الحياة وحماية الجبهة الداخلية في مناطق النزوح. فالعشائر في قطاع غزّة ليست مجرد تركيبة اجتماعية، بل تُمثّل جزءًا من الهوية الوطنية، وعمقًا شعبيًا داعمًا للمقاومة؛ احتضنت آلاف المقاتلين من أبنائها ضمن الفصائل الفلسطينية المختلفة؛ ولعبت دورًا في إدارة الأزمات الداخلية واحتواء التوتر؛ وحافظت على النسيج الاجتماعي ومنعت الانفلات الأمني؛ وما زالت مرجعية تحظى بالثقة في فض النزاعات والقضاء والتحكيم والعرف، وهي خزان بشري للمقاومة، لديها نظام تكافل مجتمعي في زمن الحصار والحرب، وتوفر غطاء المقاومة الاجتماعي، وتعيد ترميم المجتمع بعد كلّ حرب؛ وفوق ذلك لعشائر قطاع غزّة امتداد تاريخي في مقاومة الاحتلال منذ النكبة، مرورًا بالانتفاضات؛ حتّى حرب الإبادة الحالية.

 إسرائيل لم تعد تسعى إلى تعزيز الانقسام من أجل السيطرة، بل ذهبت إلى محاولة اختراق العشائر من أجل تفكيك العلاقة بينها وبين المقاومة

لقد اثبتت عشائر قطاع غزّة رغم الحرب المُعلنة عليها أنّ لديها التزامًا وطنيًا لا يتغير ولا يتزحزح، كما أنّها صمام أمان اجتماعي وسياسي واقتصادي للمجتمع وللمقاومة وللمشروع الوطني الفلسطيني، وهي ترفض التماهي مع مشاريع الاحتلال ومخططاته حتّى لو كان ذلك سيفضي لقصفها وأبنائها، وقد حدث بالفعل خلال حرب الإبادة، إذ تعرضت عشائر وعائلات عدّة للإبادة لأنّها رفضت التعاطي مع الاحتلال ومخططاته. رغم المحاولات الإسرائيلية العسكرية والأمنية والاستخباراتية لم تُسجّل حالات اختراق حقيقية لبنية العشائر، ما يُعد إخفاقًا واضحًا للمراهنة الإسرائيلية على التفكيك المجتمعي.

ختاماً لم تنجح إسرائيل فعليًا في توظيف العشائر في قطاع غزّة كما أرادت، بسبب وعي العشائر الوطني، وارتباطها التاريخي بالمقاومة. لكن محاولاتها مستمرة ضمن سياسة التفكيك المجتمعي والاختراق الرمزي، خصوصًا في ظلّ الفراغات التّي يتركها العدوان والدمار والانقسام السياسي. العشائر ليست إرثًا اجتماعيًا فقط، بل هي جدار الحماية الأخير للمجتمع الفلسطيني في وجه التفكيك والتهجير.

المساهمون