سورية "تستكثر" مدرسة على عبد السلام العجيلي

12 مايو 2026   |  آخر تحديث: 09:54 (توقيت القدس)
عبد السلام العجيلي (1918 - 2006) (صفحة عنه في فيسبوك)
+ الخط -
اظهر الملخص
- عبد السلام العجيلي كان شخصية متعددة الأبعاد، حيث جمع بين الطب والسياسة والأدب، وشارك في حرب 1948 للدفاع عن فلسطين، معبراً عن معاناة الشعب الفلسطيني في أعماله الأدبية.
- ركز العجيلي على النقد العلمي والمعرفي لمواجهة الأصولية، وسعى لتأسيس مشروع نهضة سوري يقوم على الجمال والعقل، محذراً من الاستبداد والجهل، ومؤكداً على أهمية الوعي بالحرية.
- انتقد استعارة الأفكار الجاهزة وتأثير الحكام، وسعى لتعزيز العلاقات الاجتماعية من خلال الأدب والفن، مع التزامه بالإنسانية والعدالة الاجتماعية.

ليس من أمرَ بإزالة اسم عبد السلام العجيلي عن مدرسة سيئ النية، هو جاهل. لا يعرف العجيلي، ولا يعرف ما هي سورية، ومن صنع ذاكرتها وثقافتها.

الطبيب، والنائب والوزير، النشمي، الجدع، الشهم، دفعته مروءته في عام 1948 ليتطوّع في جيش الإنقاذ، ويقاتل في فوج اليرموك الثاني تحت قيادة أديب الشيشكلي لإنقاذ ما يمكن من فلسطين. في قصته "كفن حمود" يروي مقتل - استشهاد حمود في هذه الحرب ومعاناة أم حمود (نجمة) وهي تنتظر وصول جسده لتدفنه وقد اشترت له (كفناً) ليس كأي كفن، وضاع دمه، ولم يؤخذ بثأره إلى اليوم، وهو ابن القبيلة العربية؛ الثأر إلا الثأر: "كلما دار حديث النكبة وسمعت عمتي نجمة لفظة فلسطين سألت في لهفة: أترى فتحت الطريق لألملم عظام ذلك الصبي؟ قضية فلسطين كلها بالنسبة الى عمتي نجمة هي قضية طريق مسدودة لا بد من أن تفتح. إن لم تفتح اليوم فستفتح غداً"، فنبكي ونضحك في قصته ضحكاً بكاءً أسود، ونزيد على سؤال نجمة العجيلي: متى ستفتح؟

كان العجيلي في محاضراته وفي رواياته وقصصه كالفيلسوف، يقيم بحثاً عن الجمال ليؤسس فيه مشروع نهضة سوري تأسيساً معرفياً

بعد حرب الإنقاذ وُجِدت ساحة صراع يتنافس ويتناحر فيها العلماني والليبرالي والقومي والاشتراكي والسلفي، وذاك العسكري الذي سيغتصب السلطة، ويفعل ما يفعل. استمر في نقده لخطاب هؤلاء الفرقاء نقداً معرفياً، فيتهكّم ويسخر همساً ولمزاً، ويحرّض على تفكيك وخلخلة إنتاجهم التسلط والاستبداد، ونرى بعضاً من هذا في روايته "باسمة بين الدموع".
العجيلي (1918- 2006) اشتغل مثقفاً يقلع التمائم والتعاويذ والسبحات ويرميها من عقول "المتعيلمين" و"المتفيقهين"، ويرفع الوصاية عن العقل بصفته قوة عظمى، ويؤكد أن سلطته أقوى من سلطة أي نصّ مهما كان مصدره ومشرّعه. في محاضراته تراه يعيدنا إلى زمن الخطابة، إلى أدب النفس، وكان يصر على إلقائها مثلما يصر على نشر قصصه ورواياته، ويحذرنا فيها من الطمع في الشهوة واللذائذ التي تذهب بالأخلاق، فتبيد الفضائل، فنصير أمة عريانة سقط عنها ثوب العفة، فنخون ونجبن، ونستقوي على العباد بالعدو، وتهون علينا البلاد فنعيث فيها خراباً.
كان عبد السلام العجيلي في محاضراته وفي رواياته وقصصه كالفيلسوف، يقيم بحثاً عن الجمال ليؤسس فيه مشروع نهضة سوري تأسيساً معرفياً، مشروع يقوم على النقد العلمي فيكشف كم نحن أصوليون، متزمّتون فكرياً في قضايا الدين والسياسة، وكم نقدّس الماضي، فلا نترك العقل يبحث عن حاضره ومستقبله؛ عن عقلنا الذي صار يتعهر، صار يتقهقر، عقلنا الذي ما عاد يمارس التفكير النقدي فيميّز ما بين ما هو ماضوي لاهوتي وآخر علمي مستقبلي، فكر يعرّي أوهامنا المعرفية، وآخر يحيلها إلى أساطير تسيطر على حياتنا، لأن النقد وحده ما يغيّر مسار الفعل الثقافي، كونه فعلاً عقلياً لا يٌصادر أي رأي، ولا يكفّر أي كائن مهما كانت شدة الخلاف والاختلاف معه، فعل لا يستعدي السلطان السياسي على العقل، فعل ليس له أحبار وكهّان وسدنة يمارسون القهر والاضطهاد، ويستخفّون بالآخر الذي يختلفون معه بالرأي.
العجيلي من المثقفين الذين عاشوا خلافات وصراعات وتمزقات اليمين واليسار السياسي السوري، عاش تنكيتهما وتبكيتهما اللذين عجزا فيه عن النفاذ إلى الواقع والتأثير في الناس ليصنعوا حريتهم واستقلالهم، في الوقت الذي لم يعجز كل من اليمين واليسار عن تكريس سلطة الاستبداد، وتثبيت هيمنته في تناحرهما على السلطة التي سرقها العسكر. فكان في كل هذا سورياً انحاز إلى الحقيقة والجمال، سورياً لم يتخلّق بأخلاق العبيد التي صار لها وكلاء حصريون مختصون بترويجها وتسويقها عبر الكثير من الأقنية. وحتى إنه لم ينخدع بأولئك النسّاك أعداء العلم الذين يدفعوننا لنغزو الأرض بالسيف كفاتحين (ماذا سنفتح؟)، ويحثّوننا لنستشهد من أجلهم، ونطوّب لهم ممتلكاتنا من المال والعيال، فيما القنبلة النووية تدمّر الأرض بضغطة على زر.
لم يكن عبد السلام العجيلي يسعى إلى الحكم، ولا إلى التمسك بالكرسي، وكان يحرص على ألا يخون الثقة التي منحه إياها الناس نائباً ووزيراً. كان يعرف أن ممارسة الحكم تعني السعي إلى انتصار الخير على الشر، وانتصار العلم على الجهل، الجهل الذي حوّل العجيلي إلى عدو لينتقم منه كأن له عنده ثأراً فنزع اسمه من على لوحة مدرسة في تدمر ليستبدله باسم "الصوانة". كما نزع اسم خالد الأسعد حارس الآثار التدمرية ليستبدله باسم "ثانوية تدمر". يا للجهل! 

في قصصه ورواياته يقدّر أن الوعي بالحرية هو القوة المحركة لأي ثورة، فيزيد من جرعاتها حتى لا تنهزم الروح السورية أمام مغتصبي السلطة

حارب عبد السلام العجيلي في جيش الإنقاذ من اجل عيون فلسطين 1948، وشغل ثلاثة مناصب: وزيراً للخارجية ووزيراً للإعلام، ثم وزيراً للثقافة عام 1962. ومن دون الاستعانة بملائكة السماء ولا بشياطين الأرض، فالناس عنده فوق الحكم وفوق الحكومة. والقصة والرواية كما الموسيقا والرسم والنحت والمسرحية، إنما لتقوّي العلاقات الاجتماعية بينهم، فتتحول إلى علاقات ودية، وليس إلى علاقات "سلعية". فكان في قصصه ورواياته يقدّر أن الوعي بالحرية هو القوة المحركة لأي ثورة، فيزيد من جرعاتها حتى لا تنهزم الروح السورية أمام مغتصبي السلطة، فينصّبون أنفسهم مؤسسين لإيمان؛ لمعتقد جديد. لقد كان في سلوكه اليومي يقوّي جسر المودة بينه وبين الناس في تعامله معهم، خاصة المرضى الذين كان يعالجهم من دون مقابل. وهو الطبيب. لا نعرف إذا كانت ستنزع عنه شهادة الطب أو يُجرّد منها.
كان الروائي والطبيب عبد السلام العجيلي في رواياته مثل: باسمة بين الدموع 1958، قلوب على الأسلاك 1974، المغمورون 1979، أجملهن 2001. ضد استعارة الأفكار الجاهزة، خصوصاً في روايته "أجملهن"، فالشرق ليس متخلفاً إلا بسبب حكّامه الذين غرسوا الجوع والفقر والجهل والنعر، والتجويع والتفقير، ومن ثم تجهيل الناس كرهاً وقهراً. وإذا ما نظرنا نحو الغرب بصفته يمثل الحضارة والمدنية والحداثة، فلنعرف أنه الغرب الذي ما يزال يستعمرنا، ما يزال يسرقنا حتى بعد رحيله العسكري، ويتآمر مع وكلائه الذين ما يزالون يحتفظون بوجوده باسم "اللاهوتيات" بدل الإنسانيات، فيصير الشرق ساحة صراع واختبار لنظريات الغرب.
الطبيب والروائيّ عبد السلام العجيلي في الطبّ والسياسة والثقافة كان يُخلخل بنية الخطاب العربي التراثي ويُزيحها ويكسّرها، الذي حوّل التسلُّط والنبذ والإقصاء - كونه خطاباً لا ينتج إلا "العنف" - إلى حبلِ مشنقة للناس، ويقول بأنَّ العقل الذي في رؤوسنا هو ضرورة، ذلك لاستخدامه على الأقل في هذه المرحلة، للتحرُّر من الخرافات، وللتمييز بين خزائن الراسخين في العلم، وخزائن أولئك التي تغُصّ بالجواهر والذهب.