استمع إلى الملخص
- من المتوقع حدوث ارتباكات في التسعير والتعاملات اليومية، مما يثير تساؤلات حول آليات التسعير والديون. قد تؤدي هذه التغيرات إلى ازدحام في البنوك وتوتر في شركات الصرافة.
- يعتقد الخبراء أن الهدف من العملة الجديدة نفسي وأمني، لكن القيمة الحقيقية تعتمد على الإنتاج، مما يجعل التغيير في التصميم غير مؤثر اقتصادياً.
يدور النقاش السوري العام هذا الأسبوع حول موضوع العملة الجديدة بالطبع، فبعد أسبوعٍ فصلَ الإعلان عن التطبيق، وامتلأ بنقاش الألوان والرموز، انتهى وسيبدأ نقاش حساب سعر الأشياء. وبالطبع، سيتأجّل نقاش الشيء الوحيد الحقيقي والمهم، أو سيبقى مغفلاً حتى تقع الواقعة.
طوال أيام، أعطى الجميع آراءهم في تأنيث أرقام العقود وتذكيرها، وبتناسب اللون الوردي مع الكتابة السوداء، وبرمزية الزيتون إن كانت تخصّ كل سورية أو محافظة إدلب (الخضراء)، وبإغفال المعالم التاريخية إن كانت جهلاً أو تجاهلاً، بتوحيد الوجه الخلفي، بتدرّج الألوان.
الأكثر اهتماماً أجرى بحثاً على "غوغل" أو "شات جي بي تي"، وقارن تجارب الدول التي وحّدت الخلفية بالدول التي مايزتها، عن عوامل الأمان في أوراق النقد. واستجلب منشوراً (شائعاً وغير صحيح) عن أن الخمسمئة القديمة حصلت على جائزة أجمل عملة في العالم، جدّد بعضهم نقاشاً لم ينتهِ منذ فتح إيلياء (القدس) عن السنة الهجرية ودقة تداخلها مع السنة الميلادية.
الأسبوعان القادمان سيمتلآن بـ: يفترض أن تكون علبة المتّة الكبيرة بـ 293 ليرة جديدة، لماذا جعلوها بـ 300؟ التجار لصوص. "ميكرو باص" تضامن مسبق الصنع لا يعيد الباقي إلى الزبائن، ولا يقبل الخمسمئة القديمة. إرباكات تشبه إرباك تبديل التوقيتَين الصيفي والشتوي، وتكرار سؤال: على القديم أو الجديد؟ حكايات عن ازدحام البنوك، ومزاج شركات الصرافة، عن آليات التسعير، ثم وبعد قليل، عن الديون ومشكلات السوق والسندات والقروض وسواها.
إذاً؛ ملأنا بضعة أسابيع بنقاشات شكلية وتصميمية، ألّفنا النكات عن الألوان، وركّبنا صوراً ساخرة من ردّات فعل الشارع، التقطنا أخطاء لغوية وتصميمية وتقويمية، وأبدينا آراءنا فيها. وتركنا السؤال الحقيقي والمهم: مهلاً. وماذا بعد؟ حقاً ما قيمة هذه العملة الجديدة؟ وكم تحتاج من الوقت كي تنهار مجدّداً، وتدخل في دورة تضخمية متسارعة؟
سعر الليرة خلال العام الماضي، وضبط معدل التضخم (في سعر الصرف فقط) عند حدود 16%، لم يحصل لأسباب اقتصادية ولا مالية، بل بسبب إجراءاتٍ إدارية أهمها ضبط السحب من المصارف، وإبقاؤه عند حدود تقارب المنع، وإلغاء عمليات مصرفية طبيعية مثل التحويل، رغم عدم منعها ظاهرياً. فبإمكانك تحويل أي مبلغ من أي حساب لأي حساب، لكن لا يمكنك السحب منه، أو شراء أي سلعة به، بل يمكنك فقط تحويله إلى شخص آخر لا يستطيع استخدامه.
منطقياً، لن يستطيع البنك المركزي السوري الاستمرار في سياسة حبس السيولة بعد طبع عملة جديدة. وبالتالي؛ سندخل سريعاً في موجة تضخّم، وسنبدأ السنة بسعر صرف 117 ليرة للدولار، من دون أن نعرف على أي سعر سننهيها. والحل الوحيد المتاح لمنع ذلك، أو تبطيئه، الاستمرار بالسياسة النقدية القمعية. وهذا أيضاً سيجعل خطوة تبديل العملة بلا أي قيمة.
يعتقد الخبراء أن للعملية برمّتها هدفين: نفسي يريد منح جرعة تفاؤل للشارع، والتخلص من الفئات التي تحمل صورة المخلوع وأبيه، وأمني يريد إعدام كتلة مفقودة من النقد السوري المطبوع، تقدّر بـ 14 تريليون ليرة، ويُعتقد أنها في حوزة الإيرانيين في العراق، أو في مكان مشابهٍ لدى جهةٍ مشابهة.
يعرف الجميع أن قيمة العملة يحدّدها شيء واحد، وهو الإنتاج. وطالما لم تدُر عجلته بعد، فلا قيمة لأي تصميم، ولا معنى لأي عدد من الأصفار.