حول مستقبل قطاع غزة السياسي والمقاوم

01 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 18:27 (توقيت القدس)
تمسك الفلسطينيون بأرضهم رغم الدمار وسط بيت لاهيا (سعيد جرس/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الأطراف الإقليمية والدولية، بما فيها دولة الكيان، تخطط لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، بهدف إنهاء المقاومة وتفكيك البنية العسكرية لحماس وإبعادها عن المشهد السياسي.
- السيناريوهات تشمل الإدارة الذاتية التكنوقراطية، الحكم العسكري المباشر، تهجير السكان، أو العودة إلى "صفقة القرن" المعدلة، مع تحديات مثل رفض بعض الأطراف الدولية أو عدم وجود قيادة فلسطينية معترف بها.
- مستقبل المقاومة وسلاحها محور النقاش، مع احتمالات وقف المقاومة أو هدنة طويلة الأمد، وتحديات إعادة الإعمار تتطلب جهة حاكمة معترف بها دوليًا وغطاء مالي.

ما كادت حرب الإبادة تدخل عامها الثاني، حتّى تداعت أطرافٌ إقليميةٌ ودوليةٌ، وبالتأكيد دولة الكيان، إلى وضع رؤىً وخططٍ لما يُسمى باليوم التالي لقطاع غزّة، وهي خططٌ كان رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو يرفض الحديث عنها، أو طرحها للنقاش على المستويات السياسية والعسكرية ذات العلاقة، مكتفياً بالقول "إنّ غزّة لن تحكمها حماس ولا السلطة الفلسطينية، لا حماستان ولا فتحستان"، في سياق سياسات رئيس وزراء الكيان، وشركائه في الائتلاف الحكومي وأهدافهم، لم يعد بالإمكان إخفاؤها، تفضي بالضرورة إلى استمرار حالة الحرب، خدمةً لأهدافٍ شخصيةٍ، وإدامة الائتلاف الحكومي لأطول فترةٍ ممكنةٍ.

من الملاحظ أن كلّ هذه الخطط تتقاطع في تحقق هدفٍ مركزيٍ أوحد، يتمثّل في إنهاء حالة المقاومة نهائيًا في قطاع غزّة، وتفكيك البنية العسكرية، وإبعاد حركة حماس عن إدارة القطاع، وعن المشهد السياسي عامّةً، وهو ما يتفق بطريقةٍ أو أخرى مع موقف دولة الكيان، والإدارة الأميركية، والنظام الرسمي العربي. من ناحية المبدأ يوجد على الطاولة أربع طروحاتٍ لمستقبل قطاع غزّة، تتمثّل في إدارةٍ ذاتيةٍ بصبغةٍ تكنوقراطية، مع ارتباطٍ شكليٍ مع السلطة الفلسطينية في رام الله، أو حكمٍ عسكريٍ مباشر من جيش الاحتلال، أو تهجيرٍ كليٍ/ جزئيٍ لسكان قطاع غزّة، مع إدارةٍ محليةٍ تابعةٍ للسلطة الفلسطينية، أو إدارةٍ مدنيةٍ تابعةٍ للاحتلال، والعودة إلى "صفقة القرن" المعدلة، التي تتضمن غزّة الموسعة نحو شبه جزيرة سيناء. من الصعب الآن الجزم بما ستؤول إليه الأمور في قطاع غزّة بما يكشف عن طبيعة المستقبل السياسي لغزّة، على الأقلّ في هذه المرحلة، وضمن المعطيات والسياقات الحالية.

يتمثّل السيناريو الأول في تأليف إدارةٍ ذاتيةٍ انتقاليةٍ لقطاع غزّة، من شخصياتٍ مستقلةٍ غير مؤدلجةٍ، متخصصةٍ/ تكنوقراط، تحظى باعترافٍ دوليٍ "موافقة أميركية"، هدفها تسيير حياة الناس اليومية، والإشراف على عملية إعادة الإعمار، مع تكوين قوّةٍ أمنيةٍ محليةٍ من عناصر أمنية سابقةٍ من السلطة الفلسطينية، أو من الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة غزّة، وينسجم هذا السيناريو مع طرح الوسطاء العرب، وبالتحديد الطرف المصري، ويحظى ربّما بدعمٍ أوروبيٍ وأمميٍ. ولكن ورغم إعلان حركة حماس أنّها ستتعاطى مع أيّ جهودٍ تفضي إلى نهاية الحرب، حتّى لو تخلت عن حكم قطاع غزّة لصالح لجنةٍ إداريةٍ مستقلةٍ غير فصائلية، إلّا أن القيادة السياسية الصهيونية تعارض هذا السيناريو، لأنّه قد ينتهي بتوحيد المؤسسات السياسية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وبالتالي إنهاء الانقسام الذي عمل نتنياهو على ترسيخه طيلة العقد الماضي، كما أنّ السلطة الفلسطينية غير متحمسةٍ له، نظرًا إلى عدم إشرافها المباشر على ملفات غزّة كافّةً، وأهمها عملية إعادة الإعمار، والمحكومة أيضًا بهواجس "القيادة البديلة"،  وإزاحة السلطة الفلسطينية وحركة فتح عن المشهد، لصالح قيادةٍ جديدةٍ بديلةٍ عن قيادة السلطة ومنظّمة التحرير الحالية.

واقع القطاع، ومن كافّة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، يفرض خياراتٍ على المقاومة قد لا ترغب فيها، أبرزها وقف المقاومة، أو هدنة طويلة المدى

ربّما ينجح الوسطاء العرب في إقناع الإدارة الأميركية بهذا السيناريو، التي من الممكن أن تتعاطى مع أيّ أطروحاتٍ تنهي حالة المقاومة، ولا تتضمن مشاركة حماس في حكم قطاع غزّة، وهذا السيناريو ربّما الأكثر واقعيةً، ويحظى بفرصةٍ حقيقيةٍ لتطبيقه بشكل كلّيٍ أو جزئيٍ.

السيناريو الثاني، يتعلق بالحل الصهيوني، أو رؤية نتنياهو وشركائه من اليمين القومي الديني الفاشي لمستقبل قطاع غزّة، فقد أشار وزراء في حكومة نتنياهو صراحةً إلى أنّ الحلّ في غزّة يكمن في حكمٍ عسكريٍ مباشرٍ، مع إدارةٍ محليةٍ على استعدادٍ للتعامل مع ما يُسمى "بالإدارة المدنية" التابعة للاحتلال، أو "المنسق" الذي يمثل مؤسسة الجيش، وقد حاول غلاة اليمين من الصهيونية الدينية، والعظمة الصهيونية، والمشاركون في ائتلاف نتنياهو فرض مخططاتٍ لمشاريع استيطانيه في أجزاءٍ متفرقةٍ من قطاع غزّة، وقد حاولت القيادة السياسية عبر "المنسق" تشكيل قيادةٍ من العشائر والعائلات الكبيرة في غزّة، بالتواصل المباشر مع بعض الوجهاء ورجال الأعمال، وهو ما يذكر بتجربة "روابط القرى" في الضفّة الغربية عام 1984 الفاشلة، التي حاولت من خلالها الإدارة المدنية بلورة قيادةٍ عشائريةٍ بديلةٍ في مدن وقرى الضفّة الغربية. غير أن هذا الخيار يصطدم برفض المؤسسة الأمنية والعسكرية الصهيونية لاحتلال قطاع غزّة، وفرض الحكم العسكري، للتكلفة البشرية والمادية الباهظة المُتوقعة، والأهمّ من ذلك أن كلّ اتصالات المنسق مع شخصياتٍ اعتباريةٍ من قطاع غزّة قد باءت بالفشل، ولم يجد الاحتلال شخصيةً واحدةً وافقت على التعاطي مع مشاريع الإدارة المحلية بإشرافه، بالإضافة إلى أن مقترح الحكم العسكري لن يحظى بموافقةٍ دوليةٍ، حتّى الإدارة الأميركية قد ترفضه لحماية دولة الكيان من نفسها.

السيناريو الثالث له طبيعةٌ خاصّةٌ، من ناحية كونه مخططًا حقيقيًا طويل المدى، وهو سيناريو صفقة القرن، التي طرحت خلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى، ويشمل هذا السيناريو ضم أكثر من 60% من مساحة الضفّة الغربية، وتهويد المدينة المقدسة، وتقسيم المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا، والأهمّ من ذلك تجسيد الكيانية الفلسطينية في غزّة الموسعة، بتوسيع حدود القطاع الجنوبية نحو منطقةٍ محددةٍ شمال شرق شبه جزيرة سيناء، ومما أكسب هذا السيناريو جديةً، تبني رئيس الوزراء الصهيوني الحالي له، منذ تسلمه رئاسة الوزراء عام 2009، ومبادرته بطرح الخطة على الرئيس المصري السابق حسني مبارك، الذي رفضها بشدّة، وحماسة مؤسسات الدولة العميقة في الولايات المتّحدة. لكن العقبة الجدية، من وجهة النظر الصهيونية الأميركية هي غياب قيادةٍ قويةٍ تحظى باعترافٍ دوليٍ وموافقةٍ أميركية قادرة على إدارة قطاع غزّة، وسيطرة حركة حماس على قطاع غزّة، والبنية العسكرية لفصائل المقاومة، خصوصًا التابعة لحركة حماس، وهو ما تعاملت معه دولة الكيان جزئيًا أو كلّيًا خلال حرب الإبادة، ومن ناحية أخرى فإن القيادة المصرية لا تزال ترفض كلّيًا التعاطي مع أيّ حلولٍ تتضمن اقتطاع أيّ أجزاءٍ من سيناء لصالح الفلسطينيين.

يتعلق السيناريو الرابع بحلّ مسألة قطاع غزّة جذريًا، ويمثّله اليمين الصهيوني القومي، وتيارٌ واسعٌ في المجتمع الصهيوني، من خلال تهجير سكان القطاع، أو تهجير غالبيتهم إلى مناطق مختلفة حول العالم، وقد أصبغ الرئيس الأميركي ترامب هذا السيناريو جديةً أكبر بعد تبنّيه رسميًا بتشجيعٍ من المسيحيين الإنجيليين في إدارته، وأثرياء اللوبي الصهيوني، كما حاولت القيادة السياسية الصهيونية، بأدواتها العسكرية توظيف "طوفان الأقصى" لفرض هذا السيناريو، من خلال الضغط عسكريًا ونفسيًا لإخلاء شمال القطاع نحو جنوب وادي غزّة، ومن ثّم نقل الضغط العسكري جنوب القطاع لدفع السكان لجهة الحدود مع مصر والعبور إلى سيناء، غير أنّ مروحةً كاملةً من العقبات حالت دون إسقاط خيار التهجير على أرض الواقع، لعل أبرزها رفض أهالي قطاع غزّة تكرار تجارب التهجير واللجوء مرّةً أخرى، والإصرار على التمسك بالأرض، والثبات على الموقف، بالإضافة إلى رفض النظام المصري لخطط التهجير، وفتح معبر رفح لإفساح المجال لعبور النازحين؛ الفارين من حمم موت الألة العسكرية الصهيونية، المسنودة من موقفٍ عربيٍ صارمٍ يرفض بشدّةٍ التعاطي مع خطط التهجير.

لعل مسألة مستقبل المقاومة وسلاحها في قطاع غزّة، تتصدر ساحة النقاش لكونها مسألةٌ مركزيةٌ تهمّ جميع الأطراف ذات الصلة، خصوصًا الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة، والطرف الصهيوني والإدارة الأميركية الداعمة له، ورغم إصرار فصائل المقاومة على تمسكها بسلاحها صمام أمانٍ للحيلولة دون تحول القطاع إلى ساحةٍ مستباحةٍ لجيش الاحتلال، إلّا أن واقع القطاع، ومن كافّة النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، يفرض خياراتٍ على المقاومة قد لا ترغب فيها، أبرزها وقف المقاومة، أو هدنة طويلة المدى، تمتد لعقدٍ أو أكثر، ووقف تطوير منظومة تسليح المقاومة وبنيتها التحتية، بإشرافٍ أو مراقبة أطرافٍ دوليةٍ أو عربيةٍ، كما تعدُّ مسألة إعادة الإعمار تحديًا جديًا، بعد أن دمّر جيش الاحتلال أكثر من 70% من مناطقه السكنية، وبنيته التحتية، والتي تتطلب بالضرورة واجهةً حاكمةً في القطاع معترفًا بها دوليًا، وغطاءً ماليًا من أطرافٍ وجهاتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ يتجاوز الخمسين مليار دولار، وتوفير أساسيات الحياة، بما يساهم في تثبيت سكان القطاع وعدم اضطراراهم إلى التفكير في خيار الهجرة.

بالمحصلة؛ فإنّ واقع قطاع غزّة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لن يكون امتدادًا لما قبل ذلك التاريخ، فالضربة الصاعقة التي وجهتها فصائل المقاومة في سياق "طوفان الأقصى" ردًا على جرائم الاحتلال، والاعتداءات على المسجد الأقصى، وحرب الإبادة التي أعقبتها، شكّلت واقعًا سياسيًا، ومزاجًا إقليميًا ودوليًا مهد الطريق أمام واقعٍ جديدٍ، أبرزه تولي جهةٍ معترفٍ بها دوليًا "تحظى بموافقة الإدارة الأميركية والكيان" حكم قطاع غزّة، مع هدنةٍ أو وقف المقاومة لعقدٍ على الأقلّ، مع غياب حركة حماس سياسيًا وعسكريًا عن المشهد العام في القطاع، بالتوازي مع عملياتٍ محدودةٍ لجيش الاحتلال بين فترةٍ وأخرى، من دون احتلالٍ كلّيٍ أو جزئيٍ للقطاع، مع استبعاد خيار الحكم العسكري المباشر، والتهجير خارج حدود القطاع.

المساهمون