استمع إلى الملخص
- أثناء الصعود، تنوعت الأحاديث بين الشعر والموسيقى، حيث عزف أحدهم على العود وآخر على الرق، مما وفر ملاذًا من الواقع المرير وأبقى الأمل حيًا.
- رغم التحديات والذكريات المؤلمة، وجد الأصدقاء في لقائهم فرصة للتعبير عن مشاعرهم ومشاركة تجاربهم، مؤكدين على قوة الصداقة والتضامن.
الهواء ثقيل يطوف المدينة. يثقل عيوننا وآذاننا والصدور. إنّما أيّهما الأخفّ ثقلاً الهواء أم ثقل الكلام المخيف المريب وغير المريب؟ الأفضل أن ندير ظهورنا للكلام، ولوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعيّ، وللهواء. يطنّ السؤال في رؤوسنا الدائخة: أَخلاص في المعرفة أم بلاء؟ نفضنا السؤال عن رؤوسنا العنيدة الرافضة للخفّة، وقد قتل الرصاص أوّل ما قتل فيها الأسئلة الوجوديّة، ونبَشَ أسئلة أمر واقع دامٍ، وتفاصيل يوميّاته التافهة المدمّرة لإجابات محتملة.
ثلّة أصدقاء تركنا خلف ظهورنا الهواء الثقيل والكلام المخيف المريب وغير المريب، نصعد الدرج إلى الطابق الأخير حيث يقيم صديق لنا في شقّة جديدة هرباً من سنوات قضاها في قبو معتم بارد، نصحنا بالقدوم إليه ساعة عودة الكهرباء لنصعد بالمصعد. سنسهر حتّى الثمالة. في الوقت المحدّد لم تعد الكهرباء. فآثر مُضيفنا المحتفل بشقّته أن ينزل إلينا ويشاركنا صعود الدرج. الدرج طويل. كلّ طابق يذكّرنا بسكّان طوابق البلاد الجُدد. يُقال خلف الهواء: إنّهم أوروبيّون، أميركيون، أتراك، صهاينة، روس. ويُقال أيضاً: قد يُترك القبو لأهل البلاد. ويُقال إنّ الغزاة قادمون. ويُقال، و... عند الطابق الثالث تُردّد إحدانا قول البيّاتي: "قالت: المغول قادمون. قلْتُ: نعم، فلقد رأيتهم قبل سنوات بعيدة يقتحمون أسوار المدينة وها أنا أراهم اليوم، يقتحمون أسوار بغداد من جديد." لكنّ صديقتي أحلّت دمشق محلّ بغداد. لم نعترض. فالغزاة يوحّدون العواصم والقلوب والدماء. في الطابق التالي، وقف أحدنا يستريح، ولا شكّ تشغله طوابق البلاد، علّق على ظهره آلة العود، وأخذ ينشد لأبي فراس في حبسه:" يا أمّنا هذي منازلنا/ نتركها تارة وننزلها. يا أمّنا هذي مواردنا/ نعلُّها تارة وننهلُها. أسلمنا قومنا إلى نُوَب/ أيسرها في القلوب أقتلها" تعبت أنفاسنا والكهرباء حرون لا تعود. علّق أحدنا:" لا بأس، الأهمّ أنّنا واثقون بأنّ الطابق الأخير لهذا المبنى هو أعلى طوابق البلاد الممكنة." باغتنا صوتنا يتّحد ويهمس:" آمين". أردفت صديقتنا الباحثة في الآثار والتاريخ، تقول بثقة: هذي دمشق، يا شباب!"
ثلّة أصدقاء نزداد وننقص باطّراد. بعضنا قضى في المعتقلات وفيها ذُوِّب. وآخرون تفرّقوا في الشتات. وبيننا نازحون ينشدون الأمان في هذه المدينة. لكنّ أيّنا لم ينج من هوائنا الملوّث الأحمر، هوائنا الراجف خوفاً ما يزال.
صوت أحدنا بديع، للسهرة حمل في حباله الصوتيّة أغانيَ لعبد الوهاب وأم كلثوم، لوديع وفيروز... صديقنا الآخر عازف إيقاع جلب معه الرقّ و15 عشرة سنة عجفاء. أغرقته البلاد بالفقر والهزيمة وبالعزيمة، رفض النجاة والسفر إلى الخارج أصرّ على البقاء هنا يسند الضحايا؛ نازحين مُهجّرين ومرضى وسواهم. أمثال كثيرين فتكت الحرب بشبابهم، لتصيبهم الصدمة والخذلان بالنتيجة. صديقنا هذا عاشق للشعر، يشعر بنفسه غريق بول شاؤول، يقول بصوت لا يكاد يسمع: "ما أحزن الغريق كثيراً/ أنّه بعدما أدرك قاع البحر/ حاول عبثاً أن يتذكّر السنة/ التي بدأ فيها غرقه". ولذكر بول شاؤول، تابعت إحدانا وهي أكبرنا سنّاً، عند كلّ انتهاء طابق في صعودنا نتوقّف لخطواتها البطيئة، كانت الـــ15 سنة الأخيرة فعلت بها ما فعلت، أخذت تردّد بهمس عند كلّ درجة، ما قاله شاؤول:" من زمان بدأ يقف أو يمشي على رِجل واحدة. قال: عندما كانت الأرض صلبة، كنت أتمدّد بكلّ جسمي عليها، كنت أقفز. كنت أتهالك عليها بكلّ ثقلي. قال: هذا عندما كانت الأرض صلبة". نتابع الصعود، خلف ظهورنا تركنا الهواء الثقيل، والكلام المخيف المريب وغير المريب، وثورة مزعومة انتصرت. فالأرض كفّت من زمان عن أن تستعيد صلابتها من ديجورها المزمن. لم تكن هذي ثورتنا إطلاقاً. أسقطنا الفكرة الأخيرة لتتدحرج خلفنا على الدرج الطويل، وندخل وضحكاتنا شقّة صديقنا الجديدة.