استمع إلى الملخص
- الهوية التنافسية للدوري، التي تتسم بالإيقاع المرتفع والضغط المستمر، تجعل الفرق تستغل الوقت بدل الضائع لتحقيق الفارق، مثل ليفربول وبرينتفورد، بينما يظهر مانشستر سيتي بصورة مختلفة.
- قرار مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم في 2022 بتمديد الوقت بدل الضائع بدقة ساهم في زيادة الأهداف المسجلة في الدقائق الأخيرة، مما جعل الوقت بدل الضائع جزءاً أساسياً من اللعبة.
تُبرز المقارنة مع بقية الدوريات الأوروبية، خصوصية الحالة الإنكليزية بشكل واضح، فالدوري الفرنسي "ليغ 1"، والإسباني "الليغا"، والألماني "البوندسليغا" تتحرك جميعها ضمن معدلات متقاربة نسبياً من حيث تكرار الأهداف في الوقت بدل الضائع، لكنها لا تصل إلى مستوى التكرار ذاته الذي يشهده الدوري الإنكليزي فيما يبقى الدوري الإيطالي "الكالتشيو" بعيداً نسبياً عن هذا النسق.
ولا يتعلق الأمر فقط بالحجم المطلق للأهداف، الذي يتأثر بعدد المباريات في ألمانيا وفرنسا، بل بالكثافة أيضاً: ففي الدوري الإنكليزي، يملك الوقت بدل الضائع وزناً أكبر في تحديد مصير المباريات، وهو ما يلفت الانتباه كذلك إلى بعض الغيابات اللافتة. ولا تنتهي مباراة الدوري الإنكليزي عندما تصل عقارب الساعة إلى الدقيقة 90، فبحسب تقرير صحيفة ماركا الإسبانية، يوم الأربعاء، فقد كشفت بيانات موسم 2025-2026، الذي لا يزال جارياً، أن الكرة الإنكليزية نجحت في تحويل الدقيقة 90 إلى مساحة لعب مستقرة، تكاد تكون مرحلة إضافية قائمة بذاتها داخل المباراة.
موسم غير مسبوق في الدوري الإنكليزي
سُجل في 240 مباراة فقط لُعبت حتى الآن، مع وصول الدوري الإنكليزي إلى الجولة 24 من أصل 38، 70 هدفاً بعد الدقيقة 90، في رقم يثير الإعجاب بمجرد قراءته، إذ يتجاوز بالفعل ما تحقق في خمس من آخر عشر مواسم، ولا يفصله سوى هدفين عن تخطي موسمين آخرين. لكن قراءته في سياقه الكامل تجعل دلالته أعمق: هدف واحد في الوقت بدل الضائع كل 3.4 مباريات، وهي وتيرة لا تملكها أي من الدوريات الأوروبية الكبرى نظيراً لها هذا الموسم. وإذا ما جرى إسقاط هذه الأرقام على موسم كامل، فإن التقديرات تشير إلى إمكانية الوصول إلى نحو 111 هدفاً مع نهاية الموسم، ما يعني تجاوز الرقم القياسي المسجل في موسم 2023-2024 (103 هدفاً)، وهو الأعلى خلال العقد الأخير.
ولا يبدو أن تفوق الدوري الإنكليزي في استغلال هذا الواقع الجديد جاء من باب الصدفة، فهويته التنافسية تنسجم بدرجة كبيرة مع فترات الإضافة الطويلة: إيقاع مرتفع، ضغط قوي بعد فقدان الكرة، لعب مباشر، عرضيات متكررة، ومنطقة جزاء تتحول إلى مساحة ضغط مستمر، وفي المراحل النهائية، لا يخفض الدوري الإنكليزي من وتيرته، بل يحافظ عليها، ما يضاعف احتمالات حدوث الفارق.
ولا يرتبط المشهد فقط بمنطق السيطرة أو تفوق الكبار على الصغار حتى الانهيار في الدقائق الأخيرة، فهناك فرق جعلت من الوقت بدل الضائع سمة لهويتها، بل وأداة للبقاء. وفي موسم 2025-2026، يتصدر ليفربول وبرينتفورد قائمة أكثر الفرق تسجيلاً في الدقيقة +90 (6 أهداف لكل منهما)، ويلاحقهما كل من أرسنال، بورنموث، برايتون، فولهام وسندرلاند بخمسة أهداف.
لكن الفارق الحقيقي يكمن في النسبة: بعض الفرق بات يصنع جزءاً مهماً من إنتاجه الهجومي في هذه الدقائق، ويبرز هنا سندرلاند مثالاً واضحاً، إذ يتركز جزء كبير من أهدافه في الوقت بدل الضائع، في المقابل، يظهر مانشستر سيتي، رمز السيطرة والاستمرارية الهجومية، بصورة مختلفة، بعدما سجل هدفين فقط بعد الدقيقة 90 رغم إنتاجه التهديفي الكبير. وهذه ليست ملاحظة عابرة، بل مؤشر على أن الهدف المتأخر لا يرتبط فقط بجودة اللاعبين، وإنما بكيفية إدارة اللحظات الأخيرة: هل يتم تسريع الإيقاع؟ هل يستمر الإصرار؟ أم يجري التحكم بالمباراة وإدارتها بهدوء؟
وتعود المقارنة مع بقية الدوريات الأوروبية لتؤكد مرة أخرى تفرد الدوري الإنكليزي، فبينما تبقى الدوريات الفرنسي، والإسباني والألماني متقاربة نسبياً من حيث التكرار، إلا أنها لا تصل إلى مستوى الحضور المتكرر ذاته، في حين يتراجع الكالتشيو بشكل أوضح في مسألة لا تتعلق فقط بعدد الأهداف فقط، بل كثافتها وتأثيرها. وفي موسم 2025-2026، جاء أكثر من 10% من أهداف الدوري الإنكليزي بعد الدقيقة 90، وهي أعلى نسبة بين الدوريات الخمسة الكبرى. وإذا توسعنا في النظر إلى الفترة الممتدة من الدقيقة 76 وحتى نهاية المباراة، فإن النسبة ترتفع إلى قرابة 27% من إجمالي الأهداف، وبلغة كرة القدم: هدف من كل أربعة في إنكلترا يُسجل عندما تدخل المباراة مرحلة الإنهاك القصوى، حيث يختل التنظيم وتضيق هوامش الخطأ إلى حدها الأدنى.
تغيير كبير من مجلس الاتحاد الدولي
يبرز هنا التغيير الجوهري الذي أقره مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2022، والذي شكّل نقطة تحول حاسمة، فالمباريات باتت أطول فعلياً، وهو أمر لم يعد مجرد إحساس. فقد أوضح رئيس لجنة الحكّام في فيفا، الإيطالي بيرلويجي كولينا، خلال كأس العالم 2022 في قطر، أن التعليمات الجديدة للحكام شددت على احتساب الوقت بدل الضائع بدقة أكبر، مع إعادة الوقت "المهدور" بسبب مراجعات الفار، الاحتفالات الطويلة، التوقفات المتكررة، وإضاعة الوقت المتعمدة.
وكانت النتيجة واضحة: مباريات أطول، وأشواطاً ثانية تمتد لدقائق إضافية. وفي هذا الحيز الزمني الإضافي، يتغير شكل كرة القدم نفسها، فلا مجال للتهدئة أو إدارة الوقت، بل تزداد العرضيات، والكرات الثابتة، والتحولات السريعة في ظل دفاعات مفتوحة، لتصبح كرة قدم أكثر واقعية، وأكثر فوضوية أيضاً. وخلال العقد الأخير، تعكس الأرقام هذا الاتجاه بوضوح، فإذا اعتُمد موسم 2022-2023 نقطةً فاصلة، حين بدأ تطبيق مفهوم الوقت الإضافي "الحقيقي" على نطاق واسع، فإن متوسط عدد المباريات اللازمة لتسجيل هدف بعد الدقيقة 90 انخفض في جميع الدوريات الكبرى.
ففي الدوري الإنكليزي، تراجع المعدل من هدف واحد كل 6.57 مباريات بين موسمي 2016-2017 و2021-2022، إلى هدف كل 4.91 مباريات منذ 2022-2023، أي انخفاض يقارب 25%، وشهد الدوري الألماني قفزة مشابهة، فيما كان التغير أكبر نسبياً في الدوري الإسباني، بينما تحسن الدوري الإيطالي بدرجة أقل. وخلاصة المشهد، من زاوية الدوري الإنكليزي تبدو واضحة: الوقت بدل الضائع لم يعد تفصيلاً، بل تحول إلى مورد بنيوي داخل اللعبة، ويدفع موسم 2025-2026 بهذه الفكرة؛ فـ70 هدفاً في الوقت بدل الضائع حتى الآن ليس مجرد رقم عابر، بل إشارة قوية إلى واقع جديد آخذ في الترسخ، مؤكداً أن المباراة في إنكلترا لم تعد تنتهي عند الدقيقة 90.