اللاعبون الأجانب في الدوري السوري بين ضعف الاختيار وجدوى التجربة
استمع إلى الملخص
- المحلل حسام عبد العظيم يربط المشكلة بالتخبط العام في الكرة السورية، مع غياب الخطط وسوء الملاعب وضعف الإمكانات المادية، مما يؤثر على نوعية اللاعبين المستقطبين.
- مدرب نادي حطين، محمد اسطنبولي، يرى أن تأثير اللاعبين الأجانب "غير إيجابي"، مشيراً إلى أن الوضع المالي يعيق استقطاب لاعبين ذوي جودة، ويؤكد على ضرورة وضع معايير صارمة للتعاقدات.
في موسم يُفترض أن يشكّل خطوةً إلى الأمام للدوري السوري للمحترفين بنسخته الجديدة، تحت مسمّى "برايم"، تحوّل ملف اللاعبين الأجانب إلى مادة جدل واسعة بين جماهير الكرة والمتابعين، بعدما بدا أنّ غالبية هذه التعاقدات لم تنعكس إيجاباً على المستوى الفني، بل أضافت أسئلة أكثر مما قدّمت إجابات حول جدوى الاستعانة بمحترفين، وُصف بعضهم بأنّهم "أسماء لا تصنع الفارق".
ومنذ الأسابيع الأولى للمسابقة، ظهرت فجوة واضحة بين التوقّعات التي رافقت فتح باب التعاقد مع لاعبين أجانب، وبين الواقع داخل المستطيل الأخضر. فبدلاً من أن يكون المحترف إضافة نوعية ترفع الإيقاع وتمنح الفرق حلولاً فنية إضافية، بدا أن عدداً منهم لا يتجاوز في مستواه اللاعب المحلي، أو يقل عنه حتى، في مشهد أعاد إلى الواجهة الحديث عن سوء الاختيار وغياب المعايير الواضحة.
ورأى المحلّل الرياضي والخبير الكروي حسام عبد العظيم أن المشكلة أعمق من مجرد أسماء لاعبين، ويربطها بحالة التخبط العامة التي تعيشها الكرة السورية. وقال عبد العظيم لـ"العربي الجديد": "إن هذه الفترة تشهد غياباً للخطط الواضحة، وقرارات توصف بالعشوائية، في ظل عدم وجود رزنامة ثابتة للمسابقة وسوء أرضيات الملاعب، ما يجعل من الصعب على أي محترف أجنبي أن يؤدي دوراً إيجابياً حقيقياً". ويضيف أن ضعف الإمكانات المادية للأندية ينعكس مباشرة على هوية اللاعبين القادمين، متوقّعاً أن يكون معظمهم بمستوى اللاعب المحلي، مع استثناء لاعب أو اثنين فقط، ليبقى التوفيق في النهاية عاملاً حاسماً.
واستعاد عبد العظيم تجارب سابقة، ليقارن بين الماضي والحاضر، مشيراً إلى أن الدوري السوري عرف في سنوات سابقة محترفين تركوا بصمة واضحة، مثل إيفي مع تشرين، وغوميز مع الاتحاد، وجاجا مع الوثبة، مؤكداً أن العامل المادي كان ولا يزال المحدد الأول لجودة اللاعب الأجنبي. ورغم انتقاداته، لا يخفي عبد العظيم تفاؤله بإمكانية أن تؤدّي هذه التعاقدات، بشكل غير مباشر، إلى رفع مستوى اللاعب المحلي، معتبراً أن وجود ثلاثة لاعبين أجانب في كل فريق قد يخلق حالةً تنافسيةً حقيقيةً، بعد سنوات كان فيها اللاعب المحلي "وحيداً في الساحة"، والنادي مجبراً على التعاقد معه. لكنه يعود ليشدد على أن أرضيات الملاعب تبقى عائقاً كبيراً أمام أي تطور منتظر.
ومن جانبه، ذهب مدرب نادي حطين، محمد اسطنبولي، إلى توصيف أكثر حدة، معتبراً أن تأثير اللاعبين الأجانب على الدوري السوري في الوقت الراهن "غير إيجابي". وأكد اسطنبولي لـ"العربي الجديد" أن عملية الانتقاء لم تكن على مستوى عالٍ، وأن من جرى التعاقد معهم لا يوازون كفاءة الدوري السوري ولا مستوى اللاعب السوري، بل إن بعضهم أقل جودة، ما انعكس سلباً على الأداء العام للمسابقة. ويشدد على أن الفكرة الأساسية من التعاقد مع محترفين هي جلب نوعية أعلى ترفع مستوى الدوري، لا العكس.
ويربط اسطنبولي هذا الواقع بالوضع المالي الصعب الذي يعانيه معظم الأندية، معتبراً أن الإمكانات المحدودة تحول دون استقطاب لاعبين ذوي جودة عالية، لكنه في الوقت ذاته يرى أن وجود محترفين يبقى خطوة إيجابية من حيث المبدأ، شرط أن تترافق مستقبلاً مع تحسن مالي يسمح بجلب أسماء قادرة على إحداث الفارق. ويشير إلى أن تأثير اللاعب الأجنبي يختلف من نادٍ إلى آخر، فهناك فرق استفادت من لاعبين قدّموا إضافات جيدة، مقابل أندية أخرى لم تحصد سوى خيبة الأمل، بسبب تدني المستوى. ويؤكد اسطنبولي أن معايير التعاقد يجب أن تكون أكثر صرامة، بدءاً من جودة اللاعب والدوري الذي كان ينشط فيه، وصولاً إلى سيرته الذاتية وقدراته المهارية والبدنية، مجدداً التأكيد أن الجانب المالي عنصر حاسم، لأن اللاعب الجيّد لا يأتي بمبالغ بسيطة. ويقارن بين الواقع الحالي ومرحلة ما قبل الثورة، حين شهد الدوري السوري حضور أسماء وازنة تركت أثراً كبيراً، ليخلص إلى أن الفارق بين الأمس واليوم "كبير جداً"، سواء على مستوى الجودة أو حجم الإضافة الفنية. كذلك يوضح أن اختيار اللاعبين يتم في الغالب من قِبل الكادر الفني والمدرب، وفق رؤيته واحتياجاته التكتيكية، مع وجود دور إداري في طرح الأسماء وإبداء الرأي.
وعلى المستوى الإداري، أوضح عضو لجنة شؤون الأندية واللاعبين في الاتحاد السوري لكرة القدم، عيسى الحسين، أن دور الاتحاد محكوم باللوائح والأنظمة، مشيراً لـ "العربي الجديد" إلى أن اللائحة تحدد عدد اللاعبين الأجانب المسموح بالتعاقد معهم في كل موسم، وأن العقد يبقى شريعة المتعاقدين، من دون تدخل الاتحاد في التفاصيل المالية أو الفنية بين النادي واللاعب. ويشرح الحسين أن الاتحاد يعتمد نموذج عقد موحداً يلتزم به الجميع، سواء كان اللاعب محلياً أو أجنبياً، ويقتصر دوره على الجوانب القانونية، مثل صلاحية العقد، وبراءة ذمة اللاعب قبل انضمامه إلى النادي وبعده.
وكشف الحسين عن آلية جديدة ستُعتمد هذا الموسم في ما يتعلق بالشكاوى، موضحاً أن الشكاوى لن تذهب مباشرة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، بل تمر أولاً عبر اتحاد الكرة السوري، وفي حال تعذر البت فيها محلياً يمكن رفعها لاحقاً إلى "فيفا". وفيما يتعلق برفع مستوى التعاقدات، يؤكد الحسين أن الاتحاد يتجه نحو تشديد المعايير، تماشياً مع هدف رفع مستوى الدوري، معتبراً أن الأندية أيضاً مطالبة بوضع معايير أعلى في اختياراتها. ويشير إلى أن من أبرز الإجراءات الجاري العمل عليها هو ملف تراخيص الأندية، الذي يرى فيه مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الإداري والمالي والقانوني، والحدّ من الخلافات بين الأندية واللاعبين والاتحاد.
وبين الطموح إلى بطولة محترفين حقيقية، والواقع المفروض بإمكانات محدودة وبنية تحتية متعثرة، يبقى ملف اللاعبين الأجانب في الدوري السوري مفتوحاً على أكثر من احتمال. فإما أن تتحول هذه التجربة إلى فرصة لإعادة ضبط المعايير ورفع السوية الفنية تدريجياً، أو أن تبقى مجرد تعاقدات شكلية لا تضيف الكثير إلى مشهد كروي يبحث منذ سنوات عن استقراره المفقود. وفي الحالتين، يبدو أن الإجابة النهائية لن تُكتب إلا داخل الملعب، حين تتوافر الظروف، التي تجعل من "المحترف" فعلاً قيمة مضافة، لا عبئاً جديداً على أندية مثقلة بالتحديات.