الرياضة أداة ضغطٍ سياسي... من يوغوسلافيا إلى جنوب أفريقيا

09 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15:02 (توقيت القدس)
جنوب أفريقيا استضافت بطولة أمم أفريقيا 1996 وحققت اللقب (مارك توسون/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثير السياسة على الرياضة الدولية: شهدت الرياضة الدولية تأثيرات سياسية كبيرة، مثل اختطاف أميركا للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتأثير ذلك على استضافتها لكأس العالم 2026 والألعاب الأولمبية 2028، وإقصاء روسيا رياضياً بسبب غزو أوكرانيا.

- أمثلة تاريخية على الإقصاء الرياضي: عانت يوغوسلافيا من عزلة رياضية في التسعينيات بسبب الحروب الأهلية، وأدى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إلى إقصاء رياضي شامل، مما يعكس تأثير الأزمات السياسية على الرياضة.

- الرياضة كأداة سياسية: تُستخدم الرياضة لإيصال الرسائل السياسية، كما في حالة إيران وإيقافها في رياضة الجودو، وكانت جزءاً من الصراع الأيديولوجي خلال الحرب الباردة.

أقدمت أميركا على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ما فتح باب الجدل حول إمكانية تأثير ذلك على الرياضة مع قرب استضافتها كأس العالم 2026، ومن ثم الألعاب الأولمبية الصيفية في عام 2028 بلوس أنجليس، خاصة أنّ التاريخ شهد حالات مماثلة ومتناقضة في الوقت نفسه. من هنا ننطلق في رحلة تعيدنا إلى قضايا سابقة، آخرها روسيا التي أُوقفت رياضياً بسبب غزو أوكرانيا، وغابت عن العديد من المسابقات الكبرى، وكذلك ملف الفرق والمنتخبات الإسرائيلية، التي لم تُحرم من المشاركة رغم حرب الإبادة على قطاع غزة، التي لا تزال مستمرّة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

يوغوسلافيا خلال التسعينيّات

في بداية التسعينيات، ومع تفكُك يوغوسلافيا واندلاع الحروب الأهلية في البلقان، وقفت الفرق الرياضية والمنتخبات الوطنية أمام وضعٍ صعبٍ للغاية، بعدما شهدت عزلاً شبه كامل عن المنافسات الدولية. جاء هذا الإقصاء نتيجة قرارات الأمم المتحدة والاتحادات الرياضية الدولية، التي رأت أن استمرار مشاركة يوغوسلافيا يُمثّل دعماً ضمنياً للوضع السياسي الذي كانت تعيشه المنطقة آنذاك.

مُنع يومها المنتخب من المشاركة في بطولة أمم أوروبا 1992 وحلّت الدنمارك مكانها وحققت اللقب، وغابت عن تصفيات كأس العالم 1994، واستُبعدت فرقها من منافسات كرة السلة والتنس والرياضات الأولمبية وبطولات العالم، وهو قرارٌ لم يكن ذا بعدٍ رياضي فحسب، بل أداة رمزية ذات بعدٍ سياسي واضح ومباشر. ويؤكد الباحثان روجر ليفيموري وأدريان باد في كتابهما "الرياضة والعلاقات الدولية" (2004) أنّ الإقصاء تحول إلى "ساحة ضغط رمزية" تؤثر بصورة الدولة في أعين المجتمع الدولي، وفي الوقت نفسه فرض قيودٍ على اللاعبين الذين أصبحوا مجبرين على إثبات أنفسهم في بيئات خارج بقعتهم الجغرافية والسياسية، وتعكس بالتالي حالة يوغوسلافيا كيف يمكن للرياضة أن تصبح مرآة للأزمات السياسية والإنسانية، عبر الإقصاء لتشكيل وسيلة ضغط أكثر فعالية أحياناً من العقوبات الاقتصادية أو العسكرية، لأنّها تصل مباشرة إلى وجدان الشعب، وتعزل الدولة عن التفاعل الدولي الذي يُعدّ مساحة للتعبير والترويج للشرعية.

الرياضة في إيران وقضايا مختلفة

يؤكد لينكولن أليسون في كتابه "السياسة العالمية للرياضة" أنّ الأخيرة ليست مجرد منافسة عابرة في العصر الحديث، بل جزء من الصراعات والعلاقات السياسية الدولية، إذ تتداخل قرارات الاتحادات المحلية والدولية مع المواقف السياسية للدول والكيانات الضاغطة، وتؤثر في مشاركة اللاعبين في المسابقات العالمية، ما يجعلها سلاحاً سياسياً لإيصال الرسائل المباشرة أكثر منها نشاطاً تنافسياً.

في عام 2019 تعرّضت رياضة الجودو بإيران للإيقاف الدولي، بعد رفضها السماح لرياضييها بمواجهة لاعبين إسرائيليين، واستمرّ الإيقاف لسنوات عدّة. وفي عام 2022، واجهت إيران مطالبات دولية متكرّرة لاستبعاد منتخباتها من المحافل الدولية، مثل كأس العالم، على خلفية قضايا حقوقية واحتجاجات داخلية، لكن هذه المطالبات لم تُترجم إلى قرار إبعاد رسمي من الاتحاد الدولي للعبة "فيفا". وفي عام 2025، واجهت صعوبات في حضور قرعة كأس العالم 2026 في واشنطن، بسبب رفض السلطات الأميركية منح تأشيرات لعددٍ من أعضاء الاتحاد الإيراني، وعلى رأسهم مهدي تاج، قبل السماح لاحقاً لبعض المسؤولين، بينهم مدرب المنتخب أمير قالينوي، بدخول الولايات المتحدة. ورغم التوتر السياسي-العسكري بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وإيران، لم يُستبعد المنتخب حتى الآن من المونديال، الذي سينطلق يوم 11 يونيو/ حزيران المقبل.

بعيدا عن الملاعب
التحديثات الحية

جنوب أفريقيا في فترة الفصل العنصري

خلال فترة الأبارتهايد (1948 – أوائل التسعينيات)، عاشت جنوب أفريقيا تحت الإقصاء الكامل عن المشهد الرياضي الدولي بسبب السياسات التمييزية. ففي عام 1964، قررت اللجنة الأولمبية الدولية تعليق مشاركة البلاد احتجاجاً على منع الرياضيين السود من خوض المسابقات الوطنية مع البيض، واستمرّ الحظر حتى أولمبياد برشلونة 1992 بعد الإصلاحات السياسية وإلغاء نظام الفصل العنصري رسمياً.

ولم يقتصر الإبعاد عن الأولمبياد فحسب، بل شمل رياضات أخرى مثل كرة القدم وكرة السلة والتنس. على سبيل المثال، علّق "فيفا" في 1961 عمل اتحاد جنوب أفريقيا، ثم طرده رسمياً في سنة 1976، بعد مطالبات بتشكيل فرق متعددة الأعراق قوبلت بالرفض من نظام الحكم آنذاك، واستمرّ الحظر سنوات طويلة حتى رفعه عام 1992. لاحقاً، استضافت البلاد كأس أمم أفريقيا 1996 وحققت اللقب، ثم كانت مسرحاً لمونديال 2010. ويقول الكاتب دوغلاس بوث في كتابه "جنوب أفريقيا والحركة الأولمبية (1997): "الإقصاء الرياضي لجنوب أفريقيا لم يكن مجرّد تحركٍ رمزي؛ بل أصبح أداة ضغط دولية، إذ أرسل رسالة واضحة بأنّ المجتمع الرياضي العالمي لن يقبل التمييز العنصري، كما أدّى إلى عزلة الرياضيين هناك عن منافساتهم الطبيعية، ما جعل الرياضة ساحة للصراع الأخلاقي والسياسي على حدٍ سواء".

حالات متفرقة

خلال النزاع مع بريطانيا حول جزر فوكلاند، تعرّضت الفرق الرياضية الأرجنتينية لعقوبات رمزية دولياً، وألغيت بعض المباريات الودية، ولم تكن هذه العقوبات واسعة النطاق، لكنها أوصلت الرسالة المطلوبة، كما شهدت الحرب الباردة، وفقاً للينكولن أليسون، فرض قيود على تبادل اللاعبين والمشاركة في البطولات بين ألمانيا الشرقية والغربية جزءاً من الصراع الأيديولوجي بين معسكر الاتحاد السوفييتي والغرب المتمثّل بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.