نجاح 4 عمليات زرع أعضاء في تونس بعد تبرع عائلة شاب تُوفي بحادث سير
استمع إلى الملخص
- أشار الدكتور جلال الزيادي إلى أن هذه العمليات ليست الأولى، حيث تسعى تونس لتحفيز التبرع بالأعضاء عبر توثيق القصص الإنسانية، مؤكداً على نجاح عمليات زرع قلب وكبد وكليتين.
- رغم قبول 77% من التونسيين بمبدأ التبرع، إلا أن التنفيذ ضعيف بسبب رفض العائلات، ويسعى القانون لتسهيل التبرع عبر تدوين "متبرع" على بطاقة الهوية.
في يوم واحد، وفي أربعة مستشفيات مختلفة بالعاصمة تونس، نجحت طواقم طبية في إنقاذ حياة أربعة مرضى كانوا يعانون قصوراً حادّاً في أعضاء حيوية، وذلك بفضل التبرع بأعضاء شاب متوفى. فقد أُجريت أربع عمليات زرع متزامنة، أمس الأربعاء، استُخرجت فيها الأعضاء من جسد شاب يبلغ من العمر 16 عاماً، كان قد تعرض لحادث سير في محافظة قفصة (جنوب غرب البلاد)، وأعلنت وفاته دماغياً.
في لحظة حزينة ممزوجة بالأمل، قررت عائلة الشاب منح الإذن بالتبرع بقلبه وأعضائه الأخرى، على أمل أن "يواصل قلبه الخفقان في جسد آخر، وأن تضيء أعضاؤه حياة غيره بدل أن تنطفئ في ظلمة القبر"، كما قالت أسرته.
مباشرةً بعد استكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بعملية التبرع، تحركت الفرق الطبية في وقت قياسي لنقل الأعضاء إلى أقسام الزرع في المستشفيات الجامعية الكبرى بالعاصمة تونس، وهي مستشفى الرابطة، ومنجي سليم، وشارل نيكول، حيث تم تجهيز المرضى المتطابقين في أسرع وقت ممكن استعداداً لإجراء عمليات الزرع.
يقول أحد أفراد أسرة الشاب المتوفى (فضّل عدم الكشف عن هويته): "تم إقناع الأب المفجوع بموت ابنه، بقبول التبرع بأعضائه من أجل إنقاذ حياة مرضى أنهكهم انتظار أمل ضئيل في التعافي من فشل أعضائهم الوظيفية". يؤكد المتحدث لـ"العربي الجديد" لم يكن الأمر سهلاً من الناحية الإنسانية، لكنه لم يكن مستحيلا، فالأب أبدى استعداداً للموافقة على التبرع بأعضاء ابنه، إيماناً منه بأهمية المساعدة في تخفيف آلام الآخرين. وقال: "كان رجلاً شجاعاً، ورغم حزنه العميق على فَقْد ابنه الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وافق على استكمال الإجراءات القانونية للتبرع".
تفاصيل هذا اليوم المهم في تاريخ زراعة الأعضاء في تونس، رواها الدكتور جلال الزيادي، المدير العام للمركز الوطني للنهوض بزرع الأعضاء. وأوضح في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن هذه ليست المرة الأولى التي تُجرى فيها عمليات زرع ناجحة من متبرعين متوفين، فقد شهدت مستشفيات تونس سابقاً عمليات مماثلة، غير أن المركز الوطني للنهوض بزرع الأعضاء يحرص على توثيق ومشاركة مثل هذه القصص الإنسانية في كل مناسبة، بهدف تحفيز التونسيين على التبرع، وتأكيد أهمية هذا القرار في منح الحياة لمرضى يقضون أحياناً سنوات طويلة على قوائم الانتظار.
وأضاف الدكتور الزيادي: "تحركت أمس الأربعاء أربعة فرق طبية متعددة التخصصات، لتأمين عمليات زرع قلب وكبد وكليتين في أجساد مرضى انتظروا طويلاً فرصة للشفاء على قوائم الانتظار. وقد تكللت هذه العمليات بالنجاح". وتابع: "قضت الطواقم ساعات طويلة في عمليات دقيقة شملت نقل الأعضاء وزرعها وتثبيتها وخياطتها، في سباق مع الزمن. وكانت اللحظة الأشد تأثيرًا حين خضع أحد المرضى لعملية زرع القلب، وبعد الانتهاء، أُعطيت أول صدمة كهربائية لاختبار القلب الجديد... لتتحول أصوات الأجهزة الطبية إلى نبضات منتظمة".
وتُعدّ زراعة الأعضاء، التي بدأت في تونس منذ سبعينيات القرن الماضي، من الاختصاصات الحصرية للقطاع الصحي العمومي، وذلك بموجب قانون صادر عن البرلمان سنة 2004. ويتولى المعهد الوطني للنهوض بزرع الأعضاء مهمة إعداد ومتابعة قوائم المتبرعين، إلى جانب إدارة سجل المرضى المنتظرين لعمليات الزرع.
وبحسب الدكتور جلال الزيادي، تؤمّن المستشفيات التونسية سنوياً ما بين 50 و70 عملية زرع لأعضاء مأخوذة من متبرعين أحياء أو متوفين. وغالباً ما تُشكّل هذه العمليات بارقة أمل لمرضى يعانون فشلاً حادّاً في الأعضاء الحيوية، مثل القلب والكبد والكلى. لكن رغم الأثر العميق لهذه الزرعات، فإن نجاحها يبقى مرهوناً بتوفّر المتبرعين، في ظلّ تزايد عدد المرضى المحتاجين. وأكّد الدكتور الزيادي أن قائمة انتظار زرع الكلى وحدها تضم حالياً حوالي 1700 مريض في تونس.
واستناداً إلى إحصائيات واستبيانات معهد زرع الأعضاء، فإن 77 % من التونسيين يقبلون بمبدأ التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، في حين أن تنفيذ هذا "الوعد المبدئي" ما يزال ضعيفاً جداً إن لم يكن منعدماً، إذ ترفض بين 85 و90 % من العائلات فكرة التبرع بأعضاء موتاها. ويسمح القانون التونسي بإمكانية تدوين عبارة "متبرع" على بطاقة التعريف الوطنية (بطاقة الهوية الثبوتية)، كما يوجد دفتر الاعتراض على أخذ الأعضاء بعد الموت في المستشفيات العمومية التي تتم فيها عمليات نقل وزرع الأعضاء. وإذا لم يكن من بين المتبرعين يتم استشارة عائلته التي ترفض أو تقبل.