موت يومي في غزة لمنتظري المساعدات قرب منفذ "زيكيم"

02 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 16:06 (توقيت القدس)
حشود من الباحثين عن الطعام في زكيم، 1 أغسطس 2025 (علي جاد الله/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يتجمع آلاف الفلسطينيين يومياً في منطقة زيكيم العسكرية شمال غزة للحصول على مساعدات غذائية رغم المخاطر الكبيرة من قنص وإطلاق نار من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، مما يجعل المنطقة رمزاً للموت أكثر من الجوع.
- منذ بدء نظام التوزيع الجديد في مايو/أيار، سجلت وزارة الصحة في غزة مئات الشهداء والجرحى نتيجة إطلاق النار أثناء انتظار المساعدات، حيث يواصل المدنيون التوجه إلى تلك النقاط بسبب الحاجة الماسة للطعام.
- تعمد قوات الاحتلال إلى جعل مناطق توزيع المساعدات "مصائد موت"، مما يفاقم الوضع الإنساني الكارثي في غزة، حيث أصبح الجوع يفوق الخوف، مما يدفع الناس للمخاطرة بحياتهم لإطعام عائلاتهم.

منطقة زيكيم أصبحت رمزاً للموت أكثر من الجوع

سجلت وزارة الصحة في قطاع غزة نحو 1300 شهيد أثناء انتظار المساعدات

تغيب أي آلية فعالة تضمن حماية المدنيين أثناء توزيع المساعدات

في أقصى شمال قطاع غزة، قرب منطقة "زيكيم" العسكرية الإسرائيلية، أو ما يطلق عليه جيش الاحتلال "معبر إيرز الغرب"، تتكرر واحدة من أكثر المشاهد مأساوية. آلاف المجوعين يتوجهون يومياً نحو القتل بأقدامهم طلباً لرغيف خبز يسد رمق أطفالهم، وبعض الطحين ليؤجل المجاعة يوماً آخر.
عند سماع أنباء دخول شاحنات، تبدأ حشود المجوعين بالتجمع في منطقة زيكيم، والتي أصبحت رمزاً للموت أكثر من الجوع. يجتمع الآلاف من مختلف الفئات العمرية بعد أن تقطعت بهم السبل، يحملون أملاً هشاً بأن تصل قافلة مساعدات، أو أن تلوّح لهم شاحنة تحمل ما يمكن أن يُنقذ من تبقى في بيوتهم من موت محتوم، لكنّه بطيء.

رغم معرفة المجوعين أن الطريق محفوف بالقنص، والرصاص الحي، والطائرات المُسيرة، إلا أنّ الجوع لا يترك لهم رفاهية التراجع، فالجسد الذي لم يأكل منذ أيام لا يقبل المنطق، بل يندفع خلف غريزة البقاء، حتى لو كانت النهاية كفناً أبيض. ومنذ بداية نظام التوزيع الجديد للمساعدات في 27 مايو/ أيار الماضي، سجلت وزارة الصحة في قطاع غزة نحو 1300 شهيد، وما يزيد عن 8 آلاف جريح بفعل إطلاق النار أثناء انتظار المساعدات الإنسانية قرب مراكز توزيع المساعدات الأميركية، وعلى طول طرق قوافل الإغاثة.

ووفق مصادر طبية وشهود عيان، فإن شهداء من منتظري المساعدات قتلوا من دون أن يشكلوا أي تهديد على جنود الاحتلال، إذ أصبح من المعتاد رؤية مشاهد مروعة يتم نشرها تباعاً توثق الشهداء الذين سقطوا بينما كانوا يحملون أكياس طحين أو بعض المعلبات، لكن الاستهداف المباشر لم يثن أهالي القطاع الجائعين عن مواصلة التوجه نحو تلك النقاط، على أمل النجاة من شراسة المجاعة.

نجا الثلاثيني الفلسطيني عادل محمد من إحدى المجازر، ويقول لـ"العربي الجديد": "رأيت بعيني طفلاً لا يتجاوز العاشرة، يركض خلف شاحنة وهو يصرخ: أمي بدها طحين، قبل أن تسقطه رصاصة في رأسه، بكيت، وركضت نحوه، لكن رصاصتين أطلقتا نحوي، فعرفت أن دوري قريب، فهربت".
وعن سبب توجهه إلى منطقة زيكيم، يوضح محمد أنه فقد مصدر دخله من تشييد المنازل، وطول فترة الحرب استنزف جميع مدخراته، كما توقفت المؤسسات الإنسانية عن توزيع الطرود الغذائية بسبب إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المعابر ومنع دخول المواد الغذائية، إلى جانب الغلاء الفاحش في أسعار المتوفر منها. ويضيف: "انتظار المساعدات مجازفة حقيقية، بخاصة أننا لا نضمن الحصول على أي شيء، لكنها تبقى محاولة لتوفير بعض الطعام لأطفالنا الذين يتضورون جوعاً، وذلك على الرغم من الخطر والاستهداف المتواصل".

وما يزيد الوضع سوءاً في منطقة زيكيم وغيرها من مناطق انتظار المساعدات في مختلف محافظات قطاع غرة، هو غياب أي آلية فعالة تضمن حماية المدنيين أثناء التوزيع، فلا وجود لممرات آمنة، ولا تنسيق حقيقيا يضمن عدم إطلاق النار، كما لا تتابع أي جهة محايدة هذه العمليات بشكل ميداني.

فلسطينيون في انتظار المساعدات، 1 أغسطس 2025 (أنس فتيحة/الأناضول)
فلسطينيون في انتظار المساعدات، 1 أغسطس 2025 (أنس فتيحة/الأناضول)

وتتعمد قوات الاحتلال أن تجعل من مناطق توزيع المساعدات التي يطلق عليها الفلسطينيين "مصائد الموت"، مواقع متوترة، سواء عبر التباطؤ في تسليم الشاحنات، أو الاستهداف المباشر لفرق التأمين، أو تمكين اللصوص من السطو على الشاحنات عبر مرورها في مسارات غير مؤمنة، في الوقت الذي تقوم فيه الآليات بفتح نيرانها على المواطنين المجوعين، ما يحول المشهد إلى "كمين دموي" يتكرر في مسعى لإثارة الفوضى وخلق البغض بين فئات الشعب الفلسطيني.

تقول الفلسطينية أم خالد سعد (45 سنة)، والتي فقدت زوجها أثناء محاولة جلب كيس دقيق: "كان زوجي يصلي الفجر، ثم يذهب إلى زيكيم عند سماعه بدخول مساعدات، وكان في كل يوم يقول لي: إن مت فسامحيني. كنت أمازحه حينها وأقول له: رايح تجيب خبز، مش رايح تحارب، لكنه لم يعد".
وتتابع سعد بحسرة: "لم أتخيل في حياتي أن أفقد زوجي لقاء بعض الدقيق الذي كان متوفراً بكثرة وبأسعار زهيدة قبل الحرب، إلى جانب توزيعه بشكل مجاني أحياناً وبكميات كبيرة. استنزفتنا الحرب من كل النواحي، ثم أفقدتني زوجي وهو يحاول توفير قوت أسرته المكونة من ستة أفراد".

ويعكس المشهد في مناطق مرور الشاحنات ومناطق توزيع المساعدات عمق الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، فالوصول إلى هذه النقاط، حيث يُقتل الناس من أجل كيس دقيق، يظهر أن المجاعة لم تعد احتمالاً بل أصبحت واقعاً، وأنّ الناس وصلوا إلى مرحلة ما بعد اليأس، حيث الجوع يفوق الخوف، والحياة تُصبح أحياناً أقل قيمة من وجبة.

لا يذهب الناس إلى الموت في تلك الأماكن لأنهم شجعان، بل لأنّهم مضطرون، فمن ينتظر في زيكيم هو شخص لم يجد وسيلة أخرى لإطعام عائلته، وبعضهم يصاب، لكنه يعود ليحاول مرة أخرى، وبعضهم يدفن بصمت، من دون أن يسجل اسمه في نشرات الأخبار أو تذكر قصته في البيانات.

المساهمون