تحت أشعة الشمس الحارقة تُلقي مظلة السّعف بظلالها لتكون الدرع الواقي والرفيق اليومي لعمال الميادين والمشاريع المكشوفة وورش البناء والفلاحين وغيرهم من أصحاب المهن الشاقة الذين يعتبرونها جزءاً من عُدّة عملهم اليومية، فخفتها على الرأس، وسعة قُطرها الذي يحجب الشمس عن الوجه والرقبة، وقدرة مسام سَعف النخل على تمرير نسائم الهواء تجعلها وسيلة وقاية شعبية لا غنى عنها في حر الصيف القاسي الذي فرضته التغيّرات المناخية.
وشهدت مناطق جنوب تونس في السنوات الأخيرة انتعاشاً لافتاً لورش الحرفيين التقليديين المتخصّصين في صناعة مظلة السّعف التي لم تعد مُجرّد نشاط تُراثي يُحاول الصمود أمام التحديث، بل تحوّل إلى حرفة حيوية نابضة بالحياة تتوزع ورشها بين القرى والواحات. وبفضل المهارة العالية للحرفيين والنساء اللواتي يتقنّ غزل جريد النخل وسَعفه، استعادت هذه المظلات مكانتها كضرورة مادية ورمزية لمواجهة حرارة الصيف القاسية التي تُميّز المنطقة.
لكن التحوّل الأبرز في حركة انتشار هذه الورش يعود إلى تغيّر النمط الاجتماعي واستخدامات هذه القطعة التقليدية. وبعدما كانت مظلة السّعف حكراً على الرجال، خصوصاً الفلاحين والرعاة والعمال لحمايتهم من أشعة الشمس الحارقة أثناء العمل في الحقول، باتت اليوم قطعة أساسية ترتديها النساء أيضاً بكل فخر وإقبال. هذا الإقبال النسائي اللافت شجّع الحرفيين على ابتكار تصاميم أحدث أدخلت الألوان والمطرزات الخفيفة واللمسات العصرية دون المسِّ بالهوية الأصلية للمنتج، ما جعل ورش الجنوب لا تتوقف عن الإنتاج لتلبية الطلب المتزايد داخل المنطقة وخارجها.
ويحصل الحرفيون غالباً على سعف النخيل مجاناً أو مقابل مبالغ رمزية، إذ يسعى مالكو الواحات إلى التخلص من السّعف لتنظيف واحاتهم، فيجد الحرفيون مادة خاماً ممتازة وصديقة للبيئة يحولونها بأناملهم من مجرد بقايا نخلة إلى تحف وحرف يدوية عالية القيمة.
تقول إيناس عمران (34 سنة) لـ"العربي الجديد": "في السابق كنّا نرى مظلة السّعف العريضة فقط في صور مصدرها مدن توزر وقبلي وقابس وأسواق في جنوب تونس، أما اليوم فباتت قطعة أساسية في حقيبتي بعدما أصبحت درجات الحرارة تتجاوز 40 مئوية طوال أشهر الصيف. القبعة القماشية تسبّب التعرق وتحبّس الحرارة، أما مظلة السّعف فخفيفة جداً وتوفر ظلاً واسعاً يُغطي الرقبة والكتفَين، وتسمح بمرور نسيم الهواء".
وأدى الإقبال الشعبي الواسع على مظلة السّعف إلى انتعاشة غير مسبوقة لحرفة صناعة هذه المظلات، فلم تعد الورش محصورة في واحات الجنوب، بل امتدت شبكات إنتاجها وتجميعها إلى نابل، وقابس، والمهدية، وسوسة والمنستير وحتى أطراف العاصمة، لتتحول من حرفة موسمية محدودة إلى شريان اقتصادي يُعيل عشرات العائلات في مناطق عدّة.
وفي ورشة صغيرة تفوح منها رائحة الجريد (قضبان سعف النخل) المبلّل بمدينة نابل، يجلس صالح الوسلاتي (61 سنة) وحوله كومة من السّعف الأخضر واليابس. يحرك أصابعه بسرعة ودقة متناهية تشهد على عقود من الخبرة، ويتحدث عن تفاصيل هذه الصناعة، ويقول لـ"العربي الجديد": "في السابق كنا نُنتج مظلات الرأس بأعداد قليلة لتلبية طلبات بعض السياح الراغبين في تذكار تقليدي، أما اليوم يأتينا الطلب من مناطق عدّة بعدما أصبحت قطعاً ضرورية للجميع بسبب ارتفاع درجات الحرارة".
وعن كيفية صناعتها، يوضح الوسلاتي أن "كل شيء يبدأ من الاختيار الدقيق لسعف النخيل من قلب النخلة، أو السّعف حديثة النمو الأكثر طراوة ومرونة. ونأخذ أوراق السّعف ونجفّفها في الظل كي لا تفقد صلابتها، ثم نبللها بالماء قبل العمل مباشرة كي تستعيد مرونتها ولا تتكسر أثناء تنفيذ عملية الضَّفر".
ويتعدى نجاح مظلة السّعف مجرد كونه حلاً مؤقتاً لموجات الحرارة، إذ يعكس وعياً جماعياً متزايداً بأهمية المنتجات الطبيعية المحلية في مواجهة التلوث البلاستيكي، فالمظلة المصنوعة من أوراق النخيل توفر حماية فعّالة من أشعة الشمس؛ لأنّها مصنوعة من موادّ طبيعية، كما أنّها مادة صلبة تعيش سنوات طويلة إذا حُفظت بعيداً عن الرطوبة العالية في فصل الشتاء.
ويقول الخمسيني آدم الصحراوي لـ"العربي الجديد": "استعمل مظلة السّعف منذ أكثر من عشرين عاماً في فصل الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة. في السابق كنّا نستخدمها خلال وقت الظهيرة التي تشهد ذروة ارتفاع الحرارة، أما اليوم فنستعملها طوال اليوم تقريباً بسبب الشمس الحارقة. لا شيء يعوضها لأنّها مصنوعة من موادّ طبيعية وفاعليتها في الحماية من الشمس لا تضاهيها القبعات الأخرى المصنوعة من مواد بلاستيكية أو من قماش. الأصل هو كلّ شيء".
وبين حرارة الصيف التي تُلقي بظلالها الثقيلة على المتوسّط وأصابع الحرفيين التي تواصل ضفر الجريد في الورش التقليدية، تجد مظلة السّعف موقعها رمزاً للصمود ثقافياً وبيئياً.