مجزرة حي الرفاعي... وقائع الإعدام الميداني في مدينة حمص

حمص

عبد الله البشير

avata
عبد الله البشير
07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:48 (توقيت القدس)
حي الرفاعي في حمص.. قصة الإبادة بلسان الأهالي
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مأساة حي الرفاعي في حمص: اكتشف الأهالي مواقع دفن جماعية لضحايا مجازر مارس 2012، حيث تعرض الحي لدمار شامل وعمليات إعدام ميدانية جماعية، مما أدى إلى مقتل مئات الأشخاص.

- التمييز الطائفي والدمار الممنهج: فصل حي الرفاعي عن كرم الزيتون بقرار طائفي، وتعرض لاقتحام الجيش وعمليات إعدام وتهجير قسري ونهب، بينما شهد كرم الزيتون دماراً أقل.

- العدالة والمساءلة: تعتبر المجزرة من أكبر الجرائم ضد الإنسانية في سوريا، ويطالب الناشطون بالتحقيق ومحاسبة المسؤولين، مع توثيق الجرائم لضمان عدم تكرارها وتحقيق السلم الأهلي.

بعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، لا يزال أهالي حي الرفاعي في مدينة حمص السورية يكتشفون مواقع دفن جثث أشخاص قضوا في مجازر، وفي معظم الأماكن أكوام ركام وأدوات وملابس ممزقة.

يختصر ركام المنازل المدمرة وأنقاضها في حي الرفاعي بمدينة حمص، وسط سورية، مشاهد طويلة من حكاية الإبادة التي تعرض لها السكان خلال بضعة أيام خلال مارس/ آذار 2012، بينما تبدو الحياة طبيعية في حي كرم الزيتون المجاور، والذي يبعد أمتاراً، وشهد دماراً أقل، في مفارقة تعكس حجم الفاجعة التي شهدها حي الرفاعي.

لم يعد العثور على رفات بشري تحت أنقاض المنازل أو في كومة تراب أو حفرة مردومة أمراً صادماً بالنسبة إلى السكان الذين عادوا إلى حي الرفاعي، وأخبر بعضهم "العربي الجديد" بأن أكوام الأنقاض التي يتجوّل الناس فوقها في داخل الحي، وركام المنازل المدمرة تظهر فيها ملابس ممزقة، أو تحتوي على رفات أشخاص قتلوا، ويقولون بلا تردد: "تحت كل كومة أنقاض هناك رفات، وعدم العثور على رفات هو الاستثناء".

يروي مختار حي الرفاعي عوض نجم الخالدي، لـ"العربي الجديد"، بعض تفاصيل ما حصل خلال اقتحام جيش نظام الأسد الحي في مارس 2012، ويقول: "بعدما أنهى الجيش اقتحام حي بابا عمرو، توجه إلى حي الرفاعي، وطوّقه من جهات عدة، وكان شارع الستين، شرقي الحي، نقطة الثقل الأكبر لعمليات التمشيط، التي شهدت جمع العسكريين أهالي الحي في بيوت ضمن مجموعات ضمت نساءً وأطفالاً، وتنفيذ عمليات إعدام ميدانية. من بين المجازر التي شهدها الحي وقعت واحدة قرب جامع الإمام أحمد الرفاعي، حيث قتِل نحو 35 شخصاً، وأخرى في منزل دياب الخالدي، وراح ضحيتها ما بين 70 و80 شخصاً، وأيضاً في منزل إبراهيم دريب، حيث قتِل نحو 80 شخصاً".

ويضيف الخالدي: "المجزرة الأكبر حصلت في منزل تركي التركاوي، حيث أعدم نحو 200 شخص، ومن بين الناجين ابنتي التي بقيت لساعات طويلة بين الجثث قبل أن يعثر عليها الأهالي وينقلوها مع أطفال آخرين إلى مشفى بيسان، حيث تبعتهم المخابرات الجوية، وقد استطعت تهريب ابنتي التي نجت بأعجوبة من المجزرة إلى لبنان باستخدام هوية شقيقتها. اكتشف الأهالي أخيراً سبعة مواقع تضم رفات أشخاص دفنوا تحت الأنقاض، وما حدث في حي الرفاعي إبادة وليس مجرد مجازر، وبعدها دُمّر الحي بالكامل بهدف نهب الحديد والمحتويات".

تغيب ملامح الطرقات في حي الرفاعي تحت ركام المنازل الكثيف، والقاعدة الحالية في الحي: "تحت كل كومة أنقاض هناك رفات"

وتكشف جولة قصيرة في حي كرم الزيتون المتاخم اختلافاً كبيراً في حجم الدمار، الذي طاول منازل محددة، وبعضها دمرت جزئياً، بينما في حي الرفاعي تغيب ملامح الطرق بالكامل تحت ركام كثيف تختلط فيه الملابس والأغراض الشخصية، وقد تخفي تحتها رفات أصحابها.

ويوضح الناشط الحقوقي تيسير الأحمد لـ"العربي الجديد" قائلاً: "كان حي الرفاعي جزءاً من حي كرم الزيتون، وحصل الفصل بينهما بقرار اتخذه المختار، كما وضع المختار حينها كتلاً إسمنتية فصلت الحي على أساس الولاء لنظام الأسد والطائفة، وحصل القسم الشرقي من حي كرم الزيتون على اسم حي الرفاعي نسبة إلى الإمام أحمد الرفاعي ومسجده الموجود في الحي، وبعد انتهاء الجيش من اقتحام حي بابا عمرو، توجه إلى بقية أحياء مدينة حمص، وكان الهدف القضاء على أي معارض، ومنع تظاهر السكان عبر قمعهم".

ظهرت حقائق المجازر الكبيرة في حي الرفاعي بعد عودة الاهالي، 5 ديسمبر 2025 (العربي الجديد)
ظهرت حقائق مجازر حي الرفاعي بعد عودة الأهالي، ديسمبر 2025 (العربي الجديد)

في 12 مارس 2012، بدأت قوات نظام الأسد اقتحام الحي بعد تطويقه. ويقول الأحمد: "اتفق الضابط المسؤول عن الاقتحام مع مختار حي كرم الزيتون أن يغادر مقاتلو المعارضة الحي، وأن يُفتش الحي من دون ارتكاب مجازر، لكن ما حدث كان خدعة، فبعد عملية الاقتحام دخلت مجموعات تابعة للأمن العسكري ونفذت عمليات إعدام ميداني للسكان بعد توزيعهم على مجموعات، ولم يكتشف أهالي الحي الذين هُجروا خلال تلك الفترة حجم المأساة إلا بعد سقوط نظام الأسد، ووُثقت أسماء 1400 شخص أعدموا في الحي، وكان السكان يعتقدون أنهم معتقلون أو مفقودون، ثم ظهرت حقيقة قتلهم بعد عودة المهجرين".

وقبل الاقتحام تمركزت قوات من جيش نظام الأسد في شارع الستين، شرق الحي، ومحاور أخرى، وحاصرت الحي أياماً، وقصفت المنازل. ويقول خالد الشامان، الذي انضم إلى مجموعة من نحو 40 شخصاً نجوا من الإعدام الميداني بعدما تركهم أحد الضباط لمصيرهم، لـ"العربي الجديد": "نفذت المجموعات التي رافقت الجيش خلال اقتحامه الحي عمليات إعدام ميدانية، وتعمّدت ذبح أشخاص وليس إعدامهم بالرصاص، وفشلت حينها محاولات إسعاف أشخاص كثيرين. وبعدما خرجت هذه المجموعات شهد الحي عملية تهجير قسري".

حي الرفاعي، حمص سورية، 15 مارس 2025 |(الناشط الجقوقي تيسير الأحمد)
ركام حي الرفاعي، مارس 2025 (الناشط الحقوقي تيسير الأحمد)

ويقول رئيس لجنة حي الرفاعي ممدوح خضر العموري، لـ"العربي الجديد": "بعد التحرير وسقوط نظام الأسد عاد الأهالي إلى الحي، واكتشفوا حجم الدمار، علماً أنه كانت تصلهم صور قديمة للحي، لكنهم لم يتخيلوا حجم الدمار والمأساة فيه. وهم يجدون كل فترة رفات أشخاص تحت الأنقاض. كان عناصر الدفاع الوطني يعتقلون الناس ويقتلونهم بطريقة وحشية، ويرمونهم تحت الأنقاض وفي حفر. حجم الدمار والمأساة كان مرعباً".

يتابع العموري: "علمنا أخيراً أن مدرسة نبيه بيرقدار تتضمن حفرة مليئة بالرفات، ونطالب الجهات المختصة ووزارة الطوارئ والكوارث بأن ترسل فرقاً مختصة للكشف عن رفات الجثث التي دفنت تحت الأرض وفي الآبار والمناور. وأكدت إحدى الناجيات أن أشخاصاً أحياءً رُموا في آبار وحفر ووضع فوقهم الردم. ارتكبت مجازر عدة في الحي، أكبرها حصلت بعد الاقتحام في مارس/ آذار 2012".

ويقول علي الجاور، وهو أحد أهالي الحي الذي قتِل 12 من أفراد عائلته في إحدى المجازر، لـ"العربي الجديد": "حوصر حي الرفاعي من الأحياء المحيطة به، وبقينا أربعة أيام بداخله، وأجرينا مفاوضات عبر وجهاء الحي مع جيش النظام لإخراج المسلحين مقابل دخول شكلي لقوات النظام وتنفيذ عمليات تمشيط. وغادر معظم الشبان ورجال الحي ليلاً، وبعدها دخل جيش النظام برفقة مجموعات من الشبيحة واللجان الشعبية من أحياء وادي الذهب والنزهة، وارتكبوا مجزرة في الحي، وكانت المجزرة على أساس طائفي بحت. وقد هُدم الحي بعد تهجيرنا، وبيع الحديد الموجود في المباني، ونُهِب كل شيء. وحالياً لم نعثر سوى على رفات بين الأنقاض، ونطالب بتحقيقات لكشف هويات أصحابها".

ويقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني لـ"العربي الجديد": "تعتبر مجزرة حي الرفاعي في حمص من بين الأكبر في سورية، ولم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه رغم أنها من أكبر الجرائم ضد الإنسانية، وتحمل أيضاً صبغة طائفية واضحة".

ويؤكد عبد الغني أن "حمص تعرضت لأكبر عدد من المجازر الطائفية مقارنة بباقي المحافظات السورية، ما جعلها التهديد الأبرز للسلم الأهلي في المحافظة، وفهم هذا السياق ضروري، لأن ما جرى لا يمكن عزله عن سلسلة مترابطة من الجرائم والحوادث. وحاول بعض الأطراف إخراج هذه المجازر من سياقها الحقيقي، ونشدد على إدانة أي ردة فعل انتقامية أو عمليات خطف أو عنف مضاد".

ويشير إلى أن "المطلوب اليوم تشكيل لجان لمعالجة هذه المجازر وتحديد المتورطين فيها، ووثقت الشبكة هذه الجرائم وتملك القدرة على مساعدة اللجان في بناء ملفات جنائية، وإعداد ملفات مجتمعية تهدف إلى عزل المتورطين الذين ما زالوا يشغلون مواقع داخل مؤسسات الدولة واستبعادهم، لا سيما القيادات السياسية والأمنية والعسكرية ومجموعات المليشيات التي شاركت في هذه الانتهاكات".

ويشدد على ضرورة كشف المسؤولين عن هذه الجرائم وإجبارهم على الاعتراف بارتكابها تمهيداً لمحاكمتهم، لكن حالة من الإنكار تسود المشهد السوري العام. وهذه الخطوات أساسية في مسار العدالة الانتقالية، إذ لا يمكن الوصول إلى السلم الأهلي من دونها، فالعدالة الانتقالية وحدها لا تكفي، وكذلك القضاء لا يكفي. يجب إنشاء لجان للسلم الأهلي تعمل على تجريم التحريض والإنكار، وترسيخ الاعتذار باعتباره قيمة أساسية، ويجب أن تحفظ مجازر بهذا الحجم في الذاكرة الوطنية، فالموضوع معقد للغاية، وليس بالبساطة التي يتصورها البعض".

ذات صلة

الصورة
الجيش السوري على أطراف الشيخ مقصود 9 يناير 2025 (العربي الجديد)

سياسة

أعلن الجيش السوري، اليوم السبت، وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود في مدينة حلب شمالي البلاد، الأمر الذي نفته "قسد".
الصورة
إزالة آثا التفجير في مسجد بمدينة حمص وسط سورية، 26 ديسمبر 2025 (سانا)

سياسة

قتل ثمانية مدنيين وأصيب نحو 18 آخرين، اليوم الجمعة، في انفجار وقع داخل مسجد في مدينة حمص وسط سورية، وفق الوكالة السورية للأنباء (سانا)
المساهمون