"كوب 30" في بيليم البرازيلية: رهانات حاسمة للمناخ

09 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:24 (توقيت القدس)
مقرّ مؤتمر المناخ "كوب 30" في بيليم، البرازيل، 7 نوفمبر 2025 (ماورو بيمنتيل/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مؤتمر "كوب 30" في بيليم، البرازيل، يواجه تحديات بسبب تراجع الاهتمام الدولي والأعباء اللوجستية، مع أزمة في الإرادة السياسية لمواجهة تغيّر المناخ منذ اتفاقية باريس 2015.
- البرازيل تستضيف المؤتمر كوسيط بين الدول الطموحة بيئياً والدول الصاعدة، بينما تلعب الولايات المتحدة دوراً غامضاً، مما يثير مخاوف من تأثيرها على مواقف دول أخرى.
- رغم الجمود الرسمي، تظهر مبادرات طوعية لتخفيض الانبعاثات، مع تركيز المؤتمر على تنفيذ اتفاقية باريس، التحوّل للطاقة المتجددة، والتمويل المناخي، مع تعزيز صوت الجنوب العالمي.

تنطلق، يوم غدٍ الاثنين، أعمال المؤتمر الثلاثين للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب 30) في مدينة بيليم شمالي البرازيل، وسط توقّعات متواضعة وتحديات غير مسبوقة، علماً أنّ لقاءات عُقدت على هامش أعمال هذا المؤتمر بين قادة الدول. وبعد عقدٍ على اتفاقية باريس

للمناخ (2025) التي تُعَدّ تاريخية، يبدو أنّ زمن الاتفاقيات الكبرى قد انتهى، لتحلّ محلّه معارك التنفيذ والمساءلة.

ويُلحَظ "فتور" في الاهتمام الدولي بمؤتمرات المناخ عموماً، ولا يأتي ذلك فقط بسبب الأعباء اللوجستية وتكاليف السفر والإقامة الباهظة في مدينة بيليم الواقعة في الأمازون البرازيلية أخيراً، إنّما هو يعبّر عن أزمة أعمق في الإرادة السياسية لمواجهة تغيّر المناخ، على الرغم ممّا يخلّفه من كوارث بيئية وصحية متصاعدة تطاول كوكب الأرض وسكانه.

ومنذ اتفاقية باريس للمناخ التي اُقرّت في عام 2015، تراجع الزخم الذي كان يرافق مؤتمرات المناخ للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، عاماً بعد آخر، فيما راح يتراجع الحضور السياسي الذي كان يمنح تلك الاجتماعات ثقلها الدبلوماسي. ولم تعد حماية المناخ بنداً رئيسياً على أجندات القادة، بل أفسحت المجال لقضايا أكثر آنيّة في نظر العواصم الكبرى من قبيل الأمن الجيوسياسي والذكاء الاصطناعي والتنافس التكنولوجي كما الاقتصادي.

ويبرز هذا التحوّل بوضوح في موقف الدنمارك، إذ كانت رئيسة وزرائه ميتا فريدركسن قد وصفت أزمة المناخ، قبل أربعة أعوام، بأنّها "أعظم تحدٍّ تواجهه البشرية"، لكنّها اختارت هذا العام عدم المشاركة في مؤتمر بيليم، منشغلةً بالسياسة الداخلية. وغياب كوبنهاغن ليس تفصيلاً بروتوكولياً، إنّما يدلّ على تحوّل الأولويات العالمية عن مسار العمل المناخي صوب حسابات مصالح أكثر ضيقاً.

ولا يقتصر هذا التراجع على الدنمارك وحدها. ففي داخل الاتحاد الأوروبي نفسه، ظهرت مؤشّرات الارتباك والانقسام في خلال المفاوضات الماراثونية بشأن أهداف المناخ لعامَي 2035 و2040، التي انتهت بتسوية هشّة مكّنت، بالكاد، التكتل من تفادي أزمة سياسية قبيل انعقاد "كوب 30". لقد كان الاتفاق المتواضع أقرب إلى محاولة لإنقاذ ماء الوجه الأوروبي، أكثر منه خطوة طموحة لحماية الكوكب.

ويلفت خبراء المناخ إلى أنّ تحذيراتهم باتت أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى، غير أنّ الآمال باتّفاقية مناخية جديدة تبدو شبه معدومة. وتقول الخبيرة المجرية كريستيانا فيغيريس، إحدى مهندسات اتفاقية باريس، إنّ "علينا الكفّ عن انتظار اتّفاقية كبيرة جديدة... لقد انتهى ذلك الزمن".

وبالفعل، أقرّ العالم الإطار الأساسي في عام 2015، والتحدّي راهناً يكمن في التنفيذ. وعلى الرغم من أنّ الدول بعيدة عن تحقيق أهداف اتفاقية باريس، فإنّ الأخيرة أحدثت فارقاً ملموساً. فقد كان العالم يسير نحو احترار يتراوح ما بين ثلاث درجات مئوية وأربع، أمّا اليوم فتُقدَّر الزيادة بما بين 2.3 درجة مئوية و2.5 فقط، بفضل سياسات وخطط أُطلقت على الرغم من قصورها.

رئاسة برازيلية وسط توترات وإفساد أميركي

وتبدو البرازيل، التي تستضيف مؤتمر المناخ "كوب 30"، مستعدّةً دبلوماسياً لإنجاحها. هي تُمثّل صلة وصل بين معسكرَين؛ الدول الطموحة بيئياً مثل أعضاء الاتحاد الأوروبي وتحالف الجزر الصغيرة، والدول الصاعدة مثل الهند والصين. لكنّ الرئاسة البرازيلية تعي صعوبة المرحلة، لذلك لم تُقدّم "النصّ النهائي" المعتاد الذي يلخّص المفاوضات، خشية فشل التوافق. ومع ذلك، فإنّها قد تتمكّن من إثبات قدرتها على أداء دور الوسيط النادر في زمن الانقسامات.

من جهتها، تمثّل الولايات المتحدة الأميركية، في هذا العام، عاملاً غامضاً في المفاوضات. فواشنطن لم تُعلن رسمياً مشاركتها في مؤتمر "كوب 30"، بعدما وُصفت أخيراً بأنّها "المفسد الرئيسي" في محادثات المنظمة البحرية الدولية، التي عُقدت في العاصمة البريطانية لندن في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، إذ عرقلت اتفاقاً للحدّ من الانبعاثات في النقل البحري. يُذكر أنّ هذه المنظمة هي الوكالة التابعة للأمم المتحدة المسؤولة عن سلامة الشحن وأمنه، وعن منع التلوّث البحري وكذلك الجوي الناجمَين عن حركة السفن.

ويخشى مراقبون أن يتكرّر سيناريو مشابه في العاصمة البرازيلية بيليم، في خلال "كوب 30". فحضور الولايات المتحدة الأميركية أو غيابها سوف يؤثّران مباشرة على مواقف السعودية وروسيا، اللتَين تعارضان الالتزامات الصريحة بالتخلّص من الوقود الأحفوري. وفي هذا الإطار، صرّح الخبير ينس ماتياس كلاوسن لصحيفة إنفورماسيون الدنماركية بأنّه "في حال تبنّت واشنطن لهجة المعرقل، فإنّها تمنح الآخرين ذريعة للجمود".

ثلث الدول فقط قدّمت خططها الجديدة قبل "كوب 30"

تفيد بيانات أمانة مؤتمر المناخ "كوب 30" بأنّ 64 دولة فقط من أصل نحو 200 قّدمت أهدافها المناخية الجديدة لعام 2035، على الرغم من أنّ ذلك إلزامي هذا العام بموجب اتفاقية باريس، مع بقاء دول كبرى مثل الصين والهند في خارج القائمة. وتمثّل هذه "المساهمات المحدّدة وطنياً" حجر الأساس لمنظومة المناخ، الأمر الذي يجعل غياب ثلثَي الدول تهديداً لجاهزيته.

حتى الاتحاد الأوروبي، الذي يُعوَّل على دوره القيادي، واجه صعوبات داخلية؛ فقد اعتمد هدفاً بتخفيض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 90% بحلول عام 2040، مع السماح بتحقيق جزء من ذلك في خارج حدوده عبر ائتمانات الكربون، متراجعاً عن مقترحات المفوضية الأصلية. وفي سياق مماثل، غابت شخصيات البارزة عن اللقاءات التي سبقت أعمال "كوب 30" الرسمية، من أمثال رئيسة الوزراء الدنماركية، الأمر الذي يؤكد تراجع أولوية المناخ في جدول قادة العالم.

وفي مواجهة الجمود الرسمي، برزت مبادرات طوعية بين دول وشركات لتخفيض الانبعاثات في قطاعات، تُعرَف بـ"الاتفاقات القطاعية"، الأمر الذي من شأنه أن يبقي بعض الزخم المناخي حيوياً في خارج غرف المفاوضات التقليدية. ويقول الدبلوماسي البريطاني بيتر بيتس، في كتابه "دبلوماسية المناخ" (2025)، إنّ هذه المبادرات "تعوّض بطريقتها عن بطء التقدّم الرسمي، وتُبقي الأمل قائماً بالتعاون الدولي".

ومن المتوقّع أن تؤدّي هذه المبادرات دوراً أكبر في مؤتمر "كوب 30"، خصوصاً في تمويل التحوّل الأخضر بالدول النامية وتبادل التقنيات النظيفة. يُذكر أنّ الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ سيمون ستيل شدّد على "وجوب ربط غرف المفاوضات السياسية بغرف مجالس الإدارة".

ما يترقّبه العالم من مؤتمر "كوب 30" في بيليم

من المتوقَّع أن يركّز المؤتمر الثلاثين للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب 30) على تنفيذ اتفاقية باريس أكثر من وضع أهداف جديدة. وتتركّز التوقّعات على ثلاثة مسارات رئيسية، وهي تسريع التحوّل إلى الطاقة المتجدّدة مع جدول واضح للتخلّي عن الوقود الأحفوري، وإعادة صياغة إطار التمويل المناخي وضمان تعهّد الدول الغنية بتوفير 100 مليار دولار أميركي سنوياً في هذا الإطار، وإعادة بناء الثقة في منظومة المناخ الدولية وسط انقسامات جيوسياسية متصاعدة.

وتسعى البرازيل، الدولة المضيفة، إلى جعل مؤتمر "كوب 30" منبراً لصوت الجنوب العالمي، ولا سيّما للدول الجزرية وسكان الأمازون، مع خطّة أوضح لتخفيض الانبعاثات حتى عام 2035 وتفاهم سياسي حول التمويل المناخي، إلى جانب مبادرات قطاعية في مجالات الطاقة والزراعة والغابات. وحتى في غياب اختراقات كبيرة، سوف يُعَدّ نجاحاً للمؤتمر إبقاءَ العالم متحاوراً ومتفاعلاً وسط تراجع الثقة والتعاون متعدّد الأطراف.

تجدر الإشارة إلى أنّه على الرغم من كلّ التحديات التي تواجه مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب 30)، الذي يبدأ أعماله الرسمية غداً الاثنين في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 ويستمرّ فيها حتى 21 منه، فإنّ هذه الأعمال تمثّل تذكيراً بأنّ إرادة العمل المناخي ما زالت حيّة، وأنّ التحرّك الجماعي ممكن إذا عاد إلى تصدّر الأولويات.