قصف خيام غزة... دماء أطفال النازحين تصبغ قماش النجاة
استمع إلى الملخص
- يؤكد إسماعيل الثوابتة أن استهداف خيام الإيواء يعكس سياسة ممنهجة لإرهاب المدنيين ودفعهم للاستسلام، حيث تُستخدم القنابل الثقيلة والمتفجرات لتحطيم الروح المعنوية وتفريغ غزة من سكانها.
- تتكرر المآسي في خيام الإيواء، حيث يروي الناجون قصصاً مؤلمة عن فقدان أحبائهم، مما يبرز حجم المعاناة تحت الحصار والقصف المستمر.
غادر مئات الآلاف من أهالي قطاع غزة منازلهم هرباً من القصف الإسرائيلي، أو بفعل أوامر الإخلاء، ليعيشوا واقعاً مأساوياً في خيام بسيطة بمناطق متكدسة، لكن الموت لاحقهم في تلك الخيام.
يستهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي خيام الإيواء في أنحاء قطاع غزة يومياً، غير آبه بتلاصق الخيام القماشية الرثة، أو وجود أعداد كبيرة من النازحين المتكدّسين، ما يخلف أعداداً كبيرة من الشهداء والمصابين، خاصّة أن جلّ الاستهدافات تتركز على التجمعات المكتظة. في غربي مدينة غزة، يوجد نحو مليون نازح من سكان شرقي المدينة وشمالي القطاع، وفي منطقة مواصي خانيونس يوجد معظم سكان مدينتَي رفح وخانيونس داخل خيام إيواء، ما يجعل كل استهداف لأي خيمة بمثابة مجزرة توقع عدداً كبيراً من الشهداء والمصابين.
يتكرّر المشهد مع كل استهداف للخيام التي لا تصمد أمام القذائف التي تحرقها في ثوانٍ، وتجعل قماشها وقوداً لنار تشتعل بأجساد النازحين، فيما لا تجد الشظايا ما يمنعها من الوصول إلى الخيام المجاورة للخيمة المستهدفة، ما يحدث عدداً أكبر من الإصابات، وتمدّد النيران لتحرق عشرات الخيام المتجاورة.
يقول مدير مكتب الإعلام الحكومي، إسماعيل الثوابتة، إنه منذ بداية العدوان على غزة، ارتكب الاحتلال أكثر من 105 عمليات قصف مباشر استهدفت خيام إيواء في منطقة مواصي خانيونس وحدها، وهي منطقة يدعي الاحتلال أنها "آمنة" ويصنفها ضمن "المناطق الإنسانية"، أدت هذه الاعتداءات إلى وقوع أكثر من 80 مجزرة موثقة داخل خيام المواصي، نتج عنها مئات من الشهداء والجرحى، غالبيتهم من النساء والأطفال.
ويضيف الثوابتة لـ"العربي الجديد": "هذه الأرقام تكشف الطبيعة الإجرامية للاستهداف، فالهدف من هذا السلوك هو تكريس معادلة أنه لا مكان آمناً في غزة، ودفع المدنيين نحو الاستسلام تحت ضغط القتل والجوع والتشريد، كما يسعى الاحتلال عبر المجازر إلى تحطيم الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، وتفريغ غزة من سكانها عبر إرهاب شامل يطاول الأطفال والنساء والشيوخ داخل خيام يفترض أنها مؤقتة للحماية. إنه استهداف متعمد للبنية الإنسانية والاجتماعية وركيزة الوجود المدني".
ويؤكد أن "الاحتلال الإسرائيلي يتعمد توجيه عملياته العسكرية نحو خيام الإيواء التي تؤوي عشرات الآلاف من الأسر المهجرة قسراً، في استهداف مباشر للأشخاص الأكثر ضعفاً، وهو يعتمد على الرصد الجوي والاستطلاع المستمر لتحديد أماكن الخيام المكتظة بالنازحين، ثم ينفذ ضربات قاتلة بالقنابل الثقيلة والمتفجرات واسعة التأثير، ما يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا دفعة واحدة".
ويلفت الثوابتة إلى أن "القصف يتكرر في الليل أو أوقات الذروة لزيادة أعداد الضحايا، وإشاعة الرعب الجماعي، في إطار سياسة إبادة ممنهجة تستهدف المدنيين العزل. استهداف الخيام يعني ضرب قلب التجمّعات المدنية التي هُجِّرت قسراً من منازلها، والتي حدد الاحتلال الإسرائيلي نفسه مكان نزوحها، وتحويل ما يسمى زوراً مناطق آمنة إلى مقابر جماعية".
في مدرسة "الماجدة وسيلة" غربي مدينة غزة، لم يمنع امتلاء ساحة المدرسة بالنازحين الاحتلالَ من ارتكاب مجزرة في ليلة الجمعة 15 أغسطس/آب الحالي، أدت إلى استشهاد سبعة نازحين، بينهم ثلاث نساء وثلاثة أطفال، فضلاً عن إصابة أكثر من 36 نازحاً.
يجلس غازي أبو عمشة في بيت عزاء نصب بساحة المدرسة، وبالقرب منه آثار المجزرة الإسرائيلية التي أحرقت ثلاث خيام، فيما تظهر بقايا الصاروخ التي يحاول أطفال تفحصها في ذهول، وكأنها تحرك أمامهم مشاهد الرعب التي عاشوها وهم يرون أقرانهم يحترقون ويصرخون، وما زالت بقع الدماء موجودة على الملابس والمقتنيات الممزقة المتناثرة.
يروي أبو عمشة لـ"العربي الجديد": "سمعت صوت القصف، فاقتربت من الخيمة المستهدفة، لأجد نساء وأطفالاً تغطيهم الدماء ممددين على الأرض، وكان بعضهم عبارة عن أشلاء، أو بترت أطرافهم بفعل الصاروخ. استشهدت زوجة أخي، واستشهد رجل وزوجته تاركين أربعة أطفال مصابين، واستشهدت أم مع أولادها الاثنين. لم يفرق الصاروخ بين كبير وصغير".
ينظر إلى الخيام الممزقة بفعل شظايا الصاروخ وما خلفه من دمار في ساحة المدرسة، ويقول: "نعاني من الاحتلال، ومن صمت العرب، ونعيش في ظل الجوع والحصار منذ سنتين. أطفالنا جوعى ولا نستطيع إطعامهم، وهم يموتون أمام أعيننا بعد أن عاشوا الحرب والموت والتشرد والجوع والعطش. يستهدف الاحتلال الخيام يومياً، رغم أنها مكدسة بالنازحين، من دون أي اعتبار لما سينتج عن القصف من كوارث إنسانية".
في ذات المدرسة، يقف الشاب أحمد (20 سنة) مع مجموعة من أقرانه أمام خيمة عمته الممزقة، التي استشهد فيها ثلاثة أطفال أكبرهم يبلغ من العمر خمس سنوات وأصغرهم لم يتجاوز العامين. يحكي لـ"العربي الجديد": "في لحظة القصف كنت أقف على بعد خمسة أمتار من المكان، ورأيت المجزرة كاملة. سمعنا صوت الطائرة المروحية (آباتشي)، ثم حدث انفجار ضخم، وبعد هدوء الدخان وتوقف تطاير الشظايا، صعدت إلى غرفة أهلي بالمدرسة لأطمأن عليهم، ثم نزلت لأفاجأ باستشهاد أبناء عمتي الأطفال".
ويضيف: "قبل القصف رأيت أحد الجيران يحمل طبق حلوى (غريبة)، ولحظة وصوله إلى المكان المستهدف حدث القصف، وقد بترت قدمه، ورأيت دماءه مختلطة بالحلوى. مشهد الأطفال المصابين يدمي القلب. قبل القصف، كنا رغم قسوة الظروف والجوع نتكيف قسراً مع الواقع، ولم نكن نتخيل يوماً أن تصبح يومياتنا مليئة بالموت والدمار".
عصر يوم 14 يوليو/ تموز الماضي، وبينما كان الحكيم أحمد صلاح (34 سنة) يغفو في خيمته الواقعة بمنطقة مواصي خانيونس بعد عودته من العمل بمستشفى ناصر، وإلى جانبه أطفاله ماجد (6 سنوات) وهداية (7 سنوات) ويقين (5 سنوات)، قصف الاحتلال الخيمة، واستشهد الأب وأطفاله الثلاثة. حين أصابهم القصف، كان والده في خيمة مجاورة، يستمع إلى الأخبار وهو ممددٌ على الأرض، وشاهد الشظايا تتطاير فوق رأسه، ويروي الجد ماجد صلاح لـ "العربي الجديد": "عندما توقف تطاير الشظايا، نظرت حولي، فرأيت كل شيء في علو نصف متر قد تمزق، من أمتعة وفراش وحقائب، وحين خرجت رأيت النار تشتعل بخيمة ابني، فبدأت بمساعدة الجيران في سكب المياه على النار، وإلقاء الرمل عليها حتّى لا تتفحم جثامينهم".
يضيف: "خلّف القصف ناراً كبيرة، لكنّنا أطفأناها، وكانت زوجة ابني إيمان، وهي حكيمة، على رأس عملها بعيادة طبية تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، واتصلنا بها لتحضر إلى مستشفى ناصر، وهناك فوجئت بفاجعة استشهاد زوجها وأطفالها الثلاثة. كان ابني يقدّم الخدمة الطبية للمرضى والمصابين، وقبل يومين من الاستهداف عرض عليّ رسالة تهديد وصلت الطواقم الطبية من جيش الاحتلال، وعندما طلبت منه إغلاق هاتفه، أخبرني أن هاتفه مفتوح منذ عامين، وأنه يقدم خدمة إنسانية لا تشرّع استهدافه. في نفس الفترة استهدف الاحتلال الحكيمَين محمد أبو العنين ووسيم سحويل، وكأنها رسالة ترهيب للطواقم الطبية".
ما زالت ذكريات القصف جاثمة على قلب صلاح، ويقول: "كان الصوت مدوياً، وأصيب العديد من أفراد العائلة في المجزرة، من بينهم حفيدي الرضيع الذي أصابته شظيتان، وزوجة ابني الآخر أصيبت بشظية في البطن، وأمها أصيبت بشظية أيضاً، واستشهدت ابنة شقيق زوجتي نتيجة القصف، وأصيب العديد من الجيران، وتمزقت خيام عدّة نتيجة تناثر الشظايا. كرس ابني الشهيد حياته في خدمة القطاع الصحي، وكان يلقب بحكيم المخيّم، وبعد أن يعود من دوامه بالمشفى، يقوم بتقديم الخدمة الطبية للنازحين، خاصة المرضى وكبار السن، ومن يحتاجون إلى تركيب محاليل أو حقن طبية، وكان حافظاً للقرآن، وتفوق في دراسته، وخلال امتحان التوظيف حصل على الترتيب الثامن ضمن 800 متقدم للوظيفة".
يتابع: "خلال الشهر الماضي وحده، زرت سبعة بيوت عزاء لشهداء خيام نزوح استهدفها الاحتلال، وأقل مجزرة نتج عنها خمسة شهداء، وحين استهدفوا خيامنا، لم أكن أستطيع معرفة على من أحزن أكثر، على أحفادي الشهداء، أم على ابني، وهذه مفارقة مأساوية".