غفور سليماني... مكفوف إيراني يتحدّى واقعه رغم الصعوبات

22 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:18 (توقيت القدس)
لا مستحيل في حياة الإيراني المكفوف غفور سليماني (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- غفور سليماني، الذي نشأ في قرية نائية بإيران، تغلب على إعاقته البصرية وواقعه الصعب، حيث بدأ ببيع الفواكه واستخدم الراديو كمصدر للمعرفة.
- تفوق غفور في دراسته رغم التحديات، والتحق بجامعة رازي لدراسة العلوم السياسية، محققاً حلمه في التعليم الجامعي.
- بعد حصوله على الماجستير، تزوج واستمر في نشاطاته الاجتماعية والثقافية، داعياً المجتمع لتقدير المكفوفين كأفراد قادرين على المساهمة.

قرر الإيراني غفور سليماني منذ طفولته أن يتغلب على الإعاقة البصرية وواقعه المرير، وهو كان متحمساً دائماً للعلم، حتى لو عرفه كبيراً، بأمل تحسين حياته وحياة أسرته.

لم يرَ الإيراني غفور سليماني الدنيا أبداً لكن قلبه واسع لها، ويتصورها في ذهنه. وُلد مكفوفاً في قرية بن شله النائية في قضاء روانسر بمحافظة كرمانشاه غربي إيران، لكنه نجح في هزم الإعاقة البصرية خلال سنوات طفولته، وبنى حياة بإرادته القوية، وهو ما قد يعجز عن فعله كثير ممن يتمتعون ببصر.

وُلد عام 1979 في عائلة فقيرة من أصول كردية كانت قد رزقت بثلاث بنات قبل أن يقرر الوالدان الإنجاب مجدداً بأمل أن يُرزقا بولد قد يُساعد لاحقاً في إعالة الأسرة، ويُخفف العبء عن كاهل الوالد. وشعرت العائلة بسعادة كبيرة لولادة غفور، لكنها أصيبت بخيبة حين علمت بعد ثلاثة أشهر أن المولود بلا بصر. وكانت أم غفور أول من علمت ذلك حين راجعت المستوصف إثر مرض ابنها، فتعرضت لصدمة كبيرة.

غفور سليماني... مكفوف إيراني يتحدّى واقعه رغم الصعوبات

يروي غفور لـ"العربي الجديد" أن القبر حفر مرتين لدفنه خلال طفولته بعدما أصيب بأمراض تأكد الجميع أنها لن تبقيه حياً، لكن ذلك لم يحصل، ويقول: "كانت أسرتي مسحوقة، وكان والدي عاملاً يُحضر إلى البيت قوتاً كي لا نموت. أما جليسي الوحيد خلال طفولتي فكان الراديو الذي كنت أمضي كل وقتي في الاستماع إليه".

يتابع: "فكرت ماذا أفعل؟ وتمسكت بفكرة أنه يجب أن أسعى وأسعى، علماً أنني كنت أعاني مشاكل عدة، إذ كنت ابن قرية وأنتمي إلى عائلة فقيرة كما أنّي مكفوف. وبدأ نضالي في سن الـ12 حين عملت بائعاً متجولاً في القرية، وكنت أحمل على كتفي سلة فواكه، ثم تحوّلت هذه السلة إلى عربة. ومارست هذا العمل حتى سن الـ15، وكان الراديو لا يفارقني، وأستمع إلى برامج سياسية وثقافية واجتماعية".

طلاب وشباب
التحديثات الحية

لاحقاً تحمّس غفور للتعلم والدراسة، وزار مدينة جوانرد قرب قريته، والتحق بجلسات لـ"محو الأمية"، وتحمّل عناء الانتقال بين القرية والمدينة لتحصيل العلم، إذ كان يقطع مسافة كيلومتر من طريق ترابي لبلوغ الطريق الرئيسي في انتظار مرور سيارة تنقله إلى جوانرود. ويعلّق: "تحمّلت كل هذه الصعوبات بسبب حبي الكبير للعلم الذي كنت آمل في أن يحسّن حياتي وحياة أسرتي".

ونجح غفور في إنهاء المرحلة الأساسية خلال فترة زمنية قصيرة، ثم انتقل إلى المرحلة المتوسطة التي تفوق فيها على جميع التلاميذ بحصوله على معدل 98%. وعن طريقة تعلمه يقول غفور: "لم يكن يتوفر خط بريل الخاص بالمكفوفين، فكنت أطلب من أصدقائي أن يقرأوا الكتب والدروس لي، وكنت أحفظها بسرعة فائقة، ثم أكملت المرحلة الثانوية بهذه الطريقة، وتفوقت فيها أيضاً على 200 تلميذ جميعهم مبصرون في مدينة جوانرود".

وخلال فترة الثانوية العامة مارس غفور أنشطة ثقافية واجتماعية بوصفه عضواً في مجلس الطلاب، ثم اجتاز عام 2002 امتحان دخول الجامعة، والتحق بكلية العلوم السياسية في جامعة رازي بمدينة كرمانشاه، مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه. ويوضح غفور أن السعادة غمرته بدخول الجامعة وتحقق الحلم الذي راوده منذ كان صغيراً وعززه بالتعلم، و"حين كان يسألني الجيران والمارة ماذا أفعل، أجيب بشغف كبير بأنني طالب جامعي".

يتحدث غفور عن تخطيه صعوبات أخرى منذ أن بدأ دراسته في المراحل الأساسية والمتوسطة والثانوية وصولاً إلى دخول الجامعة، "فحين كنت أقطع المسافة الترابية مشياً من القرية إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى مدينة جوانرود كنت أقع على الأرض مرات، وأتعرض لهجمات من ذئاب وكلاب، وكنت أصاب أحياناً بجروح، لكنني أوجدت حيلة من خلال أخذ خبز معي، ومنحه للكلاب التي اعتادت على هذا المعروف الذي جعلها ترافقني يومياً". في عام 2009 فقد غفور سنده القوي، أمه، لكنه واصل المشوار حتى حصل على شهادة ماجستير عام 2012، ثم طلب يد فتاة في منطقته وعقد القران.

الصورة
غفور مثال للشباب في التغلب على العقبات وصعوبات الحياة (العربي الجديد)
غفور مثال في التغلب على العقبات وصعوبات الحياة (العربي الجديد)

ويوضح صبحت نادري سبب موافقته على تزويج ابنته مهري من غفور، ويقول لـ"العربي الجديد": "لم أمانع، وطالبت ابنتي بأن تتخذ القرار". يضيف نادري، السبعيني: "وافقت ابنتي على الزواج، وأسرتنا تفتخر بصهرنا غفور لأنه رجل يتمتع بمبادئ وأخلاق ومتعلم ومتنور فكرياً". وتقول مهري، زوجة غفور، لـ"العربي الجديد": "وجدت في غفور روحاً بطولية وإرادة صلبة تغلبتا على الإعاقة البصرية، وهذا ما دفعني إلى الموافقة على الزواج منه، وأنا أشعر بسعادة كبيرة بعد 13 عاماً من الحياة الزوجية".

ولا تزال الأمنيات والأحلام ترافق غفور الذي لا يريد أن يتوقف عند نقطة معينة. وهو ترشح عام 2016 لانتخابات المجلس البلدي في مدينة روانسر، وحصل على أكثر من أربعة آلاف صوت، لكنه لم يفز بسبب فقدانه السند القبلي في حين دعمه كثير من الناشطين.
درّس غفور نحو عشر سنوات في جامعات محافظة كرمانشاه، وكان أول أستاذ جامعي مكفوف في المنطقة، لكنه أصيب بمرض السكري عام 2018 الذي أصابه بتقرحات في قدمه جعلته يلازم البيت. وبعدها فقد غفور عمله أستاذاً في الجامعة التي قطعت علاقتها معه ولم تساعده، وهو يعيش اليوم من دون تأمين صحي وضمان اجتماعي، ويناشد السلطات مساعدته عبر إعادته إلى التدريس تنفيذاً لوعود تلقاها سابقاً من دون أن تتحوّل إلى واقع.

حول العالم
التحديثات الحية

ويواصل غفور مواكبة النشاطات الاجتماعية والثقافية في غرب إيران، وهو يعد من نشطائها بحسب ما يرويه صديقه الفنان رحمت رحيمي لـ"العربي الجديد"، والذي يضيف أن "غفور أصبح رمزاً للشبان في مناطق الغرب، ومثالاً يحتذون به في التغلب على العقبات وصعوبات الحياة".

يناشد غفور الناس أن ينظروا إلى المكفوف باعتباره إنساناً وليس باعتباره معوقاً، وتقديم العون والمساعدة له لكن ليس بنظرة شفقة. ويقول: "صحيح أنني مكفوف لكنني أملك اليد والرجل واللسان وقدرات فكرية وذهنية، وأستطيع تنفيذ أعمال. وأنا أكملت الدراسة الجامعية بأمل أن يتوفر لي عمل في البلد ولا أكون عبئاً على المجتمع، لكن ما حصل هو أنني أصبحت اليوم عاطلاً عن العمل، ما زاد من معاناتي مع أسرتي".

المساهمون