سودانيون يجتازون الألغام والجبال الوعرة هرباً من معارك كردفان
استمع إلى الملخص
- تصاعد الصراع في السودان منذ إبريل 2023، مما أدى إلى نزوح جماعي للسكان، خاصة النساء والأطفال، وسط تقارير عن مجازر وعمليات اغتصاب ونهب. كوستي تواجه ضغطاً كبيراً بسبب تدفق النازحين واللاجئين.
- تواجه العائلات النازحة تحديات كبيرة في الوصول إلى مناطق آمنة بسبب الطرق غير الآمنة. الهجمات الجوية الأخيرة في جنوب كردفان زادت الأزمة، حيث قتل 114 شخصاً في هجوم على روضة أطفال ومستشفى. ارتفاع تكاليف النزوح يحد من قدرة الأسر على الفرار.
على مدار ثمانية أيام، سار المزارع السوداني إبراهيم حسين وعائلته عبر طرق جبلية وعرة هرباً من المعارك في منطقة جنوبي كردفان التي تحولت مؤخراً إلى ساحة جديدة للحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. ويقول حسين الذي وصل مع عائلته إلى كوستي في ولاية النيل الأبيض الواقعة تحت سيطرة الجيش لوكالة فرانس برس: "تركنا كل ما نملك؛ حياتنا ومحاصيلنا التي لم نحصدها".
فرّ حسين وعائلته المكوّنة من سبعة أفراد من مدينة كيكلك بجنوب كردفان، ويضيف: "اجتزنا أغلب المسافة مشياً على الأقدام، وتحمّل أصغر أبنائي؛ البالغ من العمر سبع سنوات، ووالدي 75 عاماً، تعبَ المشي حتى وصلنا إلى مدرسة تحوّلت إلى مخيم للإيواء في كوستي". ويتابع حسين: "كنا طوال فترة الحرب في السودان نعيش في أمان. نرعى حيواناتنا حتى جاءت قوات الدعم السريع إلى المنطقة".
وعلى بُعد نحو 300 كيلومتر جنوب الخرطوم، باتت كوستي ملاذاً لمئات العائلات الهاربة من العنف في كردفان الغنية بالنفط، والتي يتنازع الجيش وقوات الدعم السريع السيطرة عليها بعد إحكام الأخيرة قبضتها على إقليم دارفور المجاور. وأجبرت معارك كردفان نحو 53 ألف شخص على النزوح، وفقاً للأمم المتحدة.
وخلال ديسمبر/ كانون الأول الجاري، أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على ولاية غرب كردفان، واستولت على أكبر حقل نفطي في البلاد في منطقة هجليج. كما أطبقت، بالتعاون مع حلفائها المحليين، الحصار على مدينتَي كادوقلي وديلينغ الخاضعتين لسيطرة الجيش، حيث يعاني مئات الآلاف من المجاعة.
وكانت الحرب في السودان قد بدأت بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو في إبريل/ نيسان 2023، ودخلت منعطفاً جديداً، مع سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعد محاصرتها لمدة 18 شهراً. ثم امتدت المعارك إلى إقليم كردفان المجاور.
وأفادت الأمم المتحدة عن وقوع مجازر وعمليات اغتصاب ونهب ونزوح جماعي للسكان قبل سقوط الفاشر وخلاله وبعده. ومؤخراً، في غضون يومين فقط، وصل نحو أربعة آلاف شخص إلى كوستي، وهم يعانون من "التجويع والخوف"، وفقاً لرئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة في السودان محمد رفعت. ويوضح الأخير أنّ النازحين من كردفان بمعظمهم هم من النساء والأطفال، إذ لم يستطع الرجال النزوح خوفاً من القتل أو الخطف".
وتعاني كوستي بالفعل من ضغط كبير، وفقاً لرفعت، إذ تستضيف آلاف اللاجئين من دولة جنوب السودان الفارّين بدورهم من العنف في الجانب الآخر من الحدود.
ووفقاً لمنظمة "ميرسي كوربس"، وهي واحدة من منظمات الإغاثة القليلة العاملة في كردفان، فإنّ الطرق الأساسية غير آمنة، ما يدفع العائلات إلى "خوض رحلات طويلة، تكون عُرضة للمخاطر والنوم في أي مكان مُتاح".
وتقول المديرة القُطرية المؤقتة للمنظمة ميجي باراك: "الرحلات التي كانت تستغرق أربع ساعات في السابق باتت تُجبر الناس على السير مدة تُراوح بين 15 و30 يوماً، عبر مناطق معزولة وأراضٍ مليئة بالألغام".
وقد أدّى هجوم بطائرات مسيّرة على روضة أطفال ومستشفى في كلوقي بجنوب كردفان خلال ديسمبر الجاري إلى مقتل 114 شخصاً، بينهم 63 طفلاً، بحسب منظمة الصحة العالمية.
بعد هذا الهجوم، أيقن آدم عيسى، وهو مزارع يبلغ من العمر 53 عاماً، أنّ الوقت حان للفرار. فتوجّه مع زوجته وبناته الأربع ووالدته المسنّة إلى كوستي بعربة، ويشرح أنه تجنّب الطرق المعتادة كي لا يمرّ بارتكازات الدعم السريع، فكان أن استغرق الوصول ثلاثة أيام".
ويقيم عيسى حالياً مع عائلته و500 شخص آخرين في مدرسة تحوّلت إلى مأوى، ويقول: "نتلقى مساعدات لكنّها ليست كافية، لذلك أبحث عن عمل في سوق المدينة".
وكلّفت رحلة عيسى 400 دولار أميركي (نحو مليون ونصف مليون جنيه سوداني) لنقل عائلته إلى برّ الأمان، وهو مبلغ لا يملكه معظم السودانيين بعدما يقرب من ثلاث سنوات على الحرب وانهيار النظام المالي. أما هؤلاء الذين لا يملكون المال فينزحون سيراً على الأقدام أو يبقون في مكانهم.
ويقول رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان، محمد رفعت، إنّ كلفة رحلة النزوح من الأبيض، عاصمة شمال كردفان، ارتفعت بأكثر من عشرة أضعاف خلال شهرين، ما "يحدّ من حركة النزوح وقدرة الأسر على الخروج" من المدينة.
جنوباً في كادوقلي المحاصرة، يبحث حمدان، وهو تاجر يبلغ 56 عاماً، عن مخرج، مشيراً إلى أنّ "الوضع مخيف ونخشى أن يدخل الدعم السريع إلى كادوقلي". ويقول حمدان الذي طلب عدم ذكر اسمه بالكامل خوفاً على سلامته: "أرسلتُ أسرتي مع ابني الكبير إلى الأبيض، وأفتش الآن عن طريقة لخروجي".
ويصف قاسم عيسى الوضع في كادوقلي بأنه "غير مطمئن"، ويضيف: "كل يوم، نسمع أصوات القصف، وأحياناً اشتباكات بأسلحة رشاشة. كما نعاني للحصول على الطعام والعلاج". لكن ارتفاع الأسعار وخطورة الرحلة تركا عيسى وعائلته المكوّنة من ثمانية أفراد أمام خيار مستحيل، إذ يقول: "لديّ ثلاث فتيات، أكبرهنّ عمرها 22 عاماً والصغرى 14 عاماً، والخروج مكلف والطريق غير آمن".
وسبق أن حذّرت الأمم المتحدة مراراً من احتمالات تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، بما في ذلك الإعدامات الميدانية والاختطاف والاغتصاب. وينبّه رفعت إلى أنه "في حال لم يتم وقف إطلاق النار في محيط كادوقلي، فإنّ مستوى العنف الذي شهدناه في الفاشر قد يكون هو المرحلة المقبلة".
(فرانس برس)