ويتابع: "يمثل هذا مكسباً هاماً يضاف إلى المكاسب الأخرى التي حققتها الأمازيغية منذ خطاب أجدير، مروراً بدستور المملكة الجديد إلى اليوم. لكن ثمة مجهودات كبرى يجب القيام بها لتعزيز هذه المكتسبات، خصوصا على مستويات التعليم والإعلام والقضاء، حيث تبرز الحاجة إلى تسريع وتيرة إدماج الأمازيغية في الحياة العامة، وتنزيل مقتضيات القانون التنظيمي رقم 26 - 16 الذي يعد خريطة طريق لإنصاف الأمازيغية".
استمع إلى الملخص
- شهدت الأمازيغية تطوراً ملحوظاً بفضل الجهود الملكية والحركة الأمازيغية، بدءاً من خطاب أجدير في 2001، وترسيمها في الدستور، وإصدار قوانين لتعزيز مكانتها في التعليم والإعلام.
- رغم التقدم، تواجه الأمازيغية تحديات بسبب التهميش التاريخي، لكن الرعاية الملكية والدعم الدستوري يعززان التفاؤل بمستقبلها كمكون أساسي في التماسك الاجتماعي.
لم يعد الرابع عشر من يناير/كانون الثاني تاريخاً عابراً في حياة أمازيغ المغرب، بعد أن اكتسب طابعاً رسمياً منذ اعتماده موعداً للاحتفال برأس السنة الأمازيغية، وتحوله إلى محطة تعبر عن المصالحة مع الماضي والاعتراف بالذاكرة الجماعية للمغاربة.
وفيما كان الاحتفال قبل ثلاث سنوات يقتصر على فعاليات محدودة في مدن بعينها، إلى جانب الاحتفالات العائلية، أحيا المغاربة رأس السنة الأمازيغية الجديدة (إيض إيناير 2976) هذا العام على وقع احتفالات رسمية وشعبية خاصة عمت مختلف أنحاء البلاد. وشملت هذه الاحتفالات فعالية نظمتها هيئة شباب تامسنا الأمازيغي مساء اليوم أمام مقر البرلمان المغربي في العاصمة الرباط، إلى جانب احتفال آخر نظمته وزارة الثقافة مساء أمس الثلاثاء بمسرح محمد الخامس بالعاصمة نفسها.
وبحسب الناشط الأمازيغي ورئيس العصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان (غير حكومية)، بوبكر أونغير، فإن "إنصاف الأمازيغية أصبح اليوم حقيقة وعملا منسقاً يجري على أعلى المستويات في المغرب". ويضيف أونغير، في حديثه لـ"العربي الجديد": أن "الأهم هو أن الاعتراف الرسمي بالأمازيغية، لغة وحضارة، يتم بسلاسة وتدرج لافتين، في إطار احتضان شعبي كبير للمطلب الهوياتي والثقافي الأمازيغي، ولعل الاحتفالات الكبرى التي عمت مختلف البيوت المغربية تشكل دليلاً قاطعاً على أن الأمازيغية لم تعد قضية نخبوية، بل تحظى بالتفاف شعبي واحتضان رسمي، تُوّج بالاعتراف الرسمي برأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية وعيداً وطنياً".
من جهته، يرى الباحث ومؤلف كتاب "المسألة الأمازيغية بالمغرب: من المأسسة إلى الدسترة"، مصطفى عنترة، أن الأمازيغية "استعادت مكانتها الطبيعية تدريجيا داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، بفضل الرؤية الملكية الاستراتيجية ونضالات الحركة الأمازيغية الممتدة لعقود، إضافة إلى اقتناع متزايد داخل الطبقة السياسية بأهمية الاعتراف بالأمازيغية كمكوّن لغوي وثقافي وهويّاتي وحضاري".
ويلفت إلى أن هذا المسار انطلق مع خطاب الملك محمد السادس في أجدير سنة 2001، الذي شكل منعطفا تاريخيا بإعلان تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم إدماج الأمازيغية في التعليم والإعلام، وإنشاء قناة أمازيغية خاصة. وتوج هذا المسار بمحطة فارقة تمثلت في ترسيم الأمازيغية لغة رسمية في دستور المملكة، وصدور القانون التنظيمي رقم 26 - 16 الذي يحدّد مراحل تفعيل طابعها الرسمي وكيفيات إدماجها في التعليم ومختلف مجالات الحياة العامة.
كما عزز هذا المسار المصادقة على القانون التنظيمي الخاص بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية باعتباره مؤسسة دستورية تُعنى بتدبير التنوع الثقافي والتعدد اللغوي، وصولا إلى الاعتراف الملكي بالسنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية.
ويقول إن "الأمازيغية ليست مجرد مكون ثقافي فحسب، بل رافعة أساسية للوحدة الوطنية والتنمية والديمقراطية في مغرب المستقبل"، مشيراً إلى أن "الرؤية الملكية في هذا الإطار تعدّ متقدمة واستشرافية، إذ تتعامل مع الأمازيغية باعتبارها رافعة استراتيجية للتنمية المستدامة، ومكوّنا محوريا في الهوية الوطنية الجامعة، وأداة فعالة لتعزيز الديمقراطية التشاركية وترسيخ العدالة الاجتماعية والمجالية. فهي رؤية تتجاوز الاعتراف الرمزي إلى الدعوة لإدماج الأمازيغية في صلب المشروع التنموي الوطني، بما ينسجم مع روح الدستور ويخدم المصلحة العامة".
وبحسب الباحث المغربي، فإن الأمازيغية لم تعد في حاجة إلى تأكيدات نظرية أو اعترافات رمزية، بل إلى إجراءات عملية ومؤسساتية ملموسة، من قبيل إرساء حماية قانونية أكثر فاعلية، وتخصيص موارد مالية كافية، وتوفير كفاءات بشرية مؤهلة، وتطوير آليات التكوين والتكوين المستمر، وربط الأمازيغية بأهداف التنمية المستدامة باعتبارها مدخلاً لتعزيز الإنصاف اللغوي وتمكين المواطنين من الولوج إلى حقوقهم وخدماتهم بلغتهم الأصلية، في إطار احترام مبدأ المساواة.
ورغم التقدّم المحقق، يرى عنترة أن وتيرة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ما تزال بطيئة، وهو ما يثير قلق الفاعلين الأمازيغيين. ويعود ذلك جزئيا إلى التركة التاريخية للبنى الاجتماعية والثقافية والسياسية التي سادت المغرب منذ الاستقلال، والتي كانت تميل إلى إقصاء الأمازيغية من المشهد اللغوي والثقافي الوطني، مما جعلها لعقود طويلة عرضة للتهميش والإنكار الممنهج، وفق المتحدث ذاته.
ويوضح: "من الطبيعي أن يعرف مسلسل التفعيل بعض الوقت اعتباراً لطبيعة البنى التي أشرنا إليها. غير أن المؤشرات الحالية تبعث على التفاؤل، لأن الأمازيغية تحظى برعاية ملكية مستمرة وحماية دستورية ومؤسساتية متينة، فضلاً عن تنامي الوعي المجتمعي بقيمتها ومكانتها كعنوان لمغرب متعدد، متصالح مع ذاته، ومنفتح على مستقبله". ويرى عنترة أن الأمازيغية "اليوم عامل أساسي في ترسيخ التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي، وفي بناء مغرب يتسع لكل مكوّناته الثقافية واللغوية في إطار الوحدة والتنوع".
وتتباين تسميات رأس السنة الأمازيغية في المغرب من منطقة إلى أخرى، ما بين "إيض يناير"، و"إيض سكاس"، و"حاكوزة"، وهذا هو العام 2976 بالتقويم الأمازيغي، وهو يتجاوز التقويم الغريغوري (الميلادي) بـ950 عاماً.
وينقسم المؤرخون حول أصل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية إلى فريقين، الأول يربطه بالاحتفال بالأرض والزراعة، لذا يحكون عن "السنة الفلاحية"، في حين يعيده الفريق الآخر إلى إحياء ذكرى انتصار الملك الأمازيغي شاشناق على الفرعون المصري رمسيس الثاني.
وتتميز ليلة رأس السنة الأمازيغية بطقوس احتفالية شعبية، من خلال إعداد أطباق خاصة، من أبرزها "كسكس السبع خضروات"، وعصيدة "تاكلا" التي تحضر بمزج دقيق الشعير أو الذرة مع الماء قبل أن توضع على النار لتنضج، ثم تقدم بعد تزيينها باللوز والتمر، أو البيض المسلوق، ويسكب وسطها زيت زيتون أو زيت أرغان أو العسل. وفي بعض المناطق تعمد النساء إلى وضع "أغورمي"، وهو نوى التمر، في عصيدة رأس السنة قبل تقديمها إلى أفراد العائلة، ويعتقد شعبيا أن من يعثر على النوى يكون الأوفر حظا خلال السنة الفلاحية الجديدة.