دفاتر مدرسية مقابل جمع النفايات البلاستيكية في قرقنة التونسية

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 00:24 (توقيت القدس)
أطفال شاركوا في مبادرة جمع نفايات البلاستيك، قرقنة، أغسطس 2026 (فيسبوك)
+ الخط -
اظهر الملخص
- مبادرة جزيرة قرقنة الخالية من البلاستيك: تهدف إلى جمع النفايات البلاستيكية بمشاركة السكان والتلاميذ، مع تقديم حوافز مثل دفاتر مدرسية تعادل وزن البلاستيك المجمّع، لجعل الجزيرة أول منطقة تونسية خالية من البلاستيك.

- التحديات البيئية والاقتصادية: تواجه تونس تلوثًا بلاستيكيًا كبيرًا يؤثر على الاقتصاد المحلي، حيث يضر بمعدات الصيد ويقلل من جاذبية السياحة، مما يؤثر على مداخيل السكان.

- الحلول المستدامة والاقتصاد الدائري: تسعى المبادرة لتعزيز الثقافة البيئية وتشجيع الاقتصاد الدائري عبر تحويل النفايات إلى موارد، وتطوير سياسات داعمة مثل فرض رسوم على الأكياس البلاستيكية.

بدأت جزيرة قرقنة، إحدى أكبر جزر تونس وأكثرها تنوعاً بيئياً، مبادرة بيئية تهدف إلى جمع النفايات البلاستيكية المنتشرة، في خطوة ترمي إلى إعلانها أول منطقة تونسية خالية من فضلات البلاستيك. وتعتمد المبادرة على إشراك السكان، ولا سيما التلاميذ، عبر حوافز مباشرة تشمل منحهم دفاتر مدرسية يوازي وزنها كمية البلاستيك التي يجمعونها.
وتواجه تونس تصاعداً مقلقاً في مستويات التلوث بالبلاستيك، والذي بات يشكل أحد أبرز التهديدات للمنظومات البيئية البحرية، خصوصاً في الجزر التي تتسم بحساسية إيكولوجية عالية، أو تتعرض لضغوط متزايدة بفعل النفايات القادمة من اليابسة أو التي تقذفها الأمواج إلى الشواطئ.
وتعد قرقنة، الواقعة قبالة سواحل ولاية صفاقس، إحدى أهم الجزر التونسية من حيث الثروة البحرية، إذ يعتمد جانب كبير من سكانها على الصيد والسياحة البيئية. غير أن انتشار الأكياس والقوارير البلاستيكية وشباك الصيد المهملة بات يشوه المشهد الطبيعي ويهدد التنوع البيولوجي.
وقال رئيس جمعية "قرقني ناجح"، التي تتبنى المبادرة البيئية، نافع الحليوي، إن الجزيرة التي تضم نحو 15 ألف نسمة تستقبل خلال فصل الصيف ما بين 350 إلى 400 ألف زائر يأتون للاصطياف، ما يخلف كميات كبيرة من النفايات البلاستيكية التي تهدد بتلويث البحر واليابسة.
وأكد الحليوي لـ"العربي الجديد" أن "مبادرة جزيرة خالية من البلاستيك التي جرى إطلاقها تهدف إلى الحد من تأثيرات البلاستيك على البيئة البحرية التي تشكل مصدر الرزق الأول لغالبية الأسر في الجزيرة، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً كبيراً في كميات الأسماك، وانقراض أصناف من الكائنات البحرية بفعل التلوث. تهدف المبادرة إلى جمع 30 ألف قارورة بلاستيكية مقابل توزيع آلاف الدفاتر المدرسية على الطلاب المشاركين في المبادرة".


وأضاف: "مبادرتنا هي حملة أهلية اجتماعية يراد منها غرس الثقافة البيئية لدى الناشئة وأسرهم عبر تخصيص حوافز بسيطة تشمل الدفاتر المدرسية مقابل كميات البلاستيك التي يجلبها المشاركون إلى مركز التجميع الذي تم تخصيصه لهذا الغرض. نراهن على مشاركة الطلاب والعائلات والجمعيات المحلية في عمليات تنظيف واسعة تشمل الشواطئ والطرقات والمناطق السكنية، مع تخصيص نقاط لتجميع البلاستيك وفرزه تمهيداً لإرساله إلى وحدات التدوير، على أن تختتم الحملة قبل موعد العودة المدرسية في 15 سبتمبر/ أيلول القادم".
ويؤكد الحليوي أن "هذه الآلية تجمع بين البعدين البيئي والاجتماعي، إذ تشجع الأطفال على تبني سلوكيات صديقة للبيئة، وتخفف في الوقت نفسه جزءاً من أعباء اقتناء الأدوات المدرسية عن الأسر، ما يعزز استدامة المبادرة ويزيد من فرص نجاحها. تعكس المبادرة أيضاً اتجاهاً نحو الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على اعتبار النفايات مورداً يمكن إعادة الاستفادة منه، بدلاً من التخلص منه في الطبيعة".

وتشير دراسات بيئية إلى أن تونس تنتج مئات آلاف الأطنان من النفايات البلاستيكية سنوياً، بينما لا يخضع سوى جزء محدود منها لإعادة التدوير، في حين ينتهي القسم الأكبر في الأودية أو البحر. وتشير أرقام دراسة قدمتها الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة خلال العام الماضي، إلى أنه يتم سنوياً إنتاج 320 ألف طن من البلاستيك داخل تونس، واستهلاك 4.2 مليار كيس أُحادي الاستخدام، ولا تتجاوز كميات النفايات البلاستيكية التي يتم إعادة تدويرها 4% من هذه الكميات الكبيرة.
وتمثل العناصر البلاستيكية التي تستخدم لمرة واحدة، بما في ذلك الأكواب البلاستيكية وزجاجات المياه وأغلفة المواد الغذائية، نحو 89% من النفايات البلاستيكية في قاع المحيطات، وفق تقرير حديث للأمم المتحدة. وتعد المناطق الرطبة والجزر من أكثر البيئات هشاشة أمام هذا النوع من التلوث نظراً إلى محدودية قدرتها على التخلص الطبيعي من النفايات.
وترى جمعيات بيئية ونشطاء أن هدف الوصول إلى "صفر بلاستيك" في الطبيعة والشواطئ، لا يمكن تحقيقه عبر منع إنتاج البلاستيك، بل عبر تثمينه. ويمكن تثمين البلاستيك عبر تحويله من نفايات إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وبيئية، مع تطوير سياسات داعمة لتجميعه، وفرض رسوم على الأكياس البلاستيكية، وتحويل الفضلات البلاستيكية إلى طاقة عبر استخدامها وقوداً في مصانع الإسمنت، ودمج المادة المعاد تدويرها مع الأسفلت لصنع طرق أكثر متانة.

وبحسب خبراء البيئة، عادة ما يكون التلوث البلاستيكي أكثر خطورة على الجزر والمناطق الساحلية، حيث تتحلل هذه المخلفات إلى جزيئات دقيقة تدخل في السلسلة الغذائية للبشر عبر تناول الكائنات البحرية. ولا يقتصر أثر التلوث البلاستيكي على البيئة، بل يمتد إلى الاقتصاد المحلي، فالشباك البلاستيكية والعبوات الملقاة في البحر تلحق أضراراً بمعدات الصيد، كما تؤثر الشواطئ الملوثة في جاذبية الوجهات السياحية، ما ينعكس سلباً على مداخيل السكان الذين يعملون في هذين القطاعين.
وتحذر منظمات بيئية عدة من أن الطيور البحرية والسلاحف والدلافين تتعرض بشكل متزايد لخطر ابتلاع القطع البلاستيكية، أو البقاء عالقة فيها، ما يؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة منها سنوياً، ويخل بالتوازن البيئي في النظم الساحلية.