استمع إلى الملخص
- تواجه الأسر المصرية تحديات في ترشيد استهلاك الكهرباء، حيث أصبح الترشيد ضرورة، مما يحول الحياة اليومية إلى خطة إدارة استهلاك دقيقة، رغم استمرار ارتفاع الفواتير.
- تزايدت جرائم سرقة التيار الكهربائي مع ارتفاع الأسعار، حيث تم تحرير 3.4 ملايين محضر في 2025، مما يشكل تحدياً كبيراً للاقتصاد الوطني رغم الجهود الحكومية لضبط المخالفات.
يتكرر الحديث حول فاتورة الكهرباء داخل كل بيت في مصر، التي لا تقف أرقامها عند حدود المنطق، وتتصاعد قيمتها منذ أعوام بالتزامن مع زيادة وزارة الكهرباء والطاقة المصرية تعرفة الاستهلاك لشرائح الاستخدام المختلفة بنسب تراوح بين 16 و26%، في حين يؤكد البعض أن هناك زيادات يصفونها بالـ"سرية".
وتتضمن الرسوم دمغات حكومية، عدا عن قيمة النظافة العامة، ليجد أصحاب بيوت مغلقة أو استهلاك ثابت أنفسهم في مواجهة أرقام فواتير تتزايد دورياً من دون أي زيادة في الاستهلاك الفعلي، ما يرجعه مراقبون إلى أن شركة الكهرباء الحكومية تضيف أرقاماً عشوائية إلى الفواتير.
وفي حين تظل التفسيرات الرائجة لزيادة قيمة فواتير الكهرباء وربطها بالشرائح في دائرة التشكيك، يرجح موظف حكومي في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "قيادات شركة الكهرباء مطالبة بتحقيق أرباح لتعويض قيمة بناء المحطات وخسائر سرقة التيار، لذا تلجأ إلى تحميل المشترك قيمة أكبر من استهلاكه، وهناك الكثير من الوقائع التي تشي بصحة هذا، كما أن موظفين في شركة الكهرباء يؤكدون حدوثه".
ووجدت عائلات كثيرة نفسها أمام قفزة كلفة واضحة رغم ثبات سلوك الاستهلاك، ما دفعها إلى إعادة تشكيل تفاصيل الحياة اليومية لتقليص قيمة الفواتير، فالمهام الأساسية تمارس نهاراً لاستغلال ضوء الشمس، والمصابيح لا تضاء سوى بعد احتدام الظلام، والأجهزة المنزلية لا تُشغل إلا بقرار مسبق.
تصف الستينية أم محمد علي، من حي المنيرة بالعاصمة القاهرة، كيف أصبحت مراقبة عداد الكهرباء مهمة يومية، وتقول: "تعتبرني الأسرة المراقب الرئيسي، ومحاسبة من ينسى لمبة مضاءة أو جهازا يعمل مهمتي. أصبحنا نستخدم الغسالة مرة واحدة في الأسبوع، وسخان المياه يتم تشغيله لدقائق فقط".
من حي شبرا المزدحم، يصف الخمسيني أحمد السيد الأمر بأنه معركة يومية، يقول: "اتفقت مع جميع أفراد الأسرة على ترشيد الاستهلاك، فالمصابيح لا يمكن استخدامها خلال النهار، وخلال الليل يمكن إضاءة مصباح واحد في صالة المنزل. رغم كل هذا لا تزال قيمة الفاتورة تتصاعد".
وتتكرر محاولات مماثلة في الأحياء الشعبية والمتوسطة على حد سواء، إذ لم يعد الترشيد رفاهية، بل ضرورة لمواجهة ارتفاع كلفة الكهرباء، ويدخل البعض في صراع مع أفراد العائلة حول استخدام الأجهزة الكهربائية.
يتحدث المحاسب محمود عثمان عما يسميه "الأجهزة الخادعة"، والتي تستمر في سحب الكهرباء حتى حين تبدو مطفأة، لذا أصبح يعتمد فصل الجهاز المنزلي بعد الاستخدام مباشرة باعتباره طقساً يومياً، مع إلغاء استخدام الغلايات الكهربائية، والعودة إلى الغلي على موقد الغاز بوصفه قاعدة للصمود.
واستغنت العديد من الأسر عن استخدام جهاز "الميكروويف"، وتحول في بعض المنازل إلى قطعة ديكور، بينما قلصت استخدام بقية الأجهزة لضبط الاستهلاك. لكن هذا لم يؤدِ إلى خفض قيمة الفاتورة كثيراً، بل حول الحياة اليومية إلى خطة إدارة استهلاك دقيقة مزعجة.
في الأحياء الجديدة نسبياً بالعاصمة، مثل فيصل والهرم بمحافظة الجيزة، تصل درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في الصيف، وكذلك البرودة في الشتاء. وتروي المهندسة مي حسين كيف أصبح استخدام مكيف الهواء "ترفاً"، وتضيف: "حتى لو كانت درجة الحرارة 40 مئوية، فتشغيل التكييف ممنوع، فقط لساعة واحدة قبل النوم، واستبدلت سخان المياه الكهربائي بسخان يعمل بالغاز، وكل هذه الإجراءات لم توفر سوى 300 جنيه شهرياً من قيمة الفاتورة".
في منطقة الشروق بالقاهرة، حيث تصل البرودة شتاء إلى درجة الصقيع نتيجة قربها من الصحراء، استبدلت ميرا بسطاوي المدفأة الكهربائية بأخرى تقليدية مثبتة في الحائط وتعمل بالحطب، لكن خطر الحريق كاد أن يودي بأسرتها، ما جعلها تكتفي بالملابس الثقيلة، لكن من دون جدوى، وتقول: "تظل لسعة البرد أهون من لسعة الفاتورة".
وبالتزامن مع هذه الضغوط، تبرز جرائم التوصيلات غير القانونية، وسرقة التيار، وهي ليست ظاهرة جديدة، لكنها بلغت مستويات غير مسبوقة نتيجة ارتفاع الأسعار، ما دفع البعض إلى اعتبارها استجابة يائسة لواقع لا يحتمل.
ووفق البيانات الرسمية، تم تحرير نحو 3.4 ملايين محضر سرقة تيار كهربائي خلال عام 2025، ما يعكس فقداً تقدر قيمته بنحو 10% من إجمالي الإنتاج الكهربائي الوطني. وكثفت زارة الكهرباء الحملات لضبط المخالفات، ونفذت تعديلات تشريعية غلظت العقوبات على التلاعب بالعدادات والتوصيلات غير القانونية، ورغم ذلك تتواصل المخالفات.
من جانبه، يقول رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية في القاهرة أيمن هيبة إن قرار وقف العدادات التبادلية للطاقة الشمسية يمثل تهديداً مباشراً لاستثمارات ضخمة، موضحاً في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن القرار الذى بدأ تطبيقه في مارس/ آذار الماضي، بعد إعلان رسمى من جهاز تنظيم مرفق الكهرباء، أدى إلى وقف الطلبات الجديدة للربط على الشبكة القومية للكهرباء، رغم تمديد المهلة مرتين".