"توجيهي" الأردن على سنتين... تمديد للضغوط النفسية والمادية
- التحديات والمشكلات: يواجه النظام تحديات مثل غياب العدل بين المدارس وزيادة التوتر، وإلغاء الفروع التقليدية قد يضعف خيارات التخصص الجامعي، مما يسبب فوضى في القبول الجامعي.
- الانتقادات والمقترحات: انتقد خبراء استمرار الضغوط النفسية والمالية، واقترحوا نموذجًا تعليميًا يتيح اختيار المسار الدراسي مبكرًا وتوزيع الامتحانات على مدار العام لتحسين التخطيط المستقبلي.
رافقت حالة من الضبابية تطبيق النظام الجديد لامتحانات "التوجيهي" في الأردن، والتي باتت موزعة على سنتين دراسيتين بدلاً من سنة واحدة في النظام القديم، وسط دعوات إلى مراجعة شاملة.
بدأت وزارة التربية والتعليم في الأردن خلال العام الدراسي الأخير تطبيق نظام الثانوية العامة الجديد الذي يوزع امتحانات شهادة "التوجيهي" على عامين دراسيين بدلاً من عام واحد، وقالت الوزارة إن الهدف هو تطوير منظومة التقييم وتخفيف الضغط عن الطلبة، مؤكدة أن هذا النظام ما يزال في مرحلة التقييم والتطوير، وأن الملاحظات ستؤخذ بعين الاعتبار. في حين اعتبر تربويون وأولياء أمور أن النظام الجديد يؤدي إلى إطالة فترة الضغط النفسي الناتجة عن التوجيهي، كما يرفع الكلف المالية على الأسر.
وبلغ عدد المتقدمين لامتحانات الصف الثاني عشر في الدورة الأخيرة 196,029 طالباً وطالبة، من بينهم 140,972 من الطلبة النظاميين و55,057 من طلبة الدراسة الخاصة، فيما تقدم لامتحانات الصف الحادي عشر نحو 136 ألف طالب وطالبة على مستوى المملكة.
ويُحتسب المعدل النهائي في النظام الجديد بطريقة مختلفة، إذ تشكل نتائج امتحانات الصف الحادي عشر 30% من المعدل النهائي، وتشمل المباحث المشتركة (اللغة العربية، واللغة الإنكليزية، وتاريخ الأردن، والتربية الإسلامية للطلبة المسلمين)، بينما تشكل نتائج امتحانات الصف الثاني عشر 70% من المعدل النهائي، وتشمل المباحث التخصصية وفق الحقل الأكاديمي أو المهني الذي اختاره الطالب.
تقدم ابن الصحافية الأردنية شروق طومار للامتحان وفق النظام الجديد، وهي ترى من حيث المبدأ أن تقسيم التوجيهي على سنتين إيجابي، إذ يمنح الطالب فرصة أكبر بدلاً من تحديد مصيره في سنة واحدة. لكنها تستدرك أن "نجاح النظام يعتمد على آلية التطبيق، لكن النظام التعليمي يعتمد الترهيب والاستنزاف النفسي والمادي، فآلية الامتحان مليئة بالتعقيدات والصعوبات، والمناهج ضخمة، وتعتمد على التلقين بشكل مطلق، وبالتالي لا يخفف النظام الجديد العبء النفسي على الطلاب، كما لا يزيد فرصهم في تحصيل العلامات".
وتضيف طومار لـ"العربي الجديد" أن "الطلاب يلجأون إلى المنصات التعليمية بدلاً من المراكز الخاصة للحصول على دروس التقوية، وهي الظاهرة توسعت منذ جائحة كورونا، كون المنصات أوفر من المراكز الخاصة، وفي ظل النظام الجديد بات الطالب مضطراً للتسجيل في تلك المنصات لسنتين، ما يكبد أهله تكاليف إضافية، كما أن الوزارة أضافت محتوى كبيراً للمواد بحجة أن الطالب يمتحن خلال السنة الأولى في أربع مواد فقط، ومثلها في السنة الثانية، وهذا يفوق قدرة الطلاب على الاستيعاب، ما يجعل المنصات التعليمية والمراكز الخاصة ضرورة لا ترفاً".
من جانبه، يرى الخبير التربوي ذوقان عبيدات أن "التوجيهي الجديد يعد نظاماً هجيناً، ونظام السنتين موجود في عدد من دول العالم، لكنه في الأردن يعاني من ثلاث مشكلات رئيسية، الأولى هي غياب العدل، فالنظام الجديد لا يراعي التباين بين المدارس والبيئات التعليمية، إذ هناك مدارس في الريف وأخرى في المدن، ومدارس يمتلك معلموها كفاءة عالية، وأخرى أقل كفاءة، ومدارس الإناث غالباً ما تكون أفضل وأكثر التزاماً من مدارس الذكور. وبينما يفترض أن يكون جميع الطلبة المتقدمين للامتحان العام في المستوى نفسه، يثبت الواقع خلاف ذلك".
ويوضح عبيدات لـ"العربي الجديد"، أن "المشكلة الثانية تتمثل في أن أي امتحان يكون مقبولاً عندما يكون خالياً من التوتر، لكن امتحان التوجيهي الأردني بشكله الجديد يخلق مزيداً من التوتر لدى الطلبة وأولياء الأمور. المشكلة الثالثة تكمن في عدم الاستقرار على شكل محدد للامتحان، كونه يخضع لتغييرات متكررة تبعاً لتوجهات الوزراء، الأمر الذي ينعكس سلباً على استقرار العملية التعليمية كلها. النظام الجديد حافظ على جميع أسباب التوتر الموجودة في النظام القديم، كما أن نظام القبول الجامعي ما يزال غير منتظم".
ويؤكد الخبير التربوي أن "النظام الجديد يتضمن عيوباً أبرزها إلغاء الفروع التقليدية، مثل العلمي والأدبي، واستحداث ستة حقول دراسية متخصصة تهدف إلى ربط اختيارات الطلبة بالتخصصات الجامعية والمهنية بشكل مباشر، وهي الحقل الصحي، والحقل الهندسي، وحقل العلوم والتكنولوجيا، وحقل اللغات والعلوم الاجتماعية، وحقل القانون والعلوم الشرعية، إضافة إلى حقل الأعمال، ولذا فإن القبول الجامعي سيصبح مرتبطاً بالحقل الذي يدرسه الطالب؛ ما يضعف خيارات الطلبة في اختيار التخصص الجامعي، وربما يحدث هذا فوضى في القبول الجامعي، إذ سيتنافس آلاف الطلبة الذين يختارون الحقل الصحي على عدد محدود من المقاعد في كليات الطب والعلوم الصحية، في حين سيكون الإقبال أقل على تخصصات مثل اللغات وإدارة الأعمال".
بدوره، انتقد الخبير التربوي محمد أبو عمارة استمرار "كابوس" التوجيهي في الأردن، وقال لـ"العربي الجديد": "طالبت سابقاً بتغيير الصورة النمطية للثانوية العامة، فالتوجيهي لسنة واحدة كانت له العديد من السلبيات، أهمها أنه كان يضغط الطلبة نفسياً باعتباره حصاد 12 سنة من الدراسة يجري تقييمها في ساعتين داخل قاعة الاختبار، وهذا منتهى الظلم، حتى إننا كنا نسمي هذا الاختبار "المقصلة"، لذلك كنت أنادي بنموذج تعليمي قائم على توزيع اختبارات المرحلة الثانوية على سنتين أو ثلاثة، أسوة بالأنظمة الدولية مثل النظام البريطاني أو غيره".
وأضاف أبو عمارة: "النظام القديم جعل الطالب بلا هوية، إذ كان يصل إلى الثانوية العامة دون أن يحدد النظام الدراسي وجهته وميوله ومستقبله الدراسي. وعلى هذا الأساس كان الهدف أو المأمول من تقسيم الثانوية العامة أن يحدد الطالب هويته أو تخصصه منذ الصف التاسع أو العاشر كما هو الحال في البرامج الدولية، فهذه الأنظمة تتيح للطالب اختيار مساره الدراسي مبكرًا، وتوزيع الامتحانات على مدار العام، مع وجود مواعيد محددة للإعادة، الأمر الذي يمنح الطلبة فرصة أفضل للتخطيط ويخفف من الضغوط".
وتابع: "عندما جرى الحديث عن هذا النظام الجديد كنت من أشد المتحمسين له، معتقداً أن طريقة العمل أو إدارة الموقف من خلال توزيع المواد وإدارة الامتحانات سيكون الهدف منها تخفيف العبء على الطالب، وأن يحدد الطالب مساره بهدوء. لكن توزيع امتحانات الثانوية العامة على سنتين لم يخفف الأعباء، بل فاقم الضغوط النفسية والمالية على الطلبة وأسرهم، في ظل استمرار الاعتماد على الدروس الخصوصية والمنصات التعليمية، وما يرافق ذلك من كلف إضافية".
وحول أبرز الإشكاليات التي رافقت تطبيق النظام الجديد، قال أبو عمارة: "الفصل بين دراسة المواد الأساسية والمواد التخصصية يؤدي إلى انقطاع الطالب عن المواد العلمية أو المهنية لمدة عام كامل، كما أن مطالبة الطلبة بدراسة مواد لن يتقدموا بها في الامتحان أمر يصعب تطبيقه على أرض الواقع، لأن الطالب يركز بطبيعة الحال على المواد التي سيمتحن بها، وكثرة التعديلات التي طرأت على النظام، سواء في المسارات أو الخطط الدراسية أو آلية الدمج".
ويبرز الخبير التربوي أزمة إضافة مادة الرياضيات لطلبة الصف الحادي عشر، مؤكداً أنها "أضعفت ثقة التربويين وأولياء الأمور بالنظام، وأربكت الميدان التربوي. إقرار دمج امتحان الرياضيات في ورقة واحدة قبل أشهر قليلة من موعد الامتحانات لم يكن مناسباً، كونه لم يتح للمعلمين فرصة كافية لتدريب الطلبة على هذا النمط من الاختبارات، كما لم يمتلك الطلبة نماذج أو تجارب سابقة تؤهلهم لخوض امتحان يمتد لثلاث ساعات متواصلة".