استمع إلى الملخص
- بدأت الظاهرة في مارس 2023 في منطقتي أبو عائشة وقطيس، وتفاقمت بسبب الأمطار الغزيرة. حذرت لجنة حكومية من تزايد حجم وعمق الانجرافات، مما زاد من قلق السكان.
- يوضح أستاذ الجيولوجيا أن الانخساف الكارستي ناتج عن تفتت الصخور الجبسية بفعل تسرب المياه، داعياً إلى مسح جيوفيزيائي شامل ووقف الحفر العشوائي للآبار.
أعلنت الشرطة الزراعية في ليبيا أخيراً أنها تتابع تشققات أرضية وانجرافات وتصدعات متجددة في جنوب شرق العاصمة، بعد تهديدها الأراضي الزراعية والمساكن المجاورة.
أكدت الشرطة الزراعية في سوق الخميس جنوب شرقي العاصمة الليبية طرابلس، في بيان أصدرته أخيراً، أن المعاينات التي أجراها فريقها أظهرت وجود تشققات عميقة يصل بعضها إلى نحو عشرة أمتار قرب مزارع ومنازل، ما يشكل خطراً مباشراً على سلامة السكان والممتلكات. وحذرت من أن الظاهرة تتسّع، وتستوجب تدخل كل الجهات المختصة في ليبيا بصورة عاجلة، وإجراء دراسة علمية دقيقة لتحديد الأسباب، وتضع خططاً عملية لتفادي أي كوارث محتملة مع اقتراب موسم الأمطار.
وتعود بداية اكتشاف هذه التشققات إلى مارس/ آذار 2023، حين ظهرت فجوات دائرية في موقعين جنوب غربي طرابلس، الأول في منطقة أبو عائشة بالسبيعة التي تبعد نحو 60 كيلومتراً من العاصمة، والثاني في منطقة قطيس التي تقع على طريق الجبل الغربي وتبعد 100 كيلومتر من العاصمة. حينها بدت الشقوق محدودة الحجم، ثم اتسعت بسبب الأمطار الغزيرة وجرفت كميات كبيرة من التربة، ما دفع السلطات المحلية إلى رفع تقارير عاجلة إلى حكومة الوحدة الوطنية.
وفي نهاية العام الماضي كلّفت حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا لجنة مختصة بدراسة الظاهرة، والتي أوضحت لاحقاً أنها نفذت زيارات ميدانية عدة لمتابعة التطورات في المنطقة، وأن الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال تلك الفترة حركت مياه الأودية فتعاظمت التشققات، وابتلعت مئات الأمتار المكعبة من التربة وآلاف الأمتار من المياه.
وأشارت اللجنة إلى أن الانجرافات أصبحت كبيرة وذات مسافة طويلة، وحذرت من احتمال تزايد حجمها وعمقها إذا استمر الأمر من دون وضع حلول. كما ذكرت أن مؤشرات أولى لهذه التشققات كانت رُصدت في تسعينيات القرن الماضي، لكنها ظلت طفيفة حتى تفاقمت في شكل مفاجئ خلال العامين الأخيرين، ما أثار مخاوف السكان من تطور الظاهرة إلى كارثة طبيعية في حال عدم اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة.
ومع تجدد ظهور الشقوق واتساع رقعتها خلال الأشهر الأخيرة زاد قلق سكان مناطق الهيرة والسبيعة جنوب شرقي طرابلس تحديداً. ويؤكد محمد الحراري، أحد سكان منطقة بئر غنم أحد المناطق القريبة من الهيرة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن أهل المنطقة يعيشون بين الخوف والترقب مع اقتراب فصل الشتاء، وما يحمله من أمطار غزيرة قد تزيد الانجرافات. ويشير إلى أن مشاهد الشقوق تغيّرت في الطول والعمق منذ أن ظهرت للمرة الأولى عام 2023، ووصل عمق بعضها إلى 30 متراً، ما اضطر السكان إلى نقل أسرهم من مزارع يملكونها لفترات طويلة.
بدوره، يؤكد عبد الحميد بوصبيع من منطقة السبيعة، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن حكومة ليبيا زادت عدد الفرق المكلفة بمهمات المعاينة الميدانية، والتي رافقها باحثون أجانب. وسأل عن نتائج الزيارات الميدانية، والحلول المقترحة غير الواضحة.
ويتفق الحراري وبوصبيع في مطالبتهما السلطات بتسريع العمل لوضع خطط واضحة لتوفير حماية عاجلة للمنطقة، ويؤكدون أن بعض المزارع والمنازل أصبحت على مسافة غير بعيدة من التشققات، ويبدون قلقهم من تأخر أي معالجة، ومن التعامل مع الظاهرة على أنها رد فعل فقط على أصوات أهل المنطقة.
ويرى أستاذ علوم الجيولوجيا البيئية الصدّيق الشهوبي أن ما يحدث في السبيعة والهيرة "نموذج كلاسيكي لظاهرة الانخساف الكارستي الناتجة عن تفتت الصخور، لا سيما الجبسية التي تشكل مادة الصخور في الطبقات الجوفية العليا بالمنطقة بفعل تسرب مياه الأمطار والمياه الجوفية المشبعة بثاني أكسيد الكربون". ويوضح في حديثه لـ"العربي الجديد" أن المنطقة تقع على حوض جيولوجي جبسي يمتد على طول وادي الهيرة، ما يجعلها بيئة هشة قابلة لتكوّن الكهوف والانهيارات".
ويلفت الأكاديمي الليبي إلى أن "المعاينة الأولية تشير إلى وجود فواصل وتشققات عميقة تتجه من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، وهي تتطابق مع اتجاه الانحدار العام لتصريف المياه السطحية، ما يرجح أن دور المياه أساسي في تفتيت الصخور وتفريغ الطبقات الجبسية تمهيداً لتشكيل الفجوات التي تتسبب في الانهيار السطحي الذي يوجد التشققات".
ويستبعد الشهوبي "فرضية حدوث زلازل بسبب هذه التشققات، خصوصاً أن البيانات الزلزالية المسجلة في شبكة الرصد المتوسطية لم تُظهر مؤشرات لحركات نشطة يمكن ربطها مباشرة بالظاهرة، ما يجعل هذه الفرضية ضعيفة علمياً"، لكنه يحذر في المقابل من أن "استمرار ذوبان الطبقات الجبسية وتغلغل المياه قد يؤديان إلى انهيارات متتابعة خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى غطاء نباتي كثيف يعمل لتثبيت التربة".
ويدعو الشهوبي إلى "تنفيذ مسح جيوفيزيائي شامل باستخدام تقنيات معروفة، مثل الرادار الأرضي المخترق والمقاومة الكهربائية، لرسم خريطة التجاويف الباطنية بدقة، وضرورة إصدار قرار عاجل بوقف الحفر العشوائي للآبار واستنزاف المياه الجوفية، ويستدعي ذلك أن تتحرك الحكومات وعدم الاكتفاء بالصمت والتجاوب البطيء".