ترحيل نحو 43 ألف سوداني من مصر يثير انتقادات حقوقية

14 يناير 2026   |  آخر تحديث: 21:18 (توقيت القدس)
لاجئون سودانيون يعبرون معبر أرقين الحدودي إلى مصر، 12 مايو 2023 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وثّقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات ترحيل 42,944 لاجئاً سودانياً من مصر حتى نهاية 2025 ضمن برنامج "العودة الطوعية"، مما أثار مخاوف بشأن سلامة العائدين واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية في ظل النزاع المسلح في السودان.
- أشارت المفوضية إلى أن بعض عمليات الترحيل شابتها ممارسات تتعارض مع التزامات مصر الدولية، مثل الاحتجاز التعسفي وحرمان المحتجزين من التواصل مع محامين أو ذويهم.
- دعت حملة "لا للترحيل القسري" إلى إنهاء الاحتجاز التعسفي وضمان إجراءات لجوء عادلة، في ظل أزمة إنسانية غير مسبوقة في السودان.

وثّقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات ترحيل 42,944 لاجئاً ومواطناً سودانياً جرى نقلهم من مصر حتى نهاية عام 2025 ضمن ما تصفه السلطات المصرية ببرنامج "العودة الطوعية"، في تطور أثار مخاوف حقوقية متصاعدة بشأن سلامة العائدين واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، في ظل استمرار النزاع المسلح والانتهاكات الجسيمة في السودان.

وأعلنت المفوضية الحقوقية في بيان اليوم الأربعاء، إطلاق حملة بعنوان "لا للترحيل القسري"، على خلفية ما قالت إنه تصاعد مقلق في وقائع إعادة لاجئين وطالبي لجوء سودانيين قسرا من مصر إلى السودان، رغم المخاطر الجدية التي تهدد حياتهم وسلامتهم الجسدية. وأكدت المفوضية أن هذه الممارسات تمثل انتهاكا صريحا لمبدأ عدم الإعادة القسرية، أحد الركائز الأساسية في القانون الدولي لحماية اللاجئين.

وأوضحت المفوضية، أن الحملة تستند إلى توثيق أنماط متكررة من الانتهاكات بحق لاجئين وطالبي لجوء سودانيين، تم جمعها من خلال مقابلات شخصية أُجريت وفق معايير مهنية تراعي سلامة الأفراد وحماية هوياتهم. وبيّنت أن هذه الشهادات تكشف عن ممارسات تتعلق بالتوقيف والاحتجاز والترحيل القسري، في ظل غياب ضمانات الحماية الواجبة للأشخاص الفارين من نزاع مسلح، ما يزيد من هشاشة أوضاعهم القانونية والإنسانية داخل مصر.

وتأتي هذه التطورات في وقت تروج فيه الحكومة المصرية، ممثلة بالجهات المعنية بملف النقل والهجرة، ما تسميه بـ"رحلات العودة الطوعية" للمواطنين السودانيين. وفي هذا الإطار، أعلنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر عن تسيير الرحلة رقم 44 من محطة مصر برمسيس إلى محطة السد العالي بمحافظة أسوان، ضمن برنامج العودة. 

ووفق بيانات رسمية صادرة في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، كان على متن القطار 1116 مواطنا سودانيا، على أن يستكملوا لاحقا انتقالهم إلى داخل السودان، ليصل إجمالي عدد المنقولين عبر 44 رحلة قطار، إضافة إلى رحلات بالحافلات، إلى نحو 42,944 شخصا.

غير أن المفوضية المصرية للحقوق والحريات أشارت إلى أن هذه الرحلات لا تجري دائما في إطار يضمن الطوعية الحرة والآمنة. ووفق ما وثقته، شابت بعض العمليات ممارسات تتعارض مع التزامات مصر الدولية، من بينها الاحتجاز التعسفي، وحرمان المحتجزين من التواصل مع محامين أو ذويهم، وعدم الاعتراف بوثائق صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إضافة إلى ترحيل أشخاص قسراً أو تحت ضغط الخوف من الاحتجاز أو التوقيف.

ويرى مراقبون أن هذا النمط من الإجراءات يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، ويعكس غياب آليات حماية فعّالة تضمن أن تكون أي عودة قائمة فعليا على الرضا الحر والمستنير. كما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لاتخاذ تدابير عاجلة تكفل سلامة اللاجئين وطالبي اللجوء، وتمنع استخدام مسمى "العودة الطوعية" كغطاء لممارسات قد ترقى إلى الترحيل القسري.

وأكدت المفوضية أن هذه الممارسات تمثل انتهاكا لالتزامات مصر بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل، فضلًا عن تعارضها مع الضمانات الدستورية المصرية المتعلقة بحماية الكرامة الإنسانية وحظر التعذيب والحق في الحرية والأمان الشخصي.

وأضافت أن هذه السياسات تزيد هشاشة الأوضاع القانونية والمعيشية للاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في مصر، في ظل بطء إجراءات التسجيل، وغياب المعلومات الواضحة حول المسارات القانونية المتاحة، وانعدام آليات حماية سريعة وفعّالة عند التعرض للتوقيف أو التهديد بالترحيل، وهو ما يضاعف المخاطر التي تواجه النساء والأطفال وكبار السن والمرضى.

ودعت الحملة إلى إنهاء الاحتجاز التعسفي، ووقف الاستهداف الأمني للاجئين، وضمان الوصول إلى إجراءات لجوء عادلة وآمنة، وتوفير آليات حماية قانونية فعّالة تراعي مصلحة الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.

وتأتي الحملة في سياق أزمة إنسانية غير مسبوقة يشهدها السودان منذ اندلاع النزاع المسلح في إبريل/نيسان 2023. ووفق تقارير الأمم المتحدة، أدى النزاع إلى نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان وخارجه، فيما يحتاج أكثر من 25 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة، وسط تصاعد خطير في الانتهاكات بحق المدنيين، لا سيما في إقليم دارفور ومدينة الفاشر، حيث وثقت آليات أممية عمليات قتل واستهداف مباشر وقيودا مشددة على وصول المساعدات الإنسانية، في أفعال قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وفي ظل هذا الواقع، شددت المفوضية المصرية للحقوق والحريات على أن التزام الدول بحماية اللاجئين لا يُقاس بالتصريحات الرسمية، بل بمدى احترام سيادة القانون وتطبيق الضمانات القانونية ومنع تعريض الأفراد لخطر الإعادة إلى أوضاع تهدد حياتهم أو سلامتهم. ودعت السلطات المصرية إلى الالتزام الكامل بتعهداتها الدولية والدستورية، وضمان ألا تتحول سياسات الهجرة أو التدابير الأمنية إلى أدوات لانتهاك الحقوق الأساسية لمن يلتمسون الحماية.

المساهمون