باكستان: ضياع حقوق ضحايا الاغتصاب نتيجة فساد المحاكم
استمع إلى الملخص
- تتعرض الضحايا لضغوط من المعتدين ذوي النفوذ، مما يدفعهن للصمت، كما في حالة شابة تعرضت لاغتصاب جماعي وتهديد بنشر صورها، حيث تغيرت نتائج الفحوصات الطبية بسبب الضغوط.
- يشير المحامي محمد وثيق غازي إلى أن المشكلة تكمن في تطبيق القوانين والفساد في النظام القضائي، مما يدفع الضحايا لعدم تسجيل قضاياهم ويبرز الحاجة لإصلاح النظام لضمان العدالة.
تجاوزت قضايا الاغتصاب المسجلة في باكستان 4 آلاف خلال عام 2024، وسط ترجيحات بعدد أكبر نظراً لانكفاء كثيرين عن الشكوى من جراء فساد المحاكم.
بات الاغتصاب من أهم القضايا التي يعاني منها المجتمع الباكستاني، إذ تكشف الأرقام الرسمية أن عدد القضايا المسجلة خلال عام 2024 وصل إلى 4,174، بينما تنذر الأرقام غير الرسمية بأن العدد أكبر بكثير، من منطلق أن الكثير من الضحايا يخفون تعرضهم للاغتصاب. ولعل عدم تطبيق القانون وفساد المحاكم من أهم أسباب عدم رفع قضايا.
تعرضت شابة باكستانية من سكان مدينة بهاولبو بإقليم البنجاب (شمال شرق)، لاغتصاب جماعي من قبل بعض الجيران، عندما دخلت منزل أحدهم لزيارة صديقتها، قبل أن تكتشف أنها لم تكن موجودة، وأن جميع أفراد الأسرة غادروا لحضور حفل زفاف. وتخبر الفتاة "العربي الجديد" أن شقيق صديقتها زعم أن شقيقته في الداخل، وما إن دخلت حتى لحقها رفقة صديقيه، وسحبوها نحو إحدى الغرف، واغتصبوها، مع التقاط صور لها تسجل الاغتصاب، ولم يوافقوا على تركها إلا بعد تعهدها ألا تخبر أحداً، مهددين بنشر الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
تنتمي الشابة التي فضّلت عدم كشف هويتها، إلى عائلة فقيرة، بينما عائلة المُعتدي صاحبة نفوذ، ما دفعها إلى إخفاء الجريمة، لكنها تعرضت إلى نزيف حاد، ما كشف أمرها، فاضطرّت إلى إخبار والدها وإخوتها الذين قرروا مقاضاة المعتدين الثلاثة. وبينما أكدت الفحوص تعرضها للاعتداء، تغيرت النتائج لاحقاً، وأبدى التقرير الطبي شكوكاً، وزعم أنها اعتدت على نفسها أو أنها تعاني من مرضٍ نسائي. وحين حاولت إجراء الكشف الطبي مجدداً لم تقبل السلطات ذلك.
وتقول الفتاة: "باتت القضية أمام المحكمة، لكن المشكلة أن الجناة ينتمون لأسر ثرية، وارتكبوا هذه الاعتداءات بحق فتيات أكثر من مرة، وأرغموا أسر الضحايا على قبول المال للتنازل عن القضايا. هذا ما يريدونه منا، لكن والدي لم يرضخ، وفي حال لم تثبت المحكمة حقنا، فإنّنا على الأقل لم نبع كرامتنا مقابل المال. لكننا نتعرض لمضايقات عدة، إذ لا يحضر المعتدون جلسات المحاكمة، ما يضطرّ القضاء إلى تأجيلها، ومطالبنا باتخاذ إجراءات رادعة بحقهم تُقابل بالرفض، فضلاً عمّا يتعرض له والدي وإخوتي من تهديدات أمام المحكمة، حتى أنهم يطلقون النار في الهواء أمام منزلنا علناً".
في مدينة راولبندي المجاورة للعاصمة، تعرضت شابة متحدرة من إقليم خيبر بختونخوا (شمال غرب)، لاعتداء جنسي من قبل طبيب أسنان كانت تعمل لديه. وتقول الشابة التي رفضت الكشف عن اسمها، لـ"العربي الجديد" إنها كانت مخطوبة لابن عمها، وكان موعد زفافها قريباً، ما اضطرها إلى أخذ إجازة في يوليو/ تموز 2024. وتضيف: "حضر الطبيب حفل الزفاف، وبعد أسبوع اتصل بي مدّعياً أنه يحتاج المساعدة ليومين، لأن الموظفة الثانية مرضت، فوافقتُ، لكنه قام باغتصابي".
ويشرح والدها لـ"العربي الجديد" كيف ذهبت ابنته إلى العيادة القريبة من راجا بازار، السوق الشهير في مدينة راولبندي، وبعد أن أنهت عملها مساء، فاجأها الطبيب، ورغم محاولتها المقاومة، غير أنه تمكن من الاعتداء عليها. ويشير إلى أن ابنته عادت في وقت متأخر وهي تجهش بالبكاء، وكانت ملابسها ممزقة.
ويقول: "بعد أن أخبرتنا بالاعتداء عليها، توجهنا إلى الشرطة، ثم ذهبنا إلى المحكمة، لكننا تعرضنا للكثير من الازدراء، إذ يعمد موظفو المحكمة إلى توجيه أسئلة ساخرة لابنتي، من عينة: هل كانت راضية عن الاغتصاب، أو يتهمونها أنها ادّعت على الطبيب لأنه لم يعطِها المال، فضلاً عن سؤالهم عن لون ملابسها يوم الحادثة، وغيرها من الأسئلة المحرجة".
ويلفت الرجل إلى أن "ملف القضية لا يتحرك، بل يُنقل من دائرة إلى أخرى، رغم الأموال التي ندفعها للمحامي وللإداريين في المحكمة، بينما الطبيب المُعتدي حرّ طليق يمارس عمله، وهو يهدّدنا باعتبار أنه من أبناء راولبندي، وتقف خلفه عشيرته، بينما نحن غرباء من قبائل البشتون. كل ذلك جعلني أندم على رفع الدعوى، إذ لا جدوى من متابعة القضية".
وفي تعليقه على معاناة ضحايا الاغتصاب في المحاكم، يقول المحامي محمد وثيق غازي لـ"العربي الجديد": "المشكلة ليست في القوانين، فهي جيدة، وقد شهدنا قوانين جديدة في السنوات الأخيرة، لكن المشكلة الحقيقية في التطبيق، وفي كيفية تعامل القضاة ورجال الأمن مع القضايا"، معتبراً أن "الفساد يبدأ من لحظة كتابة الشرطة للتقرير الأولي لصالح من يدفع أكثر، وأحياناً يتأخر تسجيل القضية وصياغة التقرير الأولي من أجل الحصول على المال".
ويضيف: "عندما يحصل أفراد الشرطة على المال المطلوب تُسجَّل القضية، ويشوبها طبعاً التلفيق وتغيير الوقائع، فضلاً عن الفساد المستشري داخل المحاكم، ما يدفع الكثيرين إلى الانكفاء عن تسجيل قضايا الاغتصاب ويؤدي ذلك أحياناً إلى وقوع نزاعات أسرية وسقوط قتلى، وكل ذلك ناجم عن عدم لعب المحاكم دورها، وعدم جدوى الاعتماد عليها".