باسل المجد لـ"العربي الجديد": أزمات سورية تفوق إمكانات الصليب الأحمر
استمع إلى الملخص
- تقدم اللجنة دعماً في مجالات المياه والصحة والإغاثة، وتعمل على إزالة مخلفات الحرب ودعم المبادرات المجتمعية، مع التركيز على ملفات المحتجزين والمفقودين.
- تسعى اللجنة لتعزيز الاستجابة الإنسانية من خلال دعم سبل العيش والقطاع الصحي، مع الالتزام بدورها الإنساني المحايد وفق اتفاقيات جنيف.
تواجه بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سورية تحديات متزايدة بعد أن اضطرت إلى تخفيض حجم عملياتها بنسبة تفوق 20% نتيجة تراجع التمويل الإنساني العالمي. ويتحدث مستشار البعثة للشؤون الإنسانية، باسل المجد، في مقابلة مع "العربي الجديد"، عن واقع العمل الإنساني، ودور البعثة في ملف المفقودين وحماية المدنيين.
* كيف تقيّم الأوضاع الإنسانية في سورية عشية الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام بشار الأسد؟
- الوضع الإنساني في سورية يمكن تصنيفه ضمن مسار الأمل الحذر، فبعد التغييرات الكبيرة التي شهدناها في نهاية عام 2024 وبداية 2025، برز تفاؤل نسبي حول تحسّن الأوضاع الأمنية والمعيشية، وكذلك تحسن الوضع الاقتصادي، لكن الواقع لا يزال صعباً. الاحتياج الإنساني في سورية يفوق بكثير إمكانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمنظمات الإنسانية العاملة كافّة، وندعو إلى تعزيز التمويل لدعم برامج التعافي المبكر، ولبناء قاعدة تنموية حقيقية تتيح للبلاد الخروج تدريجاً من الأزمات. اليوم هناك أكثر من 16 مليون سوري بحاجة إلى المساعدات الإنسانية، وقرابة سبعة ملايين نازح موزعين على مختلف مناطق النزوح، كما أن اللاجئين الذين عادوا منذ ديسمبر/ كانون الأول 2024، أضافوا ضغطاً جديداً على الموارد والخدمات الأساسية، ورغم المؤشرات الإيجابية في بعض القطاعات، إلّا أن الأوضاع العامة، وتضاؤل الدعم الإنساني يجعلان الوضع السوري هشّاً، ويتطلب دعماً مستمراً.
* ما نوعية الدعم الذي تقصدونه في هذه المرحلة؟
- يشمل الدعم الجوانب الأساسية للحياة اليومية للسوريين، فاللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتعاون الوثيق مع شريكنا الرئيس، الهلال الأحمر العربي السوري، تقدم المساعدات عبر أربعة قطاعات رئيسية هي المياه، والصحة، والإغاثة، ودعم المشروعات الاقتصادية الصغيرة، كما نعمل أيضاً على إزالة مخلفات الحرب، ودعم مختلف المبادرات المجتمعية، تمكننا مكاتبنا في دمشق وخمس محافظات أخرى من الوصول إلى معظم الجغرافيا السورية لتقييم الاحتياجات، ودعم البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتنفيذ أنشطة الحماية في ملفات المحتجزين والمفقودين.
* هل لاحظتم تحسناً فعلياً بعد إسقاط النظام السابق؟
- التطورات اللاحقة لإسقاط نظام الأسد حملت مزيجاً من الأمل والتحديات، وشهدنا بالفعل تخفيفاً جزئياً لبعض العقوبات، ووعوداً استثمارية، لكنّها ترافقت مع تجدد بؤر العنف في بعض مناطق الشمال، وفي الساحل غرباً، والسويداء جنوباً، ما أدى إلى موجات نزوح جديدة، وبالتالي زيادة في الاحتياجات الإنسانية، لذلك نعمل اليوم على دعم التعافي المبكر، وتعزيز صمود المجتمعات المحلية عبر برامج استراتيجية لإصلاح البنى التحتية المتضرّرة، ودعم القطاع الصحي، وتمويل مشاريع توفر سبل العيش للسكان الأكثر ضعفاً.
* هل خطط تمويل العمل الإنساني الدولي كافية لتحقيق هذه الجهود؟
- للأسف لا، فتمويل العمل الإنساني يشهد تراجعاً عالمياً، وسورية ليست استثناء، وعلى مستوى بعثتنا، اضطررنا بين عامَي 2025 و2026 إلى تقليص عملياتنا بنسبة تفوق 20%، وهو قرار صعب أملته محدودية الموارد، إذ جرى تقليص نطاق النشاط الجغرافي وعدد البرامج المنفذة، وهذا التراجع قد يؤثر على قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة المناسبة لاحتياجات ملايين السوريين، خاصة في مجالات الطوارئ والتعافي المبكر. من وجهة نظرنا، يمثل هذا الانكماش المالي في قطاع دعم العمليات الإنسانية في بلد لا يزال يعاني من تداعيات النزاع خطأ جسيم ينبغي على المجتمع الدولي معالجته سريعاً.
* إلى أي مدى يغطي نشاطكم الأراضي السورية جغرافياً؟
- توسعت عمليات اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سورية سريعاً منذ عام 2011، وكانت البلاد لعقد كامل من أكبر ساحات عملنا عالمياً، ولدينا اليوم حضور فعلي في جميع المحافظات تقريباً عبر مكاتبنا القائمة في دمشق، والحسكة، وحلب، ودير الزور، وحمص، ومستودعنا في طرطوس، كما نعمل بفعالية في مخيّم الهول منذ عام 2019، إذ ندير مستشفى وعيادات بالشراكة مع الهلال الأحمر العربي السوري، ونقدم من خلالها خدمات صحية منقذة للحياة. يمكن القول إنّنا نستطيع الوصول إلى أي منطقة داخل الأراضي السورية، ونبقى على خطوط التماس حيث تشتد الحاجة.
* إلى أين وصلتم في ملف المفقودين؟
- جمعنا منذ عام 2011 حتّى اليوم أكثر من 37 ألف طلب من عائلات تبحث عن ذويها المفقودين، وهذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للمأساة، لأنّ العدد الفعلي أكبر بكثير، وخلف كل حالة هناك قصة إنسانية، مثل أب مفقود، أو أم بلا معيل، أو أطفال بلا أوراق ثبوتية. هذه الحالات تحتاج إلى نظرة شاملة ومعالجة متكاملة تشمل كافة جوانب الدعم للمفقودين وعائلاتهم، وهذا يتجاوز قدرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ولهذا نعمل مع السلطات السورية وشركائنا المحليين والدوليين لتنسيق الاستجابة، وتحقيق تقدم تدريجي في هذا الملف المعقد. جرى خلال عام 2025 إعلان تشكيل الهيئة الوطنية المفقودين، التي تعنى بالبحث عن أجوبة حول مصير كافة المفقودين خلال النزاع السوري، بغض النظر عن انتمائهم أو أسباب اختفائهم، وتقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتقديم الدعم التقني والقانوني والمؤسّساتي لهذه الهيئة، وذلك بشراكة مع مؤسسات دولية أخرى، فحجم العمل في ملف المفقودين يتطلب تضافر جهود جميع الفاعلين للبحث عن مكان ومصير المفقودين، وكذلك تقديم الدعم القانوني والإغاثي لعائلاتهم، عدا عن توفير الدعم النفسي أيضاً.
* بالنسبة للأوضاع في السويداء، كيف تنظرون إلى الأمور بعد الأحداث الأخيرة؟
- بدأ التصعيد في السويداء في منتصف يوليو/ تموز الماضي، وبعد خمسة أيام فقط تمكنّا بالتعاون مع المنظمات الأممية والهلال الأحمر العربي السوري من إدخال المساعدات الإنسانية الأساسية، بما في ذلك الأغذية والأدوية، ودعم شبكات المياه، كما ساعدنا في تزويد الطواقم الطبية بالإمدادات الطارئة، وقدمنا المساندة للنازحين إلى درعا وريف دمشق، غير أن الوضع لا يزال هشّاً، وغير مستدام لأن استمرار المساعدات وحده لا يكفي. خلال الزيارات المتعددة لفرق الصليب الأحمر إلى السويداء، وإلى مراكز إيواء واستضافة النازحين، لمست فرقنا معاناة المتضرّرين من تصاعد أعمال العنف، ومن ذلك أزمة تأمين متطلبات الحياة الأساسية من ماء وغذاء، إذ تضطر أغلب العائلات إلى الوقوف في طوابير طويلة ولوقت طويل للحصول على بعض المستلزمات الاساسية، وهناك حاجة ماسة لصيانة وإعادة تأهيل البنى التحتية المتضرّرة لتأمين خدمات المياه والكهرباء، ومطلوب استعادة حرية الحركة والتجارة كي يتمكن السكان من استعادة حياتهم الطبيعية.
* ماذا عن أوضاع النازحين في بقية المحافظات السورية؟
- يُقدَّر عدد النازحين داخلياً بنحو سبعة ملايين نسمة، ونركز على تقديم الخدمات الحيوية لهم، خصوصاً المياه والصحة، ولدينا برامج نشطة في مخيّم الهول بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري لتقديم الخدمات الطبية والإغاثية، كما نقوم بدعم تأهيل محطات المياه، وتأمين قطع الغيار والصيانة لها، وتدريب الكوادر المحلية لتشغيل هذه المنشآت، إضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة التي تساعد النازحين والعائدين على كسب رزقهم، والاعتماد على أنفسهم.
* كيف تنظرون إلى دور السلطات السورية في تحسين الوضع الإنساني؟
- تحسين الوضع الإنساني وإعادة تأهيل المناطق المتضررة يرتبطان بعوامل عدة، أهمها توفر التمويل، وتخفيف العقوبات، واستعادة عجلة الاقتصاد. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تساعد في نطاق مهمتها الإنسانية، ولا تنفذ مشاريع إعادة إعمار شاملة، لكننا نتعاون مع السلطات المحلية لتأمين الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة من النزاع خلال الأعوام السابقة، وكذلك دعم تأمين الخدمات الحيوية الأساسية عبر المشاريع الاستراتيجية لدعم البنى التحتية في محطات المياه الكبرى في سورية.
* هل هناك احتمالات أن تلعب اللجنة الدولية دوراً خارج الإطار الإنساني في المرحلة المقبلة؟
- دورنا محدد وواضح في مناطق النزاعات حول العالم وفق التفويض الممنوح لنا بحسب اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، وتقوم اللجنة الدولية بدور الوسيط المحايد في المسائل ذات البعد الإنساني، مثل إطلاق سراح المحتجزين، أو تبادل الأسرى بين أطراف النزاع، ونحرص على تطبيق القواعد الدولية المتعلقة بحماية المدنيين أثناء النزاعات، وكذلك تقديم المساعدات الإنسانية للمتضرّرين خلال النزاعات المسلحة، وحماية الروابط العائلية للأشخاص الذين فرقتهم الحروب، وأي دور سياسي أو تفاوضي خارج هذا الإطار لا يدخل ضمن صلاحياتنا.
* ما الخطط المستقبلية لتعزيز الاستجابة الإنسانية وتحسين حياة من هم تحت خط الفقر؟
- أولويتنا في المرحلة المقبلة هي دعم سبل العيش للعائلات المتضرّرة، وتمكينها اقتصادياً كي لا تبقى معتمدة كلياً على المساعدات، ونقوم ببرامج لتزويد الأسر بمدخلات إنتاجية مثل الثروة الحيوانية، والمعدات الزراعية، ورؤوس الأموال الصغيرة. إضافة إلى دعم القطاع الصحي وتأمين الخدمات الأساسية، كما نسعى بالتنسيق مع وزارة الطوارئ والهلال الأحمر العربي السوري إلى مسح المناطق الملوثة بمخلفات الحرب لإزالتها، وتنخرط اللجنة الدولية في حوار مع الأطراف كافّة والمعنيين لتعزيز احترام القانون الدولي الإنساني عبر ورشات عمل لكل الجهات الفاعلة في مجال القانون الدولي الإنساني، وبخاصّة الجهات العسكرية والأمنية، ونسعى كذلك لإدماج ومواءمة القوانين المحلية مع القانون الدولي الإنساني بالتعاون مع الجهات الحكومية.
نبذة
يمتلك خلفية طبية وإدارية، فهو طبيب أسنان، ويحمل درجات عليا في إدارة الأعمال، والصحة العامة، ما يمنحه منظوراً متعدد الأبعاد في العمل الميداني. يتمتع بخبرة في العمل الإنساني بمناطق النزاع في سورية ومنطقة الخليج العربي، ويساهم في جهود تعزيز الوصول الإنساني والحوار مع الأطراف المعنية لحماية المدنيين، ودعم الفئات الأشد ضعفاً.