"بازار إحياء الأمل" في غزة.. حين ينسج ذوو الإعاقة الجمال بروح تراثية
استمع إلى الملخص
- البازار يمثل نافذة أمل وسط الحصار، ويظهر الإرادة القوية لأشخاص تحدوا الظروف الصعبة ليبدعوا، رغم التحديات مثل نقص المواد الخام وصعوبة العمل خلال الحرب.
- يهدف البازار إلى توفير فرص عمل كريمة ودمج ذوي الإعاقة في المجتمع، مؤكداً حقهم في العمل والإنتاج وإحياء الأمل.
جسّد عدد من ذوي الإعاقة في غزة معاني الجمال والصمود، من خلال "بازار أطفالنا للمنتجات الحرفية التراثية"، الذي افتُتِح اليوم الخميس في مقر جمعية أطفالنا للصم في مدينة غزة، وقد اختاروا أن يكونوا رواة الحكاية لا مجرد فصل من فصولها.
وانطلق البازار الذي حمل شعار "بازار إعادة إحياء الأمل بأيدي مهرة حرفيين من ذوي الإعاقة" من قلب غزة، حيث تتقاطع الذاكرة مع الألم ويشتد الحصار الإسرائيلي على تفاصيل الحياة اليومية، في مساحة نابضة بالأمل، تقودها إرادة أشخاص ذوي إعاقة وسط ركام الحرب وظلالها الثقيلة، ليكون نافذة صغيرة تطل على ضوء كبير.
وجاء البازار السنوي بمحتوياته المشغولة يدوياً ليثبت أن التراث الفلسطيني لا يزال قادراً على التنفس، وأن الموهبة لا تقيدها عكازات، ولا توقفها كراسٍ متحركة، ولا تكسرها القيود التي فرضتها الإعاقة على أجسادهم قبل أرواحهم.
وتحولت في زوايا البازار الخيوط والأقمشة وقطع الخشب والخرز والألوان إلى لغة حية تتجاوز حدود الكلام، لتنسج حكاية صمود غزة بطريقة مختلفة، فيما ينبض في كل قطعة يدوية، سواء كانت مطرّزة أو منسوجة أو منحوتة، صوت يقول: "إننا هنا، وإن إرادتنا تتقن ما لا يتقنه العدوان والدمار".
وبينما يتجول الزائر داخل البازار، يلمح في عيون المعوقين تلك الشرارة المضيئة التي لا تُطفئها الحرب، والرغبة في أن يكون لهم مكان في هذا العالم، ودور واضح، ومستقبل يليق بقدرتهم على الإبداع، لتصبح الحرفة رسالة، والقطعة المشغولة يدوياً شهادة، والإرادة عنواناً يؤكد أن غزة ما زالت على قيد الحياة.
"نُحيي الأمل، لا التراث فقط"، هكذا تقول رندة راضي، إحدى المشاركات من ذوي الإعاقة السمعية عبر مترجم الإشارة، وهي ترفع تحفة وضعتها على الطاولة بعناية، كانت تبتسم وقد شعرت بأن البازار بداية طريقها لترويج منتجاتها التي تعتبر مصدر دخلها.
وتقول راضي لـ"العربي الجديد" إنها تعمل في الرسم على الفخار، الذي تعلمته منذ صغر سنّها داخل جمعية أطفالنا للصم، مضيفة: "أشعر بالرضى حين أرى الإعجاب في عيون الناس عند رؤية مشغولاتي اليدوية التي تحمل طابعاً تراثياً فلسطينياً". وتبيّن راضي صعوبة العمل في ظل نقص المواد الخام، إلا أن "الإصرار على العمل والإنتاج كان الدافع الأكبر للمواصلة على الرغم من الظروف الصعبة والقاهرة، لنثبت للعالم أن الظروف القاسية لا تثنينا عن عملنا".
لا يعتبر المشاركون إبداعاتهم الحرفية مجرد منتجات تُعرض للبيع والشراء، بل هي بمثابة بيوت صغيرة من الذاكرة، تحمل بين طياتها رائحة المكان، ونقش التاريخ، وألم الدموع، لتشكل جزءاً من الهوية الفلسطينية.
تعرض على الطاولات قطع تراثية فلسطينية مصنوعة بعناية، تطريزات بألوان الزيتون واللوز، حقائب قماشية تحمل نقوش القرى المهجرة، إكسسوارات خشبية من الخروب والليمون، ومنسوجات صوفية حيكت بإتقان رغم إصابات الأيدي أو محدودية الحركة. ورغم تحديات إعاقته، استطاع أن يتعلم الفلسطيني رائد الوصيفي النقش على الخشب والفخار ليصنع مجسمات تراثية لملامح غزة القديمة، وقد واصل العمل خلال الحرب، على الرغم من الظروف الصعبة والخطيرة، إيماناً منه بضرورة مواصلة عمله، وأهمية تجسيد التراث، إلى جانب الحفاظ على مصدر الدخل الوحيد.
عن كيفية العمل خلال الحرب، يقول إنه انتقل أكثر من مرة، وكان يفكر طوال الوقت إلى أين سيذهب في ظل الخطر المحدق به من كل الجوانب، فيما كان يعاني من النقص الشديد في الألوان والأدوات التي تركها في الجمعية، لكنه كان يجمع بعض الأدوات بإمكانات بسيطة لمواصلة عمله.
يحمل الوصيفي رسالة للعالم، مفادها أن الشعب الفلسطيني يبدع ويواصل عمله، على الرغم من الحصار والآثار الكارثية للعدوان الإسرائيلي، مضيفاً: "هذا المعرض هو الدليل على إصرارنا وعملنا، وإيماننا بضرورة أن يكون الغد أفضل".
ورغم قسوة الظروف ونُدرة المواد الأولية وصعوبة الوصول إلى الأدوات اللازمة، تستمر هذه الفئة في إنتاج أعمال تتقن الاحتفاظ بالروح، كل قطعة تراها في البازار تحمل شيئاً من بيوتهم التي فقدوها، وشوارعهم التي تغيرت ملامحها، ومن تراث جدّاتهم الذي يرفض أن يُمحى.
من ناحيته، يقول مدير جمعية أطفالنا للصم، فادي عابد، إن المعرض يأتي بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة بالتزامن مع اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك لمساعدة هؤلاء الأشخاص على توفير فرصة عمل كريمة، والاندماج في المجتمع، في ظل الظروف الصعبة التي يعاني منها الجميع.
ويلفت عابد إلى مشاركة نحو 50 شخصاً من ذوي الإعاقة السمعية والإعاقات الأخرى في المعرض، وهم الفئة الأكثر تهميشاً، وذلك بهدف التركيز على إبداعاتهم وطاقاتهم، ويضيف: "ذوو الإعاقة جزء من هذا المجتمع، ولديهم الطاقة الكافية للمشاركة في مرحلة التعافي والبناء وإعادة الإعمار".
ويبين عابد أن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة تضاعف بعد الحرب، حيث كان يقدر عددهم بحوالى 58 ألفاً بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني، وقد وصل بعد الحرب الى حوالى 132 ألفاً من مختلف الإعاقات، من بينهم 35 ألفاً فقدوا السمع بفعل شدة الانفجارات، وغياب الرعاية الصحية والأدوات المساعدة.
ويحمل البازار رسالة سامية تؤكد حق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل والإنتاج والمشاركة المجتمعية، ويعيد تقديمهم للعالم كما هم، مبدعين، قادرين، وأصحاب أثر، خرجوا من وسط المعاناة ليثبتوا أن الجمال يمكن أن يولد في أحلك الظروف، وأن الأمل يُحيا فعلاً بأيديهم.