باحثو الجامعات الأميركية المتخصصون في شؤون الشرق الأوسط قلقون على حرية تعبيرهم بشأن فلسطين
استمع إلى الملخص
- أثار الإلغاء انتقادات من الباحثين، مما أدى إلى توتر بين الجامعات والحكومة الفيدرالية، التي أوقفت منحًا مالية وحاولت إلغاء تراخيص استقبال الطلاب الأجانب، مما دفع هارفارد لتعزيز حماية طلابها اليهود والإسرائيليين.
- استغنت جامعة هارفارد عن رئيسَي مركزها لدراسات الشرق الأوسط، ووقّعت جامعة كولومبيا اتفاقية مالية مع الحكومة لإغلاق تحقيقات ضدها، مع التزامها بمراجعة تدريسها حول الشرق الأوسط.
يخشى الباحثون المتخصصون في شؤون الشرق الأوسط في الجامعات الأميركية الحدّ من حريتهم في التعبير عن آرائهم بشأن إسرائيل والفلسطينيين، في ظلّ المواجهة بين مؤسساتهم الأكاديمية والرئيس دونالد ترامب
الذي يتهمها بنشر "معاداة السامية". وكان من المقرر مثلاً صدور عدد خاصّ هذا الصيف من مجلة "هارفارد إدوكيشنل ريفيو" (Harvard Educational Review) المرموقة يتناول موضوع "التعليم وفلسطين". وخضعت النصوص للمراجعة وحصلت على الموافقة، لكنّ طلباً لإجراء مراجعة نهائية بواسطة محامين جعل الأمور تأخذ منحىً مختلفاً.فإصدار العدد أُلغِيَ في اللحظة الأخيرة، انعكاساً للتوترات التي اندلعت منذ أن اتهم ترامب جامعة هارفارد ومؤسسات تعليم عالٍ أخرى، كجامعة كولومبيا، بالفشل في توفير الحماية الكافية للطلاب اليهود خلال التحركات الاحتجاجية للمطالبة بوقف إطلاق النار في غزة. وأطلقت "هارفارد إدوكيشنل ريفيو" في مارس/ آذار 2024 دعوة لتقديم أوراق بحثية لعدد خاص عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وقدّمت عالمة الأنثروبولوجيا تيا أبو الحاج برفقة زملاء لها مقالاً عمّا وصفته بـ"إبادة المدارس" في غزة، وهو مصطلح يشير إلى تدمير النظام التعليمي في القطاع، موسعةً نطاق البحث ليشمل المعلمين الفلسطينيين خلال حرب لبنان (1975-1990). وفي ربيع 2025، أُعلن عن موعد إصدار العدد الخاص المرتقب. إلّا أن الكتّاب المشاركين فيه علموا بعد بضع أسابيع أنّ مقالاتهم ستُقدَّم في نهاية المطاف إلى قسم القانون في جامعة هارفارد لإجراء "تقييم للمخاطر".
"الاستثناء الفلسطيني" في الجامعات الأميركية
وقالت أبو الحاج، الأستاذة في كلية بارنارد التابعة لجامعة كولومبيا، في حديث لوكالة فرانس برس: "أنشر مقالات في المجلات الأكاديمية منذ عقود، وسبق لي أن كتبتُ مرتين في "هارفارد إدوكيشنل ريفيو" ولم يُطلَب مني يوماً الخضوع لهذا النوع من المراجعة". ورأى الكتّاب المشاركون في فرض هذه المراجعة عليهم "رقابةً" وانتهاكاً "للحرية الأكاديمية"، لكنهم لم يتمكنوا من منع إلغاء العدد الخاص في يونيو/ حزيران. وأكدت مديرة دار هارفارد التعليمية Harvard Education Press للنشر خلال إبلاغهم قرارها عدم وجود أية رقابة، لكنها اعتبرت أن "عملية المراجعة التحريرية لم تكن ملائمة".
ورأت أبو الحاج أنّ "التفسير الوحيد (لهذا الإلغاء) هو أنه حالة أخرى من الاستثناء الفلسطيني في مجال حرية التعبير"، معتبرة أنّ جامعة هارفارد ليست فعلياً "بطلة" حرية أكاديمية كما تسعى إلى إظهار نفسها في مواجهتها دونالد ترامب. وأوقفت الحكومة الفيدرالية ضمن هذه المواجهة منحاً تزيد عن 2,6 مليار دولار، وتحاول إلغاء الترخيص الذي يتيح لها استقبال الطلاب الأجانب الذين يشكّلون ربع الذين يتابعون تحصيلهم العلمي. وأكدت هارفارد أنها عززت إجراءاتها لحماية طلابها اليهود والإسرائيليين، وطعنت في الوقت نفسه قضائياً في الإجراءات الحكومية.
"خوف وقلق"
لكنّ الجامعة استغنت في مطلع سنة 2025 عن رئيسَي مركزها لدراسات الشرق الأوسط جمال كفادار وروزي بشير. وقد استنكرت مجموعة من الأساتذة اليهود التقدميين هذا الإجراء، متهمين إياها بالرضوخ للضغوط من خلال "التضحية" بهذين الباحثين المدافعين عن الحقوق الفلسطينية. ولاحظت اختصاصية الأدب العربي بجامعة بوسطن والعضو في هذه المجموعة من الأساتذة مارغريت ليتفين في حديث لوكالة فرانس برس، أن "ثمة مناخاً من الخوف والقلق لدى أعضاء هيئة التدريس والموظفين والطلاب، يحيط بالأبحاث المتعلقة بفلسطين في جامعة هارفارد وخارجها".
وفي يوليو/ تموز، وقّعت جامعة كولومبيا اتفاقية مالية مع الحكومة الفيدرالية تدفع بموجبها 221 مليون دولار لإغلاق تحقيقات أطلقتها إدارة ترامب بحقّها، والإفراج عن غالبية المنح الفيدرالية التي أُلغيت أو عُلِّقت. إلّا أن هذا الاتفاق قضى بأن تُراجع الجامعة تدريسها حول الشرق الأوسط. وفي وقت سابق من السنة الجارية، اعتمدت جامعة هارفارد أيضاً تعريف معاداة السامية الذي اقترحه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، قبل أن تحذو كولومبيا حذوها في يوليو. غير أنّ هذا التعريف لا يحظى بالإجماع، إذ يرى منتقدوه أنه قد يُفضي إلى حظر انتقاد إسرائيل.
ويبدو أنّ هذا هو جوهر الخلاف حول العدد الخاص "التعليم وفلسطين"، وفقاً للأستاذة في جامعة تورنتو تشاندني ديساي التي كان يفترض أن يتضمن العدد مقالاً لها. وقالت ديساي لوكالة فرانس برس إنّ المقالات المُقدّمة "من المرجح ألّا تكون مطابقة" لتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، لأنها "كلها تنتقد إسرائيل". وأضافت: "لم نشهد قط إلغاء عدد خاص كامل (من منشور أكاديمي)... هذا أمر غير مسبوق".
(فرانس برس)