انسحاب روسيا من اتفاقية مناهضة التعذيب يثير الهواجس

27 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 00:45 (توقيت القدس)
مخاوف من تفاقم التعذيب في السجون الروسية، موسكو، 31 أكتوبر 2017 (ميخائيل سفيتلوف/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار انسحاب روسيا من الاتفاقية الأوروبية لمناهضة التعذيب مخاوف من زيادة الانتهاكات في السجون الروسية، خاصة بعد فضائح التعذيب الأخيرة، ويعكس تراجع التعاون مع أوروبا منذ بدء الحرب في أوكرانيا.
- يوضح الخبير بافيل ماروشاك أن الانسحاب لا يغير الوضع كثيرًا، حيث توقف التعاون فعليًا منذ 2022، لكن تحسن مكافحة التعذيب بفضل آليات الرقابة المتبادلة بين الأجهزة الأمنية.
- ترى الحقوقية آنا كاريتنيكوفا أن الانسحاب يعكس ابتعادًا عن أوروبا، مما قد يجعل الأوضاع غير الطبيعية تبدو طبيعية ويؤثر على حقوق المعتقلين.

يخشى حقوقيون أن يؤدي انسحاب روسيا مؤخراً من الاتفاقية الأوروبية لمناهضة التعذيب إلى مزيد من الانتهاكات والمعاملة غير الإنسانية في السجون ومراكز الاحتجاز، بينما يرى آخرون أن أهميتها كانت قبل حرب أوكرانيا.

أثار انسحاب روسيا من الاتفاقية الأوروبية لمناهضة التعذيب، تساؤلات الحقوقيين حول تأثيره على الوضع الراهن مع مكافحة التجاوزات في السجون الروسية، ولا سيّما بعد انتشار مجموعة من فضائح التعذيب في السنوات الأخيرة، ما اضطر السلطات الروسية إلى التعامل معها بحزم، خصوصاً منذ إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

، في عام 2021 أنه لا تهاون مع من لهم ضلوع في حوادث التعذيب.

وحينها، أقال بوتين رئيس الهيئة الفيدرالية لتنفيذ العقوبات آنذاك، ألكسندر كالاشنيكوف، مؤكداً ضرورة استكمال كل التحقيقات في قضايا التعذيب، حتّى يدرك الجميع حتمية العقاب. وظلّ مفعول الاتفاقية الأوروبية لمناهضة التعذيب سارياً في روسيا لما يقارب ثلاثة عقود، أجرى خلالها ممثلون عن اللجنة الأوروبية لمناهضة التعذيب نحو 30 زيارة إلى روسيا، تفقدوا خلالها المعتقلات ومراكز الشرطة والمصحّات النفسية لتقييم أوضاع المحتجزين.

لكنّ هذا التعاون توقف فعلياً منذ انسحاب روسيا من مجلس أوروبا إثر بدء الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، رغم أن اللجنة الأوروبية طلبت من روسيا توضيحات بشأن وفاة المعارض السياسي، مؤسس "صندوق مكافحة الفساد"، أليكسي نافالني، في فبراير/ شباط 2024، بإصلاحية "الذئب القطبي" ذات النظام الخاص الأكثر قسوة بين نُظم أداء عقوبة السجن في روسيا. لكن روسيا تجاهلت هذه الطلبات باعتبارها "مسيّسة". وبعد واقعة الهجوم الإرهابي على قاعة العروض "كروكوس سيتي هول" على أطراف موسكو في مارس/ آذار 2024، انتشرت مقاطع فيديو تتضمن مشاهد تعذيب مُنفّذي الهجوم فور توقيفهم قبل التحقيق معهم ومحاكمتهم.

ومع ذلك، يوضح الخبير الحقوقي والقانوني، بافيل ماروشاك، أن انسحاب روسيا من الاتفاقية الأوروبية لمناهضة التعذيب لا يغيّر شيئاً على أرض الواقع، نظراً لتوقف التعاون فعلياً منذ بدء النزاع المسلح في أوكرانيا، مشيراً إلى أن وضع التعذيب في روسيا تحسن في السنوات الأخيرة بعد اعتماد آلية الرقابة المتبادلة بين فروع الأجهزة الأمنية وتناوب وكلاء النيابة في الأقاليم.

ويقول ماروشاك لـ"العربي الجديد": "لا يشكل انسحاب روسيا من الاتفاقية سوى إقرار بالأمر الواقع في ظل توقف أي تعاون منذ عام 2022، علماً أنه بدأ يتراجع منذ أحداث شبه جزيرة القرم في عام 2014. فقد كانت المعاهدة تشكل أهمية في المرحلة ما قبل ذلك، إذ كانت تُناقش قضايا تلبية المعايير الأوروبية في مجال مناهضة التعذيب، وحتى كانت تجري مناقشة تخصيص مواد خاصة بالتعذيب ضمن القانون الجنائي. ولكن في نهاية المطاف، جرى الخروج باستنتاج مفاده أن هناك المادة 286 المتعلقة بتجاوز الصلاحيات".

الصورة
رصدت اللجنة الأوروبية سابقاً سوء أوضاع المعتقلين، سجن بوتيركا، 31 أكتوبر 2017 (ميخائيل سفيتلوف/ Getty)
رصدت اللجنة الأوروبية سابقاً سوء أوضاع المعتقلين، سجن بوتيركا، 31 أكتوبر 2017 (ميخائيل سفيتلوف/ Getty)

وحول رؤيته لواقع التعذيب في السجون الروسية، يضيف: "الظاهرة لا تزال قائمة، ولكن الوضع تحسن كثيراً في السنوات الأخيرة نتيجة تطبيق مجموعة من الإجراءات القاضية بالرقابة المتبادلة بين الأجهزة الأمنية، ومنع القائمين على المديريات المحلية لوزارة الداخلية من اصطحاب مرؤوسيهم عند انتقالهم من إقليم إلى آخر، وتحديد المدة القصوى لعمل وكلاء النيابة في إقليم واحد، ما أدى إلى اقتصار الظاهرة على بعض الأقاليم التي تمكن فيها المسؤولون الأمنيون المحليون من التواطؤ بين بعضهم بعضاً".

وتعتبر الحقوقية والمحللة السابقة بالهيئة الفيدرالية الروسية لتنفيذ العقوبات، آنا كاريتنيكوفا، أن الانسحاب الروسي من الاتفاقية يندرج ضمن ابتعاد روسيا عن أوروبا، وتقول لـ"العربي الجديد": "يُعد الانسحاب خطوة منطقية ضمن قطع العلاقات بين روسيا وأوروبا، ويفسّر السياسيون الروس ذلك بسياسة الكيل بمكيالين من الاتحاد الأوروبي، ولكن فعلياً تقطع روسيا علاقاتها مع أوروبا، رغم أنها كانت تسعى يوماً لتطوير العلاقات معها".

وتوضح كاريتنيكوفا أنّ الوفود الأوروبية التي كانت تزور السجون الروسية وترصد سوء أوضاع المعتقلين، مثل السماح بالاستحمام مرة واحدة أسبوعياً فقط، حتى في فترات الطقس الحار صيفاً، والزنازين الضيقة والمكدسة، كلها زيارات أدت إلى تحسين الأوضاع، لكن الخطر الأساسي من انسحاب روسيا من الاتفاقية يكمن في أن "الوضع غير الطبيعي سيصبح طبيعياً"، على حدّ تعبيرها.

وكان بوتين وقّع في 29 سبتمبر/ أيلول الماضي على القانون الفيدرالي بشأن الانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لمناهضة التعذيب المؤرخة بـ26 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987، وذلك بعد أيام على المصادقة عليه من الجمعية الفيدرالية الروسية بمجلسَي الدوما (النواب) والاتحاد (الشيوخ).

ووقّعت روسيا الاتفاقية عام 1996 بعد انضمامها إلى مجلس أوروبا، وقد دخلت حيّز التنفيذ بعد عامين، لكن روسيا انسحبت من مجلس أوروبا عقب بدء الحرب في أوكرانيا عام 2022. ونصّت الاتفاقية الرامية إلى مكافحة التعذيب بحق المعتقلين على إنشاء اللجنة الأوروبية لمناهضة التعذيب والمعاملة غير الإنسانية أو المهينة لكرامة الإنسان، والتي ضمّت عدداً من الخبراء المستقلين الذين يحقّ لهم زيارة السجون، والتحدث إلى السجناء، وإعداد ونشر التقارير المرتبطة بأوضاعهم.