الهدر المدرسي يهدد منظومة التعليم في المغرب

06 مايو 2026   |  آخر تحديث: 00:36 (توقيت القدس)
يطاول الهدر المدرسي مختلف الفئات في المغرب، سبتمبر 2024 (فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- كشف تقرير اليونيسف ووزارة التربية الوطنية في المغرب عن مغادرة 280 ألف تلميذ مقاعد الدراسة العام الماضي، مما يهدد التنمية الاجتماعية والاقتصادية ويعكس أزمة تعليمية تشمل جميع الفئات.
- أطلقت الوزارة مبادرات للحد من الهدر المدرسي، منها خطة لتقليصه بنسبة الثلث بحلول 2025، عبر استهداف 80 ألف تلميذ وتوجيههم إلى مسارات بديلة مثل "مدارس الفرصة الثانية" و"إعداديات الريادة".
- رغم الجهود، يبقى الهدر المدرسي تحدياً كبيراً، مما يستدعي إعلان حالة تعبئة وطنية عاجلة ومراجعة السياسات التعليمية لتحسين جودة التعليم وظروف عمل الأطر التربوية.

كشف التقرير السنوي الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن نحو 280 ألف تلميذ وتلميذة في المغرب غادروا مقاعد الدراسة العام الماضي، ما يُهدّد مستقبل جيل كامل، ويُعطّل مسار التنمية الاجتماعية والاقتصادية للمملكة. وأوضح التقرير الذي أعد بالتعاون مع وزارة التربية الوطنية في المغرب أن ظاهرة الهدر المدرسي لا تقتصر على الفئات الفقيرة فقط، بل تطاول الفئات المتوسطة أيضاً، وأشار إلى أن "العوامل المؤدية للهدر تتعدد بين ضغوط اقتصادية وقيود ثقافية واجتماعية وأسباب تتعلق بجودة البيئة التعليمية نفسها، ما يشير إلى حجم الأزمة التعليمية التي يواجهها النظام التربوي في المغرب".
وأفاد التقرير بأن "الفتيات يشكلن الفئة الأكثر عرضة للهدر المدرسي، خاصة في المناطق الريفية والتجمعات الحضرية الهامشية، حيث تجعل معوقات عدة استمرارهن في الدراسة أملاً بعيد المنال".
ويعد الانقطاع عن التعليم في المغرب من أبرز أوجه الاختلال الذي تعاني منه المنظومة التعليمية، بحسب ما تفيد تقارير رسمية، في حين ترتفع نسبة التسرّب المدرسي خصوصاً في الأرياف بسبب بُعد المدارس وارتفاع نسب الفقر.
وتفيد المؤشرات المرتبطة بالموسم الدراسي 2025 ـ 2026 بأن ست أكاديميات للتربية والتكوين من أصل 12 تتوزع في مناطق عدة تعرف أرقاماً مقلقة في عدد ونسب التلاميذ غير المسجلين في مؤسساتهم الإعدادية على الصعيد الوطني، لا سيما على مستوى إعداديات الريادة التي تحتضن مشروعاً تراهن عليه الحكومة ضمن رؤيتها الإصلاحية 2022 ـ 2026، ويشمل نحو 16 ألف تلميذ عبر عدد من الأكاديميات.
وفي إبريل/ نيسان 2025 كشفت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي خطة لتقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث من خلال استهداف نحو 80 ألف تلميذ مهددين بالانقطاع عن التعليم الإعدادي، وتوجيههم إلى مسارات بديلة، مثل "مدارس الفرصة الثانية"، حيث يتلقون تكويناً مهنياً يؤهلهم للاندماج في سوق العمل، أو العودة إلى متابعة دراستهم.
وأطلقت الوزارة عدداً من البرامج، أبرزها مشروع "إعداديات الريادة" الذي يركز على توفير الدعم البيداغوجي، وتنظيم أنشطة موازية في مجالات الموسيقى والرياضة والمسرح بهدف تعزيز ارتباط التلاميذ بالمؤسسات التعليمية، كما أحدثت خلايا للتتبع النفسي والتربوي للأطفال المعرضين للتسرب بالاعتماد على البيانات الرقمية المتوفرة في منظومة "مسار" من أجل التدخل المبكر.

الفتيات الأكثر عرضة للهدر المدرسي في المغرب، سبتمبر 2024 (فرانس برس)
الفتيات أكثر عرضة للهدر المدرسي في المغرب، سبتمبر 2024 (فرانس برس)

وفي إطار جهود الحدّ من الهدر المدرسي وتعزيز الإنصاف وتكافؤ الفرص بما يضمن حق جميع الأطفال في الدراسة، انسجاماً مع أهداف خريطة الطريق 2022 ـ 2026 من أجل مدرسة عمومية ذات جودة، أطلق وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، أخيراً، في مركز التأهيل الحرفي للفرصة الثانية الجيل الجديد بتارودانت، عملية التعبئة المجتمعية "من الطفل إلى الطفل". وتهدف المبادرة التي ترفع شعار: "كيفما كانت الظروف لن أفرط في دراستي"، إلى رصد الأطفال واليافعين المنقطعين وغير الملتحقين الموجودين خارج المنظومة التعليمية في الموسم الدراسي 2025 - 2026.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة المغربية لتحسين جودة التعليم وتوسيع قاعدة الدراسة لا يزال الهدر المدرسي أحد التحديات الكبرى التي تعيق تحقيق تعليم شامل ومنصف للجميع. ويُبدي الكاتب العام للجامعة الوطنية للتعليم التابعة للاتحاد الوطني للشغل في المغرب عبد الإله دحمان، في حديثه لـ"العربي الجديد"، قلقه البالغ من "خطورة الوضع الذي بات يهدد المنظومة التربوية في بلدنا، وينذر بتداعيات عميقة على مستقبل الأجيال الصاعدة، استناداً إلى ما كشفه تقرير يونسيف في شأن مغادرة ما يقارب 280 ألف تلميذة وتلميذ مقاعد الدراسة العام الماضي".
ويرى أن "هذه الأرقام الصادمة ليست مجرد معطيات إحصائية عابرة، بل مؤشر خطير لاختلالات بنيوية عميقة يعرفها النظام التعليمي، سواء على مستوى العدالة السائدة في المجال التربوي، أو جودة التعليم، أو شروط التمدرس والاستمرار فيه. كما تعكس هذه الأرقام فشلاً واضحاً في السياسات العمومية المتبعة في قطاعي التربية والتكوين، وعجزها عن الحدّ من الهدر المدرسي وضمان تكافؤ الفرص".

طلاب وشباب
التحديثات الحية

ويعتبر أن "استمرار نزيف الانقطاع عن الدراسة بهذا الحجم يُهدد بتوسيع دائرة الهشاشة الاجتماعية، ويُغذي البطالة والإقصاء، ويُقوّض أسس التنمية المستدامة التي لا يمكن أن تتحقق من دون مدرسة عمومية قوية منصفة وجذابة".
وأمام هذا الوضع، يدعو دحمان إلى "إعلان حالة تعبئة وطنية عاجلة للحدّ من الهدر المدرسي، وإجراء مراجعة شاملة للسياسات التعليمية كي تستجيب لاحتياجات التلاميذ، خصوصاً في العالم القروي والمناطق الهشّة، وتعزيز الدعم الاجتماعي للأسر المعوزة من أجل ضمان استمرار أبنائها في الدراسة".
أيضاً يدعو المسؤول النقابي إلى الارتقاء بجودة التعليم وتحسين ظروف عمل الأطر التربوية والإدارية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير هذا الملف الحساس، ويعتبر أن إنقاذ المدرسة العمومية اليوم لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية ملحة لحماية مستقبل المغرب.