الناجون من سجن صيدنايا: لحظة ميلاد أخرى تواجه تحديات في الاندماج
- تجربة محمد فتة، معتقل سابق، تسلط الضوء على أهمية الاستقرار الاقتصادي للاندماج في المجتمع، حيث أن الدعم النفسي وحده غير كافٍ، وقد تمكن من استعادة إحساس الانتماء بعد حصوله على عمل بسيط.
- دياب سرية يؤكد على ضرورة تدخل حكومي ومنظمات دولية لدعم الناجين من الاعتقال عبر برامج شاملة تشمل الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي لضمان إعادة تأهيلهم.
لم يحمل خروج مهند غندور من سجن صيدنايا معنى النجاة بقدر ما مثّل بداية اختبار جديد. بعد نحو أربع سنوات من الاعتقال، وجد نفسه في مواجهة حياة مغايرة تماماً لتلك التي تركها. يقول لـ"العربي الجديد": "لم يكن لديّ شيء عند خروجي، لا بيت ولا عمل، ولا حتى فكرة عن كيفية البدء من جديد"، في إشارة إلى الفراغ الذي واجهه فور الإفراج عنه.
يستعيد غندور لحظة خروجه ليلة التحرير بوصفها لحظة ملتبسة بين الخلاص والضياع. لم يكن في انتظاره أحد، ولم تكن هناك حياة جاهزة لاستقباله، بل طريق مفتوح على المجهول. وبينما كان في السجن منشغلاً بتأمين الحد الأدنى للبقاء، من طعام ويوم جديد، وجد نفسه في الخارج أمام أعباء مركّبة تتعلق بالسكن والعمل وإعالة أسرته. يقول: "في السجن كنا نفكر كيف نعيش ليوم واحد، أما في الخارج فنفكر بكل شيء دفعة واحدة، وهذا ما يجعل الأمر أحياناً أكثر صعوبة".
لم يعد غندور إلى ما كان عليه قبل الاعتقال، فقد خسر منزله ومصدر رزقه، وتفرّقت عائلته تحت وطأة الظروف، وحدهم أطفاله الأربعة شكّلوا نقطة الثبات الوحيدة في حياته الجديدة. يوضح: "أطفالي هم كل ما أملك اليوم"، لكنه يقرّ في الوقت نفسه بأن استعادة العلاقة معهم لم تكن سهلة، في ظل سنوات الغياب الطويلة وما خلّفته من فجوة نفسية وزمنية.
ورغم المبادرات التي قدّمتها بعض الجهات، ومنها "رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا"، والتي عرضت عليه جلسات دعم نفسي، يرى غندور أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تكفي. يوضح: "جربت حضور جلسات علاج نفسي، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية. إذا عدت إلى منزلي ولا أستطيع تأمين احتياجاتي اليومية، فما الفائدة؟".
بالنسبة له، يبقى الاستقرار الاقتصادي الشرط الأهم لأي تعافٍ ممكن، مضيفاً: "نحتاج إلى عمل ثابت يضمن لنا العيش بكرامة". ولا تقتصر معاناة غندور على الجانب المعيشي، إذ يشير إلى مشكلات صحية رافقته بعد خروجه، استدعت خضوعه لعمليات جراحية، فضلاً عن أمراض ظهرت لاحقاً نتيجة ظروف الاعتقال. ومع ارتفاع تكاليف العلاج وضعف الخدمات الصحية، تحوّل العلاج بحد ذاته إلى عبء إضافي.
قصة غندور ليست استثناءً. فمحمد فتة، معتقل سابق آخر، يروي تجربة مختلفة في الشكل، متشابهة في الجوهر. بعد خروجه من السجن، واجه حالة من الضياع وعدم القدرة على التكيّف مع الحياة خارج المعتقل. يقول لـ " العربي الجديد" : "شعرت بأنني غير قادر على فهم ما يحدث حولي، وكأنني أتعلم الحياة من جديد بعد اثني عشر عاماً من الاعتقال".
اختار الشاب الثلاثيني خوض تجربة العلاج النفسي، رغم تردده في البداية. ومع الوقت، ساعدته الجلسات على فهم حالته والتعامل مع القلق ونوبات التوتر. إلا أنه يشدد على أن هذا النوع من الدعم، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون كافياً بمفرده. يوضح: "العلاج النفسي يساعد الإنسان على الوقوف مجدداً، لكنه لا يؤمّن له سبل العيش".
لاحقاً، بدأ رحلة البحث عن عمل، وواجه صعوبات متعددة، من بينها الوصمة المرتبطة بتجربة الاعتقال، إضافة إلى فقدان الخبرة العملية خلال سنوات غيابه. وبعد محاولات متكررة، تمكن من الحصول على عمل بسيط، يصفه بأنه شكّل نقطة تحوّل في حياته: "العمل أعاد لي إحساسي بأنني جزء من المجتمع". ويرى أن الجمع بين الدعم النفسي والاستقرار الاقتصادي هو ما يتيح للمعتقلين السابقين فرصة حقيقية للاندماج، مضيفاً: "تعلمت في العلاج كيف أتعامل مع نفسي، لكن العمل هو ما أعادني إلى الناس".
وبحسب تقديرات "رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا"، فقد دخل نحو 30 ألف شخص السجن منذ عام 2011، لم يخرج منهم سوى قرابة 5 آلاف، فيما لا تزال آلاف العائلات تبحث عن مصير أبنائها، في ظل غياب قاعدة بيانات رسمية دقيقة توثق أعداد المعتقلين والمفقودين.
في هذا السياق، يؤكد دياب سرية؛ مؤسس "رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا"، أن الدولة لم تُبدِ منذ اليوم الأول للتحرير اهتماماً كافياً بهذه الفئة. ويقول في تصريح لـ"العربي الجديد": "كثيراً ما كان يُقال للمعتقلين إن الثورة حرّرتهم، وما بعد ذلك مسؤوليتهم الشخصية، وهذا ما خلّف شعوراً عميقاً بالخذلان".
ويشير سرية إلى أن عدداً كبيراً من الناجين خرجوا من دون أوراق ثبوتية، فيما لا يزال بعضهم يواجه ملاحقات قضائية، إلى جانب فقدانهم وظائفهم وتعطّل مساراتهم التعليمية، ومعاناتهم من آثار صحية ونفسية معقّدة. ويضيف أن هذه التحديات تجعل من عملية الاندماج أكثر صعوبة، وتضعهم في حالة هشاشة مستمرة.
ويرى أن المجتمع المدني، رغم جهوده، غير قادر على التعامل مع هذا الملف بمفرده، مشدداً على ضرورة تدخل حكومي منظم، بالتعاون مع المنظمات الدولية، لإطلاق برامج شاملة تشمل الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي. ويؤكد أن "إعادة تأهيل المعتقلين السابقين لا يمكن أن تتم من دون توفير مقومات الحياة الأساسية، وفي مقدمتها العمل والاستقرار".
ويلفت سرية إلى وجود مبادرات محلية، مثل مشروع "مركز العائلة"، الذي يوفر دعماً نفسياً واجتماعياً لضحايا التعذيب وعائلات المختفين قسرياً، بالتعاون مع مراكز دولية متخصصة. إلا أن هذه الجهود، بحسب قوله، لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات، في ظل وجود آلاف الحالات التي تتطلب متابعة طويلة الأمد.
في ظل ذلك، تبدو قصص الناجين من سجن صيدنايا أقرب إلى بدايات مفتوحة على المجهول، حيث لا يكفي الخروج من المعتقل لإغلاق الملف، بل يحتاج الأمر إلى مسار طويل من التعافي، يتقاطع فيه النفسي مع المعيشي، والفردي مع المؤسسي، في محاولة لإعادة بناء حياة فقدت توازنها لسنوات.