المغرب: محاولات هجرة "من السماء" إلى سبتة

03 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:03 (توقيت القدس)
عند الحدود البحرية بين المغرب وسبتة المحتلة، 14 أكتوبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- لجأ المهاجرون إلى استخدام طرق مبتكرة مثل المظلات الطائرة للوصول إلى سبتة، مما يعكس يأسهم من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلدانهم.
- الحوادث الأخيرة في سبتة تكشف ثغرات في أنظمة المراقبة الحدودية، مما يستدعي مراجعة السياسات الأمنية والتركيز على معالجة أسباب الهجرة مثل البطالة والفقر.
- يواجه التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا تحديات مع ظهور طرق هجرة جديدة، مما يتطلب تحركاً وطنياً وإقليمياً لتعزيز قنوات الهجرة القانونية وضمان الكرامة والأمن.

يمضي الراغبون بالهجرة إلى أوروبا في ابتكار أساليب لبلوغ "حياة أفضل". ولعلّ آخر تلك الابتكارات، من المغرب إلى مدينة سبتة الخاضعة للسيطرة الإسبانية، التحليق بالمظلة، بعد تشديد الخناق على المسارَين البرّي والبحري.

يدفع البحث عن أفق جديد الحالمين ببلوغ الفردوس الأوروبي إلى ابتكار طرق جديدة للهجرة إلى مدينة سبتة شمالي المغرب، على الرغم من المخاطر الكبيرة التي يكابدونها في مغامراتهم تلك؛ ولا سيّما لجهة تهديد حياتهم. وفي حين لوحِظ، في الأسابيع الماضية، تفضيل المهاجرين، من بينهم قاصرون غير مصحوبين بذويهم، الوصول إلى مدينة سبتة سباحة إمّا فردياً أو جماعياً، من خلال الاستفادة من نزول الضباب الذي يعوّق المراقبة الأمنية عبر الحدود البحرية، كان لافتاً تسجيل تحوّل نوعي في أساليب الهجرة بعد تشديد المراقبة على البرّ والبحر. وهكذا، في الأيام الأخيرة، كان لجوء إلى طريقة جديدة لتحقيق حلم الوصول إلى الضفة الأخرى، وذلك "من السماء" باستخدام مظلات الطيران.

وبينما نجحت التدخّلات الأمنية الاستباقية في شمال المغرب وفي مدينة سبتة بإجهاض تكرار موجة هجرة جماعية دعت إليها جهات مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، في منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، تمكّن مهاجر من دول أفريقيا جنوب الصحراء، يوم الأربعاء الماضي، من النجاح في تجاوز السياج الحدودي الفاصل بين المغرب ومدينة سبتة الخاضعة لسيطرة إسبانيا عبر التحليق بمظلة، في سابقة تعكس تطوّراً لافتاً في أساليب الهجرة غير النظامية.

وقد نقلت وسائل إعلام مغربية وأخرى إسبانية أنّ المهاجر المذكور عمد إلى القفز من قمّة أحد الجبال المطلّة على سبتة، ونجح في الوصول إلى وجهته المبتغاة قبل أن يتمكّن عناصر من الحرس المدني الإسباني من إيقافه ويعمد إلى تسليمه في اليوم نفسه إلى السلطات المغربية للمباشرة في التحقيقات واتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقه.

وأفادت صحيفة "إل فارو ديه ثوتا" (منارة سبتة) بأنّ الحادثة تُعَدّ الثانية من نوعها في شهر أكتوبر المنصرم، بعد واقعة مماثلة سُجّلت في الثالث منه، إلى جانب محاولة ثالثة أحبطتها السلطات المغربية قبل الانطلاق بها. وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أنّ الحرس المدني لم يكن يجد في هذه الطريقة مصدر قلق ولا هي وسيلة شائعة، غير أنّ تكرارها في الفترة الأخيرة يُظهر تنظيماً محكماً أو دعماً لوجستياً يسمح لعدد من المهاجرين بالحصول على المعدّات اللازمة لخوض هذه الرحلة وتنفيذ محاولات مدروسة.

في هذا الإطار، يقول رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان عادل تشيكيطو لـ"العربي الجديد" إنّ "الواقعة تطرح أسئلة مقلقة على المستوى الأمني، إذ تكشف عن ثغرات جديدة في أنظمة المراقبة الحدودية، وتستدعي من السلطات المغربية والأوروبية على حدّ سواء مراجعة مقاربتهما الأمنية للهجرة غير النظامية، لمصلحة مقاربة إنسانية تنموية وحقوقية تراعي جذور الظاهرة وليس مظاهرها فقط". ويوضح تشيكيطو، الذي يترأس أقدم تنظيم حقوقي مستقلّ في المغرب، أنّ "الشاب الذي يغامر بحياته بواسطة مظلة يبحث في الحقيقة عن كرامة مفقودة وفرصة حياة، وهو ليس مجرماً ولا متسللاً،" مشيراً إلى أنّ "التعامل مع الظاهرة بمنطق العقاب أو العسكرة لن يحدّ من الهجرة، بل سوف يدفع نحو مزيد من المخاطرة والتطرّف في الأساليب".

الصورة
مراقبة إسبانية لضبط الهجرة من المغرب إلى سبتة - 14 أكتوبر 2025 (Getty)
مراقبة جوية إسبانية لضبط الهجرة من المغرب إلى سبتة، 14 أكتوبر 2025 (Getty)

ويبيّن الحقوقي المغربي أنّ "تحوّل القفز بالمظلة إلى وسيلة جديدة للهجرة نحو سبتة المحتلة يعكس بوضوح مستوى اليأس والإحباط الذي بات يدفع الشبّان المغاربة والأفارقة من دول جنوب الصحراء إلى ابتكار وسائل خطرة وغير مسبوقة لعبور الحدود، بعد تشديد المراقبة التقليدية على البرّ والبحر". ويتابع تشيكيطو أنّ "هذا التطوّر، إن بدا غريباً أو مثيراً من الناحية التقنية، إلا أنّه يحمل دلالات إنسانية عميقة؛ مفادها أنّ مناخ الإغلاق وغياب الأمل في تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالإضافة إلى سياسات الهجرة الأوروبية الصارمة كلّها عوامل تخلق بيئة تدفع إلى مغامرات انتحارية لا تقلّ خطراً عن الهجرة عبر البحر". ويرى تشيكيطو أنّ "المطلوب اليوم هو تحرّك وطني وكذلك تحرّك إقليمي جادان لإيجاد بدائل واقعية للشبّان، تُمكّنهم من تحقيق ذواتهم في بلدانهم، إلى جانب تعزيز قنوات الهجرة القانونية والمنظمة التي تضمن الكرامة والأمن للجميع".

من جهته، يصف رئيس مرصد التواصل والهجرة في أمستردام جمال الدين ريان، في تصريح لـ"العربي الجديد"، "ما شهدته مدينة سبتة المحتلة في الأيام الماضية بأنّه تطوّر غير متوقّع في طرق الهجرة غير النظامية، وهو يؤشّر إلى مدى إبداع المهاجرين في مواجهة الإجراءات الأمنية الصارمة". يتابع أنّه "لم تعد الطرق التقليدية، من قبيل عبور السياج أو السباحة، مجدية أمام الحواجز الأمنية المتزايدة، الأمر الذي دفع البعض إلى التفكير بطرق جريئة وغير مألوفة مثل القفز بالمظلة، بحثاً عن فرصة أفضل للوصول إلى الضفة الأخرى".

وتُبرز هذه الحوادث، بحسب ما يشرح ريان، "حدود فعالية آليات المراقبة الحالية التي تركّز بصورة رئيسية على البرّ والبحر، في حين تظلّ الرقابة أقلّ على الأجواء"، ويشير إلى أنّ "استخدام المظلات يكشف عن ثغرات تستدعي من السلطات إعادة النظر في استراتيجياتها وتوسيع نطاق المراقبة ليشمل الجوّ". ويرى الخبير في مجال الهجرة أنّ "اختيار هذه الوسائل الخطرة للهجرة يسلط الضوء على حجم الإحباط واليأس اللذَين يعيشهما الشبّان في المنطقة"، مؤكداً أنّهم "على استعداد للمغامرة بحياتهم عبر وسائل في غاية الخطورة، هرباً من ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية في بلدانهم الأصلية".

ويتوقّع رئيس مرصد التواصل والهجرة في أمستردام أن "يزيد ظهور طرق هجرة جديدة وغير متوقّعة من حجم التحديات أمام التعاون الأمني بين الرباط ومدريد"، لافتاً إلى أنّ "السلطات الإسبانية سوف تطالب بمزيد من الحزم والتعاون، فيما يواجه المغرب ضغوطاً متزايدة من الجانب الأوروبي للحدّ من تدفّق المهاجرين".

ويذكر ريان أنّ "المهاجرين سوف يستمرون في البحث عن أساليب مبتكرة، طالما بقيت الأسباب العميقة للهجرة من دون حلول حقيقية"، مبيّناً أنّ "التحول في طرق الهجرة يوجّه رسالة واضحة لصنّاع القرار حول ضرورة معالجة القضايا الجوهرية مثل البطالة والفقر وغياب الأمل، وعدم الاكتفاء بالحلول الأمنية فقط". ويلفت إلى أنّ "تحوّل القفز بالمظلة إلى وسيلة للهجرة نحو سبتة يكشف عن مرحلة جديدة من التحديات الأمنية والإنسانية المعقّدة، ويطرح تساؤلات ملحّة حول جدوى السياسات الحالية"، مشدّداً على أنّ "هذا الواقع الجديد يستدعي إعادة تقييم شاملة للسياسات المعتمدة، والتركيز على معالجة جذور الأزمة، حتى لا تصير مثل هذه المخاطرات اليائسة خيار وحيداً أمام شبّان المنطقة".

المساهمون