اللغة العربية ضحية في سباق الالتحاق بالجامعات المصرية

24 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 16:23 (توقيت القدس)
طلاب مصريون داخل مكتبة الإسكندرية، 23 نوفمبر 2019 (فريدريك سلطان/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تزايد إقبال الطلاب المصريين على البرامج الدولية وثنائية اللغة في الجامعات، مع تفضيل اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية لأهميتها في سوق العمل، مما يعكس تراجع الاهتمام بدراسة اللغة العربية.

- تواجه اللغة العربية تحديات منها الطرق التقليدية في التدريس وضعف الأنشطة المدرسية، بالإضافة إلى تأثير الإعلام الذي يفضل العامية، مما يقلل من جاذبية الفصحى ويؤثر على الهوية الثقافية.

- يدعو الخبراء إلى تحديث المناهج التعليمية، تحسين تدريب المعلمين، وتفعيل دور الإعلام في تقديم الفصحى، مع دعم الترجمة والأنشطة الثقافية لتعزيز مكانة اللغة العربية.

تتزايد أعداد الطلاب المصريين الملتحقين بالبرامج الدولية أو ثنائية اللغة في الجامعات، الحكومية والخاصة، والتي تتيح الدراسة باللغات الأجنبية.

مع قرب ظهور نتائج الثانوية العامة في مصر، يبدأ الطلاب ترتيب أولوياتهم لاختيار الكليات التي تلائم طموحاتهم. وفي حين يتجه معظمهم نحو ما يُعرف بـ"كليات القمة" التي تضم الطب والهندسة والإعلام والعلوم السياسية، تبرز ظاهرة تراجع الإقبال على دراسة اللغة العربية، لا سيما في كليات الآداب والتربية، في مقابل تزاحم الطلاب على دراسة اللغات الأجنبية، خصوصاً الإنكليزية والفرنسية.
وتشير دراسة صادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار الحكومي (يونيو/حزيران 2022)، إلى تزايد توجه الأسر المصرية نحو التعليم الدولي والخاص بدافع تأمين مستقبل أفضل لأبنائهم، إذ ارتفع عدد المدارس الدولية من 168 مدرسة في عام 2011، إلى 785 مدرسة في 2020، مع تسجيل نحو 2.5 مليون طالب في تلك المدارس.
ويُعزى هذا التوجه إلى إدراك متزايد بأهمية إتقان اللغات الأجنبية وفق متطلبات سوق العمل، مما يعزز الإقبال على مدارس اللغات والتعليم الأجنبي، ويؤدي في المقابل إلى تراجع الاهتمام باللغة العربية. ويعكس التوسع في التعليم باللغات الأجنبية قناعة لدى شريحة واسعة من الطلاب وأولياء الأمور بأن اللغة العربية لم تعد كافية لتأمين المستقبل المهني أو الأكاديمي، لا سيما في القطاعات المصرفية والإعلامية والتكنولوجية.

تقول الطالبة سلمى طارق، إن الإقبال على تعلم اللغات الأجنبية لا يرتبط فقط بالسعي وراء فرص العمل، بل يتجاوز ذلك إلى الرغبة في الانفتاح على العالم. وتضيف: "نتعلم اللغات لأننا نرغب في التعرف إلى ثقافات جديدة، ولا نريد أن تظل معرفتنا محصورة في لغة بلدنا وحدها".
وتقول الطالبة مريم أنس، إنها تفضل تعلم اللغات الأجنبية لأنها "غير مألوفة، وأجدها ممتعة". مشيرة إلى أن "الجميع يتحدث عن أهمية تعلم اللغات الأجنبية لما تتيحه من فرص أكبر في سوق العمل، ما يجعل تعلمها عاملاً حاسماً في المستقبل المهني". ويؤكد الطالب يوسف حسين، أن اللغة الإنكليزية أصبحت "لغة العصر والعمل"، ما يدفع الطلاب إلى التركيز عليها.

ورغم حبه للغة العربية، يعترف بأنه يشعر اليوم بانفصال عنها، مرجعاً ذلك إلى الطريقة التقليدية في تدريسها، ويقترح تبسيط المناهج، وتقديم اللغة بأساليب ممتعة، إلى جانب إدماجها في الألعاب والتطبيقات الرقمية، وتنظيم مسابقات تشجع الطلاب على الإبداع بالعربية، كما يدعو إلى ربط اللغة بالتكنولوجيا "حتى يدرك الطلاب أنها ليست عبئاً، بل وسيلة لفهم هويتهم وتراثهم".
لكن أزمة اللغة العربية لا تتوقف عند حدود سوق العمل، بل تمتد إلى المجال الأكاديمي والإعلامي. وكشفت دراسة صادرة عن "المجلة المصرية لبحوث الاتصال الجماهيري" في عام 2020، أن أكثر من 74% من مقاطع الفيديو التي تنتج في مصر لتُعرض عبر شبكة الإنترنت، تعتمد على اللهجة العامية، في مقابل 18% فقط تستخدم الفصحى، ما يُبرز حجم التراجع في استخدام اللغة العربية المعيارية، حتى في الفضاء الرقمي.

وأصبحت كليات الإعلام تعتمد برامج باللغتين الفرنسية والإنكليزية مع تزايد العزوف عن البرامج التي تُدرّس بالعربية، ويتكرر الأمر في كليات الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث أصبحت البرامج باللغة الإنكليزية أكثر جذباً للطلاب.
يقول أستاذ المناهج وطرق التدريس، محمد عبد العزيز، إن "تراجع مكانة اللغة العربية لدى الطلاب وأسرهم يرتبط بشكل وثيق بواقع العولمة وانتشار التكنولوجيا، حيث أصبحت اللغات الأجنبية، وعلى رأسها الإنكليزية، تمثل بوابة أساسية للعمل والتواصل، بينما تراجع حضور العربية في الحياة اليومية وسوق العمل، ما أفقدها جاذبيتها لدى الأجيال الجديدة، والنظام التعليمي يساهم في هذا التراجع، إذ لا تزال اللغة العربية تُدرّس بأساليب تقليدية تفتقر إلى التفاعل والتبسيط، في حين تُقدّم اللغات الأجنبية بطرق حديثة تحفز الطلاب وتشد انتباههم".

ويشير إلى أن "الإعلام أيضاً يؤدي دوراً سلبياً، إذ تهيمن العامية وتتراجع الفصحى، ما يجعلها غريبة على آذان الطلاب، ويضعف مكانتها في أذهانهم. ينبغي العودة إلى إنتاج برامج ومسلسلات بالفصحى، تتناول موضوعات ثقافية ودينية بشكل جذاب ومعاصر، فاللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل حامل للثقافة، ومكوّن أساسي للهوية، وإهمالها يقود إلى ضعف مهارات القراءة، وبالتالي ضعف الانتماء، وزيادة قابلية الشباب للتأثر بأفكار وافدة قد تهدد تماسكهم الثقافي".

ويدعو عبد العزيز إلى "مراجعة شاملة للمناهج، وجعلها أكثر ارتباطاً بحياة الطلاب، مع تنشيط الأنشطة الثقافية والفنية داخل المدارس، وتحسين تدريب المعلمين على أساليب التدريس الحديثة، وبدور فاعل للإعلام في تقديم الفصحى بصورة جذابة، إلى جانب دعم حركة الترجمة إلى العربية، ما يعزز الثقافة والمعرفة، من دون الاضطرار للاعتماد الكامل على اللغات الأجنبية".

من زيارة الرئيس الفرنسي لجامعة القاهرة، 7 إبريل 2025 (فرانس برس)
من زيارة الرئيس الفرنسي لجامعة القاهرة، 7 إبريل 2025 (فرانس برس)

بدوره، يقول أستاذ علم النفس التربوي، عاصم حجازي، إن "تراجع اهتمام الطلاب وأولياء الأمور باللغة العربية يعود بالأساس إلى أسباب اقتصادية واجتماعية، إذ بات يُنظر إلى اللغات الأجنبية، وخصوصاً الإنكليزية، بوصفها سبيلاً للوظائف وفرص السفر والمكانة الاجتماعية. النظام التعليمي يساهم في تفاقم الأزمة، إذ يجعل العربية تبدو صعبة وجامدة في نظر كثير من الطلاب، ومناهج اللغة العربية مفصولة عن السياق الثقافي والحياتي، مع ضعف شديد في الأنشطة المرتبطة بها داخل المدارس، إضافة إلى دور الإعلام السلبي الذي يساهم في ترسيخ النظرة الدونية للفصحى، والترويج للإنكليزية بوصفها رمزاً للنجاح والرقي". ويحذر حجازي من أن استمرار هذا التراجع قد يؤدي إلى إضعاف الهوية الثقافية والوطنية لدى الأجيال الجديدة.

ويؤكد مدرس اللغة العربية، سيد القوصي، أن "تعلم العربية يواجه صعوبات عدة، أبرزها كثرة القواعد النحوية، والاعتماد على النطق الصحيح من خلال مخارج الحروف، إلى جانب تنوع فروع اللغة، واختلاف استخداماتها. عدم استخدام الفصحى في الحياة اليومية، ووجود ازدواجية لغوية بين الفصحى والعامية يسهمان في تعقيد تعلم الطلاب. ولا ينفي ذلك أن الكثير من معلمي العربية يفتقرون إلى التأهيل الكافي، ما يجعل طريقة تدريسهم منفّرة. علينا ترسيخ استخدام الفصحى في الحياة اليومية، وتوجيه وسائل الإعلام لاعتمادها في البرامج والمحتوى العام، إلى جانب تأهيل المعلمين، والاهتمام بتعليم القواعد الأساسية منذ الصفوف الأولى لتعزيز مكانة اللغة لدى الأجيال الجديدة".

ويشير معلم اللغة العربية، علي فكري، إلى أن "نفور الطلاب من العربية يتفاقم بسبب طرق التدريس المعتمدة على الحفظ، وضعف أداء بعض المعلمين، وقلة تدريب الطلاب على نماذج الأسئلة، إلى جانب صعوبة بعض النصوص. ينبغي إعادة النظر في المناهج المُكدسة بالمعلومات، والتركيز على تنمية مهارات القراءة والفهم، وتحفيز الطلاب على التفاعل داخل الصفوف، إلى جانب تدريبهم المستمر على أنماط الأسئلة المختلفة لتعزيز ثقتهم وفهمهم للغة".