القدس بلا مدارس "أونروا"... دفع الطلاب إلى المنهاج الإسرائيلي
استمع إلى الملخص
- يعود إغلاق مدارس "أونروا" إلى قوانين إسرائيلية، مما أثر على أكثر من 1200 طالب وسبب نقصًا في البنى التعليمية في القدس، حيث تعاني المدينة من عجز يفوق 2200 غرفة صفية.
- حذر الناطق باسم لجنة أولياء أمور طلاب القدس من خطورة الوضع على الهوية الوطنية الفلسطينية، داعيًا إلى تدخل المؤسسات الفلسطينية وجهود دبلوماسية لدعم التعليم في القدس.
يواجه الطلاب المقدسيون في مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) التي أغلقها الاحتلال الإسرائيلي واقعاً معقداً مع انطلاق العام الدراسي الجديد في القدس المحتلة، أمس الاثنين. وبينما اضطر قسم منهم للالتحاق بمدارس بلدية الاحتلال في القدس والخضوع للمنهاج الإسرائيلي، لجأ آخرون إلى مدارس خاصة ذات قدرة استيعاب محدودة، وبقي آخرون عالقون في انتظار افتتاح مدارس بديلة تابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية لم تبدأ عامها الدراسي حتى الآن.
جاء ذلك نتيجة قرار إسرائيل إغلاق مدارس "أونروا" في القدس الذي ترك مستقبل الطلاب معلقاً بين "أسرلة التعليم" وتذويب الهوية الوطنية الفلسطينية، أو الحرمان من حقهم في التعلم. وبحسب "أونروا" يُطاول القرار أكثر من 850 طالباً، بينما تتحدث مؤسسات مقدسية عن أكثر من 1200 طالب بسبب وجود طلاب من مناطق الضفة الغربية في مدارس المخيمات.
وتعود جذور القرار الإسرائيلي إلى 28 أكتوبر/تشرين الأول 2024، حين صادق الكنيست على قانونين يمنعان وكالة "أونروا" من ممارسة أي أنشطة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويسحبان التسهيلات الممنوحة لها فضلاً عن منع أي اتصال رسمي معها. ودخل القانونان حيّز التنفيذ في 30 يناير/كانون الثاني الماضي. وفي 8 إبريل/نيسان 2025، أصدرت سلطات الاحتلال قرار إغلاق مدارس الوكالة في القدس، ونُفّذ القرار في 8 مايو/أيار الماضي، ما أسس لمرحلة جديدة من الحرب الإسرائيلية ضد التعليم الفلسطيني.
وانطلق العام الدراسي بإشكاليات كبيرة، أبرزها وفق الناطق باسم لجنة أولياء أمور طلاب القدس، رمضان طه، "مواجهة طلاب وأهاليهم مصيرهم وحدهم بعدما تخلّت الأونروا عن مسؤولياتها تجاههم في المدينة ومخيّماتها. وبات نحو 150 طالباً بلا مدارس تستوعبهم أو تستقبلهم بسبب عدم وجود متسع لهم في المدارس الخاصة، أو عدم قدرتهم على تغطية الالتزامات المادية لهذه المدارس، ورفضهم التوجه نحو التعليم في مدارس التابعة لبلدية الاحتلال.
وتحدث طه لـ"العربي الجديد" عن أن "قرار إغلاق مدارس أونروا دخل حيّز التنفيذ فعلياً ليس فقط بعد إغلاق المدارس قبل نحو أربع أشهر، بل بعد توزيع مديري ومعلمي الوكالة في المدارس المغلقة على مدارس أخرى في مناطق بيت لحم وأبو ديس وأريحا. ولم يُطلب من أي معلم الاستمرار بالدوام في مدارس القدس، ما يعني أن الأونروا تخلّت عن التزاماتها بالكامل. وبررت ما حصل بأنها تتعرض لقرار سياسي، رغم أن من واجبها حشد الدعم الدولي، وتجييش دول العالم لمحاولة إلغاء القرار لذا نشعر بتقصير كبير من الوكالة، ونحمّلها المسؤولية أيضاً".
عموماً تكشف أزمة إغلاق مدارس "أونروا" حجم النقص الكبير في البنى التعليمية بالقدس التي تعاني من عجز يفوق 2200 غرفة صفية يفترض أن تضم كل منها 30 طالباً. وبدلًا من تغطية هذا العجز تواصل سلطات الاحتلال إغلاق المدارس، وآخرها مدرسة الاستقلال الأهلية في شعفاط الأسبوع الماضي بحجة أنها تدرّس "مناهج إرهابية"، ما سيضاعف أعباء التعليم في القدس.
وحذر الناطق باسم لجنة أولياء أمور طلاب القدس من خطورة القرار على جانبين. وأوضح أن الخطر الأول يتمثل في بقاء نحو 150 طالباً بلا تعليم حتى الآن، فيما فُتحت أبواب مدارس بلدية الاحتلال في القدس أمام طلاب آخرين اضطروا إلى التسجيل فيها، وهو ما يتسق مع هدف دفع الاحتلال الطلاب إلى تلقي التعليم الإسرائيلي. أما الخطر الثاني فغياب البدائل المحلية لاستيعاب هؤلاء الطلاب، ما يشكل خطراً مباشراً يمهّد لتسريع عملية "أسرلة التعليم" في المدينة.
ويسعى الاحتلال من خلال هذه الإجراءات إلى مسح وعي الطلاب، وتغيير شعور الانتماء الوطني لديهم، عبر خلق نموذج "الطالب الفلسطيني المسالم" الذي يرى بيته يُهدم أو عائلته تُستهدف، ويلتزم الصمت، بحسب ما قال طه. أضاف: "المناهج الإسرائيلية تشكّل خطراً كبيراً على وعي الطلاب وهويتهم الوطنية، وهناك محاولات واضحة لإخضاع المجتمع المقدسي وجعله يعيش في حالة خنوع، ودفع بعض الطلاب نحو التجهيل في حال رفضوا الالتحاق بمدارس إسرائيلية".
وأكد طه أن أولياء الأمور لا يتحملون وحدهم مسؤولية مواجهة هذه السياسات، فالمؤسسات الرسمية الفلسطينية يجب أن تدافع بالدرجة الأولى عن حق الطلاب في التعليم وإيجاد الحلول العاجلة. وشدّد على أن "السلطة الفلسطينية مطالبة بـ"تجييش الموقف الدولي لدعم التعليم في القدس، عبر جهود ديبلوماسية متواصلة، لأن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وإذا لم يحدث ذلك سيسيطر الاحتلال بالكامل ويفرض روايته الخاصة بجعل القدس عاصمة موحّدة لإسرائيل".
واعتبر طلاب مخيم شعفاط الأكثر تضرراً من إغلاق مدارس "أونروا" لأنه يضم ثلاث مدارس. وقال مسؤول اللجنة التعليمية في المخيم، شاهر علقم، لـ"العربي الجديد": "تواصلنا مع وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية لاعتماد مدرسة بديلة في المخيم تابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية، حلاً مؤقتاً في ظل غياب البديل الأساسي المتمثل بمدارس أونروا". تابع: "أبناؤنا حتى الآن خارج المدارس، ونحن نتواصل مع وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية للوصول إلى اتفاق مؤقت يبدأ تنفيذه قريباً، وستوفّر وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية الكادر التعليمي للمدرسة البديلة من الصف الخامس حتى العاشر الأساسي. وهي ستتسع لثماني غرف صفية، وتدفع مؤسسات المجتمع المدني في مخيم شعفاط تكلفة تأسيسها".
وذكر علقم أن "نحو 700 طالب وطالبة كانوا يتلقون تعليمهم في مدارس أونروا في المخيم قبل الإغلاق، لأن جزءاً منهم من خارج المخيم، لكن نحو 50% منهم اضطروا إلى الذهاب إلى مدارس الاحتلال، وهذا الخيار الوحيد أمام الأهالي، مع أننا حذرنا سابقاً من هذا المخطط" ويشكل ذلك خطوة تمهيدية لدفع الطلاب إلى المنهاج الإسرائيلي. بصراحة لا نعرف ماذا سنفعل، والوضع سيئ جداً".