استمع إلى الملخص
- تتنوع دوافع العيش الفردي بين الرغبة في الاستقلالية والظروف الشخصية مثل الطلاق، مع تحديات كالوحدة والقلق من عدم وجود دعم في الطوارئ، ومخاوف من الاكتئاب.
- تلعب العوامل الثقافية والاقتصادية دوراً كبيراً في انتشار العيش الفردي، مع تأثير قيم الحداثة وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، رغم تحذيرات من مخاطر الوحدة.
في أزقة مدن إيران وشققها ومنازلها، ولا سيما المدن الكبيرة، تتشكل أنماط وحكايات جديدة لحياة أشخاص كثيرين من بينها العيش وحيداً، أكان باختيارهم الشخصي أم لأسباب اضطرارية تفرض عليهم بسبب ظروف معينة. ويزداد عدد من يمكثون وحدهم في مساكن مستقلة من دون أسرة أو شريك حياة.
عام 2016 أفادت بيانات أصدرها مركز الإحصاء الإيراني بأن نسبة الأسر الأحادية الفرد من إجمالي أسر البلاد هي نحو 8%، في حين تشير تقديرات حديثة إلى أنّها تجاوزت 12% اليوم، وأن نحو 3 ملايين إيراني يعيشون وحدهم. وتتصدر مدن طهران وأصفهان وشيراز قائمة المحافظات الأكثر احتضاناً للأسر الأحادية الفرد، بعدما جعلت الإيجارات المرتفعة، ونمط العمل المستقل، والتنقل الوظيفي، العيش وحيداً خياراً أكثر ملاءمة لكثيرين.
وأخيراً، نشرت صحيفة "شرق" الإيرانية تقريراً عن هذه الظاهرة بعدما عثرت الشرطة على جثتي أم وابنتها كانتا تعيشان وحدهما في طهران، ثم وُجدتا في فبراير/ شباط الماضي داخل شقة في مجمع "أكباتان" السكني غربي العاصمة الإيرانية، بعدما أبلغ الجيران السلطات بأن رائحة تعفن انتشرت في المبنى. وعندما فتحت الشرطة باب الشقة اكتشفت أن المرأتين توفيتا منذ وقت طويل من دون أن يسأل أحد عنهما أو يطرق باب جيرانهما للاطمئنان.
ويقول صالح قاسمي، الأمين العام للمركز الاستراتيجي لدراسات السكان في إيران، لـ"العربي الجديد": "تضم إيران نحو 25 مليون أسرة، وتشكل الأُسر الأحادية الفرد نسبة 12 أو 13% منها (نحو ثلاثة ملايين)، وهي تعني أسرة تضم شخصاً واحداً وتشمل فئات عدة مثل من لم يسبق لهم الزواج، أو من تزوجوا ثم انفصلوا، أو تزوجوا ثم فقدوا أزواجهم بسبب الوفاة ويعيشون الآن وحدهم، وأيضاً من اختاروا العزوبية بإرادتهم بعد الطلاق أو الوفاة". يضيف: "عدد كبير من الأسر الأُحادية الفرد كبار في السن فقدوا أزواجهم ويعيشون وحدهم، أما الباقون فهم من فئات عمرية أخرى بينهم شبان".
تقول مريم (32 سنة) التي تعمل موظفة في بنك بشارع ولي عصر في طهران، وتعيش وحدها منذ أربع سنوات، لـ"العربي الجديد": "اخترت شخصياً هذا النمط من الحياة، وكان الأمر صعباً في البداية حين كنت أشعر أن الصمت كثيف وثقيل بدرجة كبيرة حين أعود إلى المنزل، ثم أدركت شيئاً فشيئاً أن راحتي تكمن هنا، في وقت تعيش أسرتي في كرج، وتعتبر لقاءاتي محدودة مع أفرادها بمعدل مرة واحدة في الأسبوع. ورغم ذلك تشكل التكاليف صداعاً دائماً لي خصوصاً أن الإيجار يتضاعف كل عام". وتوضح أنها تعلمت أن تطور مهارات اقتصادية للإفادة منها في حياتها المنفردة، ومن بينها الطهي المقتصد، وأنها باتت تنفذ عمليات شراء بطريقة مدروسة، لكن التضخم المرتفع جعل هذه المهارات أقل فعّالية. وتشير إلى أنها لا تريد الزواج، وتفضل العيش وحدها على العيش المشترك.
أما علي رضا (50 سنة)، وهو معلم فيزياء متقاعد استأجر بعد طلاقه منزلاً في حي سهرودي وسط العاصمة في اتجاه شمالها الثري، فيقول لـ"العربي الجديد": "لم أتوقع أن أن أملك القدرة على التعايش مع الوحدة، لكنني أقرأ الآن كتاباً جديداً كل ليلة، وأستمع إلى موسيقى تقليدية، وأحتسي كوب شاي، ضمن برنامجي اليومي المفضل. ورغم ذلك أعلم أنني إذا مرضت أو حدثت مشكلة لي لن يوجد أحد إلى جانبي. وهذه المخاوف تكون أكثر وضوحاً في فترات الوحدة الكاملة". يضيف: "لا أطفال لدي، ولا أتواصل مع شقيقي إلا كل شهرين تقريباً. ورغم أنني أملأ وقتي حالياً بالقراءة والاستماع إلى الموسيقى أخشى أن أقع في براثن الاكتئاب الذي قد يسبّب مشكلات نفسية كبيرة لي تؤثر على حياتي".
وتروي فرشته (55 سنة) لـ"العربي الجديد" أنها لم ترغب في أن تعيش مع أبنائها بعد وفاة زوجها، وتقول: "لدى أولادي حياتهم الخاصة، وقد اخترت شخصياً الانفراد والصمت كي لا أكون عبئاً على أحد. أتحدث كل يوم مع زوجي الراحل. أتأمل صورنا، وأعتني بأزهاري، وحين مرضت فهمت معنى الوحدة، لكنني شُفيت بسرعة ولم أسمح لأبنائي بأن يلاحظوا أي شيء".
ويرتبط اختيار أسلوب الحياة الأحادي الفرد وانتشاره في المجتمع الإيراني بمجموعة عوامل من بينها تخطيط المدن والسياسات الاقتصادية والثقافية الكبرى التي تؤثر في شكل مباشر أو غير مباشر في قرارات الأفراد. ويقول حسين إيماني جاجرمي، أستاذ علم الاجتماع الحضري في جامعة طهران الذي أجرى بحوثاً في ظاهرة العيش الفردي، لصحيفة "شرق": "أصبح العيش الفردي أحد أكبر التحوّلات الاجتماعية المعاصرة. وفي العديد من المدن الكبرى يشكل الأفراد الذين يعيشون وحدهم شريحة واسعة من الأسر. وتسارع هذا الاتجاه منذ منتصف القرن العشرين نما بوتيرة سريعة". يتابع: "أثّر العيش في عصر تحكمه قيم الحداثة، مثل حرية الاختيار وتأكيد الاستقلالية الذاتية، على تربية الأطفال وتصميم المنازل، ومن ثم الأساليب. ويرى الوالدان حالياً أنه من واجبهم تخصيص غرفة مستقلة لكل طفل. وهناك عامل آخر يتعلق بالنساء والاقتصاد، فزيادة مشاركة النساء في سوق العمل منحتهم القدرة على الحياة المستقلة. وهناك أيضاً عامل بنيوي مهم، هو نمو التحضر والمدن الكبرى، إذ توفر هذه المدن فرصاً اجتماعية وثقافية ورفاهية تجعل العيش الفردي أكثر جاذبية".
ويتحدث إيماني أيضاً عن أن التحوّلات الأسرية، مثل ارتفاع معدلات الطلاق، وتأخير سن الزواج، وتراجع معدل الخصوبة، دعمت العيش الفردي. ويؤكد أن الأفراد باتوا لا يحتاجون إلى الأسرة كما في السابق لأن دورها التقليدي تراجع".
وتقول معصومة صالحي، المديرة التنفيذية لجمعية ألزهايمر الإيرانية لـ"العربي الجديد": "قد تؤدي الوحدة إلى الاكتئاب الذي يُعد أحد العوامل الخطرة للإصابة بمرض ألزهايمر. وكلما امتلك الشخص علاقات اجتماعية أوسع ووجود أكبر في التجمعات، ومشاركة أكبر في الأنشطة الاجتماعية ساعدته الهرمونات التي يفرزها الجسم نتيجة شعوره بالرضا عن نفسه على تجنّب الاكتئاب وأنواع أخرى من الخرف".