العاصمة المثلثة... الخرطوم التي مزّقتها الحرب وملأتها الجثث

29 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:57 (توقيت القدس)
قبور مؤقتة في جنوب الخرطوم، 2 أغسطس 2025 (إبراهيم حامد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني الخرطوم من دمار شامل بسبب الحرب المستمرة لأكثر من 32 شهراً، حيث تحولت المباني إلى أطلال وتكدست النفايات، مع خسائر هائلة في البنية التحتية وتحويل المستشفيات والمدارس إلى ثكنات عسكرية.
- يواجه السكان نقصاً حاداً في المياه والكهرباء، حيث تعرضت معظم المحطات للتدمير، مما أجبرهم على استخدام الدواب لنقل المياه، وفقد قطاع الكهرباء 90% من منشآته.
- يعاني العائدون والنازحون من صعوبات في الحصول على الخدمات الأساسية وسط ارتفاع الأسعار، مع توقف معظم المستشفيات عن العمل وانتشار النفايات والأمراض.

تعيش العاصمة السودانية الخرطوم أسوأ أيامها، إذ تحولت مبانيها إلى أطلال تحتمي فيها الطيور والكلاب والقطط، وتتكدس فيها النفايات، كما صارت ساحاتها مقابر وسط انعدام الخدمات.

حوّلت الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من 32 شهراً أجزاءً مهمة وأحياءً عريقة في العاصمة الخرطوم إلى أنقاضٍ غارقة في الفوضى والظلام والخراب، فضلاً عن حالة اليأس التي سيطرت على المدينة بعد أن كانت نابضة بالحياة والحركة والزحام في أحد أكبر الأقطار الأفريقية مساحة.

وأحدثت الحرب خسائر هائلة في العاصمة المثلثة المؤلفة من ثلاثة مدن، هي الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، بدءاً من مقتل آلاف السكان الذين تحوّلوا إلى ضحايا في معارك دارت فوق رؤوسهم وبين أزقة الأحياء، مروراً بتسوية أحياء بأكملها بالأرض من خلال قصفها بالأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية، وتحويل المستشفيات والمدارس والجامعات وغيرها من المرافق المدنية إلى ثكنات للجنود، وصولاً إلى تدمير محطات إنتاج المياه وخطوط التوزيع، واقتلاع أعمدة وأسلاك الكهرباء، وهدم ثلاثة جسور أساسية هي شمبات، والحلفايا، وجبل أولياء، مع تشريد أكثر من أربعة ملايين سوداني، بحسب إحصائيات غير رسمية.

وعلى وقع تلك الخسائر الضخمة، تعيش الخرطوم أسوأ أيامها، إذ تحوّلت مبانيها الشاهقة إلى أطلال، وتكدّست على طرقاتها تلال النفايات، وصارت ساحات اللعب والميادين مقابر دُفنت فيها آلاف الجثث التي تنتظر نقلها إلى المدافن الرسمية بعد التعرّف على هوية أصحابها.

تعرضت 12 محطة مياه للتدمير ما ترك آلاف الأسر في الخرطوم تصارع العطش، وعودة الخدمات مرهونة بتحمّل المواطنين كلفتها

أما سكان الخرطوم الذين لم يغادروها، فهم بالكاد يحصلون على مياه الشرب وينقلونها باستخدام الدواب، كما يطهون الطعام على الحطب، بعد أن كانت أسواق عاصمتهم في السنوات الماضية تعجّ بالسلع والبضائع الواردة من كل أنحاء العالم، وتستقبل مطاراتها الخطوط الجوية العالمية، وتغصّ لياليها بالكازينوهات ودُور السينما وأماكن الترفيه التي تحمل أسماء أجنبية، وتحتضن مسابقات الرقص وملكات الجمال، وتزورها أشهر الفرق الموسيقية العربية والأجنبية، وتقيم فيها جاليات عربية وأجنبية.

ومن بين 13 محطة مياه في العاصمة الخرطوم، تعرّضت 12 محطة للتدمير والتخريب بصورة متعمّدة أثناء الحرب، ونجت محطة واحدة بأقل الخسائر، ويقول مدير عام هيئة مياه الشرب والصرف الصحي بوزارة الري والموارد المائية، هشام الأمير، لـ"العربي الجديد" إن معظم محطات المياه باتت تتطلب جهداً كبيراً من أجل صيانتها وتأهيلها.

وعلى الرغم من محاولة السلطات المحلية في ولاية الخرطوم تصليح الأعطال التي لحقت بمحطات المياه والخطوط الناقلة، غير أن بعض أقدم الأحياء ما زالت تعاني العطش، وينقل سكانها المياه بالبراميل المحمّلة على الدواب، والتي يستخرجونها من الآبار الجوفية.

أزمة مياه وعطش في الخرطوم، 24 يونيو 2023 (فرانس برس)
أزمة مياه متفاقمة في الخرطوم، 24 يونيو 2023 (فرانس برس)

من جنوب الخرطوم، يقول إبراهيم جابر لـ"العربي الجديد": "بعد تدمير محطة المياه التي كانت تغذّي المنطقة، صرنا نحصل على مياه الشرب بمشقة، ونشتريها بالبرميل لأنّ المواسير توقفت منذ بدء الحرب. وبعد توقف العمليات العسكرية في العاصمة، لم تتمكّن السلطات من تجهيز كل المحطات، ما حرم آلاف الأسر من الحصول على المياه"، ويضيف: "المؤسف أن سكان الطبقات العليا لا يمكنهم حمل المياه بالبراميل، وهو ما دفع كثيرين إلى ترك شققهم واللجوء لمنازل أرضية".

وسط الخراب والدمار وأزمة المياه والكهرباء وانتفاء الخدمات الحيوية، تنعدم الحياة في أحياء عريقة بالعاصمة، من بينها أحياء "غاردن سيتي" و"الرياض" و"الطائف" و"المنشية"، ما يمنع عودة النازحين إليها.

كما خسر قطاع الكهرباء في ولاية الخرطوم نحو 90% من المنشآت والشبكات الأساسية بسبب التدمير الممنهج والسرقات التي طاولت المحطات التحويلية والكوابل، وحتّى التوصيلات داخل المنازل جرى تفكيكها وبيعها. ويقول مصدر في الهيئة القومية للكهرباء، طلب عدم الكشف عن هويته: "تضرّرت معظم محطات الإنتاج والتوزيع بصورة بالغة نتيجة قصفها، وكذلك تفكيكها بواسطة اللصوص الذين نشطوا في بيع الخردة والنحاس بمساعدة طرفَي الحرب".

ويوضح المصدر لـ"العربي الجديد" أنّ "محطات الإنتاج الأساسية ومحوّلات التوزيع داخل الأحياء وفي المؤسّسات الحكومية والتعليمية، تعرّضت للتفكيك والتدمير، ما جعل تشغيل الكهرباء من أصعب المهام التي تنتظر السلطات الحكومية".

طاولت أضرار الحرب مسرح أم درمان، 7 نوفمبر 2025 (إبراهيم حامد/ فرانس برس)
طاولت أضرار الحرب مسرح أم درمان، 7 نوفمبر 2025 (إبراهيم حامد/فرانس برس)

ومؤخراً، أعلن والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن منطقة وسط العاصمة التي تضم المرافق الحكومية والجامعات وأقدم الأحياء وأكبر الأسواق لن تعود إليها الخدمات الحيوية، مثل الكهرباء والمياه، في الوقت الحالي، مُبيّناً أن الوضع يتطلب خطة شاملة تنفّذها شركات عالمية، من غير المتوقع حضورها في القريب العاجل. ورهن عودة الخدمات إلى وسط العاصمة بتحمّل المواطنين كلفتها الباهظة.

وتفكّكت إمكانيات وسائل النقل بالعاصمة، نتيجة السرقات التي طاولت مركبات النقل العام. فمن جملة أكثر من 750 خط نقل عام يعمل حالياً أقل من 100 خط بمعدل تشغيل لا يتجاوز النصف. ويقول أحد أعضاء هيئة إدارة النقل والمواصلات بولاية الخرطوم، طلب عدم الكشف عن هويته، لـ"العربي الجديد": "يمرّ قطاع المواصلات بحالة سيئة من التفكّك والتدمير بعد التخريب الذي طاول المركبات الحكومية والخاصة. فقد تعرّضت مئات باصات النقل الحكومي وآلاف الحافلات الخاصة للسرقة، ما يعرقل عودة عمل القطاع".

كما تضاعفت معاناة السكان مع المواصلات منذ بدء عودتهم من مناطق النزوح وبلدان اللجوء، وساهمت ندرة الوقود في ارتفاع أسعار النقل العام. تقول يسرى عبد الجليل، العائدة من مصر، والمقيمة في شرق النيل بالخرطوم: "تمثل المواصلات واحدة من الأزمات الكثيرة التي خلّفتها الحرب، إذ تحوّلت العاصمة إلى مكان يصعب العيش فيه"، وتضيف لـ"العربي الجديد": "تصل كلفة بعض الخطوط إلى خمسة آلاف جنيه سوداني (نحو 8 دولارات أميركية) للرحلة الواحدة، ويتحجج أصحاب وسائل النقل بارتفاع سعر الوقود وندرته وارتفاع كلفة الصيانة، ما يجعل حركة الناس محدودة".

ويواجه آلاف السودانيين العائدين فضلاً عن النازحين المقيمين في ولاية الخرطوم صعوبات بالغة وسط شحّ الخدمات. ويتحدث المواطن محمد حمد من مدينة أم درمان عن معاناته اليومية في توفير المتطلبات الأساسية لأسرته، ويقول لـ"العربي الجديد": "هناك شحّ وغلاء في غاز الطهي، وهو ما دفع كثيرين إلى استخدام الحطب والفحم الذي ارتفع سعره على نحوٍ هائل، إلى جانب انقطاع التيار الكهربائي معظم أيام الأسبوع". ويرى حمد أن محاولات السلطات لإعادة الخدمات تبقى ضئيلة أمام حجم الحاجات، و"من غير المتوقع توفر الخدمات في ظل انعدام الأموال، جراء الحرب التي أفرغت الخزينة العامة".

ومن مدينة الخرطوم بحري، تقول مها علي لـ"العربي الجديد": "الخدمات ضعيفة والأسعار مرتفعة، ولا تتناسب مع ظروف المواطنين الذين عادوا من رحلة نزوح قاسية فقدوا خلالها كل ما يملكون، ولدى عودتهم وجدوا أن مساكنهم تعرضت للسرقة والتخريب، وبعضها أُصيب بأضرار بليغة جرّاء القصف المتبادل والقتال داخل الأحياء"، وتضيف مها التي عادت إلى مدينة دنقلا بالولاية الشمالية: "إلى جانب نقص الخدمات، يعاني السكان من النفايات والأوساخ وتحوّل الميادين والساحات العامة إلى قبور. كذلك تنتشر الحشرات والذباب والبعوض الناقل للملاريا وحمى الضنك. الأمر الذي يستدعي مكافحة فعّالة، ولا سيّما أن أهالي المدينة عانوا في العامَين الماضيَين من الكوليرا والأمراض القاتلة".

وأثناء القتال، توقفت معظم المستشفيات المهمة في العاصمة عن العمل، وعاد عدد قليل منها بسعة ضيقة، ما يفاقم الصعوبات أمام المرضى، إن لجهة عدم توافر الأطباء في المستشفيات الحكومية التي تُعدّ على أصابع اليد أو لجهة ارتفاع كلفة الدواء. ويقول السوداني خليفة مبارك الذي يعاني من ضمور الكلى لـ"العربي الجديد": "حاجتنا إلى المستشفيات ملحّة، خصوصاً أن الكثير من مرضى الكلى والسرطان يموتون بسبب غياب الرعاية اللازمة في العاصمة، بعد أن هجرتها الكوادر الطبية".

المساهمون