الزواج غير الموثق في تونس تحت المجهر: التحوّلات والمخاطر

10 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 18:24 (توقيت القدس)
تراجع نسبة الزواج المسجل في تونس، سيدي بو سعيد، 7 سبتمبر 2023 (ياسين غايدي/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أثار الاتحاد الوطني للمرأة التونسية الجدل حول الزواج غير الموثق بمناسبة الذكرى السبعين لمجلة الأحوال الشخصية، مشيرًا إلى المخاطر القانونية والاجتماعية لهذه الممارسات في ظل انتشار الأمية والانقطاع الدراسي.

- تعتبر مجلة الأحوال الشخصية إطارًا قانونيًا لحماية حقوق الأسرة، حيث تنص على توثيق الزواج رسميًا، وشهدت تعديلات مهمة منذ عام 1957، مثل تنقيح 1993 الذي شمل مسائل الزواج والطلاق والنفقة والحضانة.

- شهد المجتمع التونسي نقاشات حول الدين والدولة والهوية، مع تغيرات اقتصادية واجتماعية أدت إلى تراجع الزيجات المسجلة وارتفاع حالات الطلاق، مما يعكس تحولات عميقة في المجتمع.

بعد سبعة عقود من إصدار مجلة الأحوال الشخصية، التي نظمت العلاقات الأسرية والزواج والطلاق والنفقة والحضانة منذ عام 1956، يعود الجدل حول مؤسسة الزواج من بوابة ممارسات تقول منظمات نسائية إنها بدأت تفرض نفسها خارج الإطار القانوني، من بينها الزواج العرفي، والزواج الشفاهي، وعقود مكتوبة غير مسجلة، وأخرى تكتفي بالإشهار الديني دون استكمال إجراءات التوثيق الرسمية.

وأعاد الاتحاد الوطني للمرأة التونسية (أقدم منظمة نسوية في تونس) فتح الملف بمناسبة الاحتفال بالذكرى السبعين لإصدار مجلة الأحوال الشخصية، ضمن سلسلة ندوات نظمها في مختلف محافظات البلاد تحت عنوان "قراءة في عقود الزواج ما بعد 2011". وقالت رئيسة الاتحاد، راضية الجربي، اليوم الاثنين في تصريح خاص لـ"العربي الجديد" إن إثارة موضوع المخاطر بعقود الزواج في تونس جاء على خلفية ما وصفته بتسجيل ممارسات لإبرام زيجات لا تشبه عقود الزواج التي أقرتها الدولة التونسية، من بينها عقود شفاهية أو ما يعرف بالزواج العرفي، وأخرى مكتوبة لكنها غير مسجلة، إلى جانب زيجات ذات طابع ديني بحت، فضلاً عن بعض الزيجات بين تونسيين وأجانب التي تطرح بدورها إشكالات قانونية واجتماعية مختلفة.

وقالت الجربي إن الاتحاد رصد من خلال شبكته الممتدة على كامل محافظات البلاد انتشار ممارسات مخالفة لعقود الزواج التي ينصّ عليها التشريع التونسي، مؤكّدة أن هذه الممارسات تنتشر في مختلف الأوساط الاجتماعية وتتغذى أساسا من انتشار الأمية والانقطاع الدراسي. وأضافت "منذ إصدار مجلة الأحوال الشخصية في 13 أغسطس/آب 1956، وضعت تونس الزواج داخل إطار قانوني واضح، في خطوة كانت جزءاً من مشروع تحديث المجتمع وبناء دولة مدنية حديثة."

ودخلت مجلة الأحوال الشخصية في تونس حيّز التطبيق في الأول من يناير/كانون الثاني 1957، ثم شهدت تعديلات لاحقة، من أبرزها تنقيح سنة 1993 الذي شمل مسائل الخطبة والمهر والولاية والزواج والطلاق والنفقة والحضانة والشراكة في الأموال وحقوق الأم في الولاية على أبنائها. وتعتبر راضية الجربي أن أهمية المنظومة القانونية التونسية في مسألة الزواج بأنها لا تكتفي بتحديد شروط الزواج، وإنما تجعل توثيقه رسمياً جزءاً أساسياً من حماية العلاقة الزوجية وحقوق أفراد الأسرة. وينص البند الثالث من المجلة على أن الزواج لا ينعقد إلا برضا الزوجين، ويشترط لصحته إشهاد شاهدين من أهل الثقة وتسمية مهر للزوجة. والأهم أن الفصل الرابع ينص على أن الزواج لا يثبت إلا بحجة رسمية يضبطها القانون.

وحذرت رئيسة الاتحاد النسائي من خطورة انتشار الزواج غير الموثق، مؤكّدة أنّ الأمر لا يتعلق فقط بطريقة إبرامه، وإنما بما يترتب عن غياب الوثيقة الرسمية من صعوبات محتملة في إثبات العلاقة الزوجية وما ينشأ عنها من حقوق والتزامات خصوصاً بالنسبة للنساء والأطفال، في حالات الانفصال أو وفاة أحد الزوجين أو نشوء نزاع حول النسب أو النفقة أو الإرث أو الحقوق المالية.

وترى الجربي أنّ بروز ممارسات الزواج غير الموثّق يستدعي البحث في التحولات التي عرفها المجتمع التونسي، وفي الأسباب التي دفعت بعض الأشخاص إلى البحث عن صيغ للزواج خارج الإطار المدني. وقالت إن "الاتحاد أثار منذ سنوات قضية الزواج العرفي وما يمثله من مخاطر، لكنه واجه، وفق تعبيرها، انتقادات وعنفاً كبيراً".

وخلال العشرة سنوات الماضية شهد المجتمع التونسي نقاشاً واسعاً حول الدين والدولة والهوية، بالتوازي مع تغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة، وارتفاع كلفة الزواج، وتأخر سن الزواج، وتغير أنماط العلاقات بين الشباب في ظل تراجع الزيجات وارتفاع حالات الطلاق السنوية. فبحسب المعهد الوطني للإحصاء، بلغ عدد الزيجات المصرح بها 72,953 عقداً سنة 2023، مقابل 78,547 سنة 2022 و108,453 سنة 2015. أي أن عدد الزيجات المسجلة تراجع بنحو الثلث تقريباً مقارنة بسنة 2015. وتكشف أرقام المعهد أيضاً عن استمرار ارتفاع أعداد أحكام الطلاق، إذ سجلت المحاكم الابتدائية 16,012 حكماً بالطلاق سنة 2023، مقابل 14,982 سنة 2015، و17,306 سنة 2019.

تطور عدد عقود الزواج في تونس (2015-2023)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي