الدنمارك تواجه ظاهرة شرب الكحول بين الشباب بمبادرات وقائية
- بلدية كوبنهاغن أطلقت "مهرجان اليوم الأخير للمدارس بدون كحول" بميزانية 5.6 ملايين كرونة، لتوفير احتفال آمن وممتع بدون كحول، ضمن جهود تشمل حملات توعية وبرامج دعم للأسر.
- تختلف سياسات الكحول في الدنمارك عن الدول الاسكندنافية المجاورة التي تفرض قيوداً صارمة، مما يجعل التعاطي بين الشباب أكثر انتشاراً في الدنمارك.
في مشهد يعكس حجم التحديات الاجتماعية والصحية في الدول الاسكندنافية، يظل تعاطي الكحول بين المراهقين والشباب في الدنمارك قضية مقلقة تستدعي تدخل السلطات. وتشير إحصاءات أوروبية إلى أن أكثر من نصف الشباب الدنماركيين في سن 15 عاماً جربوا الكحول خلال الشهر الأخير، مع تسجيل حالات سُكر متكررة بين فئة كبيرة منهم، ما يكشف عن إكراهات كبيرة في التربية الصحية والسياسات الوقائية.
ويعزو خبراء الصحة العامة هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، أبرزها الثقافة الاجتماعية التي تربط الكحول بالاندماج الاجتماعي والتواصل بين الشباب، وسهولة الحصول على المشروبات الكحولية. إذ يسمح القانون الدنماركي ببيع المشروبات منخفضة الكحول لمن هم فوق 16 عاماً، وهو ما يسهّل وصول الفئة العمرية المبكرة إلى الكحول. كما يلعب الضغط الاجتماعي، والاحتفالات التقليدية مثل الأيام الأخيرة للمدرسة أو حفلات الصيف، دوراً في انتشار التعاطي بين المراهقين.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، أعلنت بلدية كوبنهاغن اليوم الثلاثاء عن مبادرة غير مسبوقة لتنظيم "مهرجان اليوم الأخير للمدارس بدون كحول". وقد خصصت البلدية 5.6 ملايين كرونة دنماركية لإقامة يوم احتفالي جماعي لجميع الطلاب المغادرين من المدارس الابتدائية، والبالغ عددهم نحو 6000 طالب، في حديقة متنزه الفيلد (Fælledparken) يوم 13 مايو/أيار المقبل.
عادةً ما تشهد الدنمارك ما يشبه حالة انفلات خلال فترة العطلة المدرسية الصيفية، حيث يُقبل المراهقون والشباب من الجنسين على الاستهلاك المفرط للكحول في الشوارع والحدائق التي يتجمعون فيها. كما يمتد هذا السلوك إلى بداية العام الدراسي بعد انتهاء العطلة.
وقالت إدارة الأطفال والشباب في بلدية العاصمة كوبنهاغن، إن الهدف من المبادرة هو "القضاء على أعمال الشغب التي رافقت الأيام الأخيرة للمدارس في السنوات السابقة"، والتي تضمنت حالات اعتداءات ونقل شباب إلى المستشفيات بسبب الإفراط في شرب الكحول.
وأفاد عمدة الأطفال والشباب في البلدية، ياكوب نيساغر، في تصريحات للتلفزيون الدنماركي بأن "جميع الطلاب يستحقون يوماً ممتعاً وآمناً مع زملائهم، لذلك نحن سعداء بتقديم مهرجان منظم يشمل الموسيقى والطعام والأنشطة، بدون أي كحول".
وسوف يشرف أفراد الشرطة الدنماركية على المهرجان طيلة اليوم لضمان أجواء آمنة للشباب، وفق ما أوضح المسؤول عن تنظيم الشرطة غيرت سيبّاك. كما أشارت بلدية كوبنهاغن إلى أن جميع المدارس والطلاب سيشاركون مجاناً، مع توفير وسائل النقل للطلاب من مدارسهم إلى مكان المهرجان، باستثناء المدارس القريبة سيراً على الأقدام أو المدارس الخاصة.
وتأتي المبادرة ضمن جهود أكبر لمواجهة تعاطي الكحول بين الشباب، تشمل حملات توعية في المدارس وبرامج دعم للأسر، وتعزيز ثقافة الاختيار الواعي. خبراء الصحة العامة يؤكدون أن هذه الإجراءات تمثل خطوة مهمة نحو الحد من أضرار التعاطي المبكر، والتي تتراوح بين التأثيرات الصحية والنفسية، وصولاً إلى المخاطر الاجتماعية مثل الحوادث والسلوك العدواني.
يُعدّ الكحول في الدنمارك جزءًا من نمط حياة، ما يجعل أي تغيير في هذا المجال عملية معقّدة تتجاوز حدود القوانين إلى عمق القيم المجتمعية. ويرى خبراء أن المشكلة لا ترتبط فقط بسهولة الوصول إلى الكحول، بل بجذور ثقافية عميقة. فالكحول يُعتبر جزءاً طبيعياً من الحياة الاجتماعية في الدنمارك، ويُنظر إليه كوسيلة للاندماج والتواصل، خصوصاً بين فئة الشباب. وغالباً ما يبدأ التعاطي في سن مبكرة، أحياناً قبل بلوغ السن القانونية لشراء المشروبات الكحولية (16 عاما).
ثقافة الشرب بين الدول الاسكندنافية وألمانيا
عند مقارنة الدنمارك بجيرانها الاسكندنافيين، يظهر نمط مختلف في تعاطي الكحول. ففي السويد مثلا، تفرض الدولة رقابة صارمة على بيع الكحول، إذ يمكن شراء المشروبات الكحولية عالية التركيز فقط من متاجر حكومية محددة، ويبدأ سن الشراء القانوني من 18 عاماً للمشروبات الخفيفة ومن 20 عاماً للمشروبات القوية. هذه القيود ساهمت في انخفاض حالات السُكر بين المراهقين مقارنة بالدنمارك.
أما النرويج، فهي أيضاً تعتمد نظاماً صارماً مماثلاً، مع فرض أسعار عالية على المشروبات الكحولية بهدف الحد من الاستهلاك المبكر، ما أدى إلى تقليل انتشار التعاطي بين الشباب، رغم أن الثقافة الاجتماعية تعتبر المشروبات جزءاً من الاحتفالات التقليدية. وتتبع فنلندا نهجا مركزياً مشابهاً، إذ تُفرض قيود صارمة على بيع الكحول والمناطق الزمنية لشرائه، مع سياسات توعية قوية في المدارس وبرامج دعم للأسر، وقد أظهرت الدراسات انخفاضاً ملحوظاً في استهلاك الكحول بين المراهقين خلال العقد الأخير.
في المقابل، تمثل ألمانيا حالة وسطية، حيث يمكن شراء المشروبات منخفضة الكحول من سن 16، والكحول القوي من سن 18، مع تقبل اجتماعي واسع للكحول في الحياة اليومية. ورغم ذلك، فقد أظهر المجتمع الألماني تسامحا مع تعاطي المراهقين للخمور، وخصوصا في الحفلات والمهرجانات.
وتحتل الدنمارك موقعاً فريداً بين هذه الدول، حيث الجمع بين الثقافة الاجتماعية المفتوحة وسهولة الوصول إلى الكحول يجعل التعاطي بين الشباب أكثر انتشاراً مقارنة بجيرانها، الأمر الذي دفع السلطات إلى ابتكار حلول عملية مثل مهرجان اليوم الأخير بدون كحول، كخطوة أولى نحو الحد من المخاطر.