استمع إلى الملخص
- في إقليم كردفان، تتفاقم الأوضاع بسبب العنف والحصار، مما يؤدي إلى انتشار المجاعة وصعوبة إيصال المساعدات، حيث يعاني 1.1 مليون شخص من نقص الخدمات الأساسية.
- في مناطق مثل مدينة ربك وولاية النيل الأبيض، يعاني الأطفال في المخيمات من سوء التغذية وانعدام الأمن، مع نقص الموارد في المستشفيات لعلاجهم.
يعاني عشرات الآلاف من الأطفال في أنحاء السودان من أزمة جوع متفاقمة نتيجة طول أمد الحرب، وأصيب الآلاف منهم بسوء التغذية، ما يهدد سلامتهم وحياتهم، بينما يعجز ذووهم عن توفير الطعام الكافي.
خلّفت الحرب الدائرة في السودان أوضاعاً مأساوية، إذ يتكبّد الملايين عناء الجوع، ومشقة النزوح واللجوء، وآلام الأمراض والأوبئة، بيد أن الأضرار التي وقعت على الأطفال أشد وطأة، ومن غير المُستبعد استمرار آثارها لسنوات قادمة.
ويظهر تأثير الحرب عنيفاً على أطفال السودان، ويرجح تعرّض أكثر من 3.2 ملايين طفل دون سن الخامسة لسوء التغذية الحاد، وأن أكثر من 16 مليون طفل بحاجة ماسة إلى المساعدة، وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، والتي أشارت في مايو/أيار الماضي، إلى أن 770 ألف طفل يواجهون سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أشد أشكال الجوع فتكاً، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة للوفاة بمقدار 11 مرة.
وحذر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أمس الأول الخميس، من انتشار المجاعة في إقليم كردفان من جراء تزايد العنف والخطر على المدنيين. وقال في مؤتمر صحافي: "أصدر الفريق الإنساني في السودان بياناً أدان فيه بأشد العبارات تصاعد العنف في جميع أنحاء كردفان، والحصار الذي عزل كثيراً من المدن. رُصدت حالات مجاعة في كادوقلي (عاصمة ولاية جنوب كردفان)، بينما أُبلغ عن هجمات متواصلة في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان".
وذكر دوجاريك أن العاملين في المجال الإنساني في كادوقلي والدلنج، بجنوب كردفان، يواجهون صعوبات شديدة، وقيوداً على الحركة، ومحدودية في الوصول إلى الخدمات الأساسية والحماية، وأن عمال الإغاثة يواجهون مخاطر جمة في إيصال المساعدات الأساسية إلى حوالي 1.1 مليون شخص في كردفان. داعياً أطراف النزاع إلى حماية العاملين في المجال الإنساني والمدنيين الفارين من المناطق المحاصرة.
16 مليون طفل بحاجة ماسة إلى المساعدة في مختلف أنحاء السودان، من بينهم نحو 770 ألف طفل يواجهون سوء التغذية الحاد الوخيم
ولا تنحصر المعاناة في ولاية أو منطقة بعينها، إذ إن الصعوبات الحياتية والمعيشية وفقدان الأمن تشمل كل أنحاء السودان، ما أدى إلى موت آلاف الأطفال، ونزوح مئات الآلاف ممن تعرّضوا لانتهاكات بليغة أفقدتهم أبسط الحقوق، مثل الانتظام في التعليم، إذ بلغ عدد من تركوا مقاعد الدراسة خلال العامين الماضيين، أكثر من 17 مليون طفل، ليلحقوا بحوالي 6.9 ملايين طفل غادروا مقاعد الدراسة قبل الحرب.
من العاصمة الخرطوم، تصف عبير عبد الرحمن (26 سنة) معاناة طفلها البالغ ثلاثة سنوات، والذي أصيب بسوء التغذية، ولا يزال غير قادر على المشي بصورة منتظمة، نتيجة تدهور صحته وفقدانه الوزن. وتقول لـ"العربي الجديد": "لا نملك مصدر دخل يعيننا على توفير الغذاء المناسب للأطفال، ونعتمد على الوجبات المقدمة من المطابخ الجماعية، وهى عادة وجبة واحدة في اليوم، وغير مناسبة لجميع الأطفال، ما يجعل حالات سوء التغذية منتشرة بصورة لافتة بين الأطفال، بالرغم من أن المدينة لم تشهد في السابق مثل هذه الحالات".
وتضيف أنّ "الأعمال التي كنا نمارسها توقفت، ومدخراتنا نفدت، ولم نحصل على إعانات منذ اندلاع الحرب، غير الوجبات البسيطة التي توزع في التكايا الخيرية والمطابخ الجماعية. لا يتوفر حليب الأطفال، وإن توفر فسعره مرتفع، واللحوم والخضراوات شحيحة وغالية، وقلة من يستطيعون شراءها في الوقت الحالي. عدد أطفال الحي الذين يشكون من سوء التغذية كبير، وآخر ثلاث وفيات بسبب سوء التغذية سجلت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ورغم ذلك فإن الجهات الرسمية لا تعلن أن سبب الوفاة هو الجوع".
من مدينة ربك، عاصمة ولاية النيل الأبيض، التي تضم ما يزيد عن عشرة مخيمات للنازحين السودانيين واللاجئين من دولة جنوب السودان، تصف رانيا أحمد معاناة الأطفال مع سوء التغذية وانعدام الأمن بأنها غير مسبوقة، وتقول لـ"العربي الجديد": "يكاد يكون طفل من كل ثلاثة أطفال مُصاباً بسوء التغذية، خاصة في المخيمات". وتضيف مشيرة إلى أحد أطفالها الذي يعاني من سوء التغذية "كانت صحته جيدة حتى العام الثاني من الحرب، ومع تدهور وضعنا المعيشي بعد نفاد مدخراتنا وفقدان مصادر الدخل، أصيب الأطفال بسوء التغذية، وتبع ذلك موجة من الأمراض المختلفة مثل ضعف المناعة وفقر الدم، وكلها ناتجة عن الجوع. ابني عمره 13 سنة، ولا يذهب إلى المدرسة، ولا يقوم بأي نشاط عضلي، حتى اللعب مع الأطفال توقف عنه. ليس لدينا ما نقدمه له سوى القليل من الطعام الذي لا يضم أية فوائد غذائية".
بدورها، فقدت السودانية، حواء طارق، طفلها في سبتمبر/أيلول الماضي، بعد إصابته بالملاريا في إحدى قرى ولاية النيل الأبيض، وتقول لـ"العربي الجديد" إنّ "الجوع وسوء التغذية لا يخفيان على أحد، وعشرات الأطفال من سكان القرى ومخيمات اللاجئين والنازحين بالولاية قتلتهم الملاريا لأنهم مصابون بسوء التغذية، ولا يملكون مقاومة الأمراض. لا تملك كثير من الأُسر طعاماً كافياً لتغذية الأطفال، لأن أسعار المواد الغذائية مرتفعة، ومع عدم امتلاك الناس المال أصبح الجوع سمة بارزة بين الأطفال من مختلف الأعمار".
ويستقبل مستشفى الأطفال الحكومي في مدينة ربك ما بين 40 إلى 70 طفلاً مصابين بسوء التغذية كل شهر، ويقول طبيب يعمل بالمستشفى لـ"العربي الجديد" إنّ "العدد الذي يصل إلى المستشفى لا يمثل سوى قلة من الأطفال المصابين بسوء التغذية، لأن الكثير منهم يعيشون في القرى والبلدات النائية، وليس بمقدور أسرهم نقلهم إلى المستشفى الذي لا يملك ما يُقدمه للأطفال غير بعض العلاجات للأمراض المصاحبة لسوء التغذية، أما علاج سوء التغذية فيقع على عاتق أسرهم".
ويضيف الطبيب، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "مئات الأطفال يعانون من سوء التغذية، ومن الأمراض الناتجة عنه، وكثيراً ما يغض الأطباء الطرف عن ذكر سوء التغذية، ويكتفون بتشخيص الأمراض المصاحبة فقط، لأنهم يعلمون أن الأسر ليس بوسعها فعل المزيد بسبب حالة الفقر المتفشية بين السكان والنازحين على حد سواء. الكثير من الأطفال ينقلون إلى المستشفى بحجة أنهم مرضى، ولكن بعد المعاينة الطبية يتضح أنهم يعانون من الجوع، وعندما نخبر أسرهم بالأمر يبدون في غاية الأسف لسوء الأوضاع المعيشية التي تشمل الجميع في ظل الحرب التي أفقدت السكان القدرة على توفير أبسط الاحتياجات".
في مستشفى الأطفال الحكومي بمدينة أم درمان، وهي واحدة من ثلاث مدن تشكل العاصمة الخرطوم، يعاني عشرات الأطفال من سوء التغذية، ويقول أحد المتطوعين بالمستشفى لـ"العربي الجديد" إنّ "الكثير من الأطفال يترددون على المستشفى بحجة أنهم مرضى، وهم في الأساس مصابون بسوء التغذية الحاد. الحالات كثيرة، وفي بعض الأوقات يزيد عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية عن عشرة في اليوم الواحد".
وتشتد معاناة الأطفال في إقليمي كردفان ودارفور، حيث أجبر الآلاف على رحلة نزوح شاقة إلى طويلة في جبل مرة، ويعاني كثيرون من سوء التغذية، وهم بحاجة إلى الغذاء والدواء بأسرع ما يمكن. يقول المتطوع بغرف الطوارئ في المنطقة، هارون سليمان، لـ"العربي الجديد": "ظل آلاف الأطفال تحت الحصار في الفاشر لفترة طويلة عانوا خلالها من الجوع الشديد، وفقدوا أوزانهم، وتدهورت صحتهم، وبعد رحلة النزوح إلى طويلة، وصلوا إلى حالة متأخرة من سوء التغذية، ومات العشرات منهم جوعاً في الطريق، وبعضهم وصلوا إلى مدينة طويلة في مرحلة متدهورة من الإعياء والإرهاق، ورغم المساعدة الطبية والغذائية التي قدمت لهم لم يستجيبوا للعلاج، وفارقوا الحياة بصورة مأساوية".
وبدأ انتشار الجوع بين أطفال مخيمات مدينة الأُبيض التي تأوي آلاف النازحين من عشرات المُدن والقرى التي هجرها سكانها، بسبب المعارك الدائرة حالياً، وكذا في مدينتي كادوقلي والدلنج.
ويقول الناطق باسم شبكة أطباء السودان، محمد فيصل، لـ"العربي الجديد": "يعاني سكان الإقليم عموماً من الجوع الناتج عن نقص الغذاء، نتيجة الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع على مُدن الإقليم الرئيسة، وتتبع الدعم السريع في حصارها الطريقة ذاتها التي اتبعتها في الفاشر، والتي حرم سكانها من الغذاء والدواء لثمانية عشر شهراً متصلة. توقف إدخال المواد الغذائية إلى المنطقة منذ فترة، ونتج عن ذلك تفشي الجوع بين الأطفال، وشهدت الفترة بين 20 أكتوبر/تشرين الأول و20 نوفمبر/تشرين الثاني، 23 حالة وفاة بين الأطفال بسبب الجوع، ولم تتوقف الوفيات للأسف، ونتوقع أن يتواصل ارتفاع أرقام الوفيات".
ويضيف فيصل: "الأوضاع في مدينة الأُبيض متأزمة، والكثير من الأطفال في حالة جوع شديدة، لكن بسبب التدفق اليومي للنازحين على المدينة لم تكتمل الإحصائيات الدقيقة". ويوضح أنّ "الجوع المنتشر بين الأطفال يؤدي إلى إصابة كثيرين بسوء التغذية في أنحاء واسعة من إقليم كردفان، وصار هذا واقعاً معيشاً، لأن التهجير والتشريد الذي يتعرّض له الناس في الإقليم تسبب في خسارة ممتلكاتهم ومصادر رزقهم".