الجامعات الأميركية... مخاطر خضوع كولومبيا وهارفارد لترامب

07 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 07:45 (توقيت القدس)
خريجو هارفارد يرفعون علم فلسطين، 29 مايو 2025 (ليبي أونيل/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه الجامعات الأميركية تحديات كبيرة تحت إدارة ترامب، حيث تم تقليص الحريات الأكاديمية والتمويل الفيدرالي، مما أدى إلى رحيل الباحثين والعلماء وتأثر جامعات مثل هارفارد وكولومبيا.

- استخدم ترامب سياسات مثل تهم "معاداة السامية" و"إلغاء خطة التنوع" للضغط على الجامعات، مما أدى إلى تراجع الحريات الأكاديمية، خاصة في دراسات الشرق الأوسط، وتهديد استقلالية الجامعات.

- قد تؤدي هذه السياسات إلى هجرة العقول إلى دول أخرى، حيث تبحث الجامعات الصغيرة عن الامتثال للضغوط الحكومية، مما يهدد بإغلاق أو تقليص برامج دراسات الشرق الأوسط والتنوع.

تصنف الجامعات الأميركية كأحد القوى الناعمة، إذ تستقطب العلماء والأبحاث، ما يمنح الولايات المتحدة تفوقاً، غير أنها تشهد حالياً رحيل الباحثين والعلماء نتيجة تقلص الحريات ونقص التمويل.

خلال الأشهر الستة الأولى من ولايته الرئاسية الثانية، اتبع الرئيس دونالد ترامب سياسات قلبت أنظمة ولوائح الجامعات الأميركية رأسا على عقب، وهو يتوجه الآن نحو إخضاع كامل لمؤسسات التعليم العالي التي كانت تتفاخر طوال تاريخها بالحريات الأكاديمية، لكنها باتت على وشك التضحية بها، طواعية أو كرهاً.

كانت جامعة هارفارد العريقة في واجهة المقاومة خلال الشهرين الماضيين، لما تملكه من نفوذ وقدرة مالية تمكنها من مواجهة أشرس حملة يقودها رئيس أميركي ضد المؤسسات الجامعية، غير أن أنباء تفاوضها لدفع غرامة مقابل تسوية خلافاتها مع البيت الأبيض بخصوص المزاعم "غير المثبتة" الخاصة بمعاداة السامية، يقضي على أي رغبة أو إمكانية مقاومة في جامعات أخرى أصغر تعتمد على الحكومة الفيدرالية في تمويل أبحاثها.

بدأ ترامب فترته الرئاسية الثانية بأجندة مختلفة، ومشروع كان جاهزاً على الطاولة لتحقيق أحلام الجمهوريين المؤجلة في مواجهة الجامعات المرموقة، والتي يرى الحزب الحاكم أنها تحولت إلى اليسار بعيدا عن التيار المحافظ، وباتت مركزاً لأفكار التقدميين عبر برامج التنوع والحريات الطلابية والأكاديمية.

وتضمنت أجندة ترامب ملف التعليم الجامعي في أكثر من زاوية، ونجح خلال الأشهر القليلة الماضية في فرض سيطرته على الجامعات في معظم الملفات التي استهدفها، مستخدماً التهديد في بعض الأحيان، وقطع التمويل الفيدرالي في أحيان أخرى، ويرى باحثون وأعضاء هيئات تدريس أن ترامب ينفذ خطته على حساب الحرية الأكاديمية والحريات الطلابية، خصوصاً في "جامعات النخبة" التي لا يحبها على الإطلاق، وقد ذكر ذلك بصراحة خلال حملته الانتخابية، قائلاً: "عندما أعود إلى البيت الأبيض سأقيل جهات الاعتماد المتطرفة التي سمحت بهيمنة الماركسيين المهووسين".

واستخدم ترامب تهمة "معاداة السامية" الرائجة بين السياسيين الديمقراطيين والجمهوريين، في مواجهة حراك طلابي جامعي بدأ في التبلور مع بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، إذ شهدت مئات الجامعات حراكا طلابياً يدعو إلى وقف الاستثمارات الجامعية في شركات تساهم في الإبادة. ورغم القبض على أكثر من 3 آلاف طالب خلال فترة الرئيس السابق جو بايدن، والفض بالقوة لمخيمات الاعتصام الطلابية التي تشكلت على مدار عام 2024، إلا أنه لم يخطر في ذهن أي شخص أن حكومة الولايات المتحدة ستسعى لسحب التمويل الفيدرالي للأبحاث من الجامعات لمساومتها.

واستخدم ترامب أيضاً حجة مقبولة لدى الجمهوريين المؤمنين بنظرية العرق الأبيض، وهي "إلغاء خطة التنوع والمساواة والعرق"، ففي أيامه الأولى في البيت الأبيض، ألغى برامج "التنوع والإنصاف والشمول" في الحكومة الفيدرالية، والتي تستهدف دمع الأقليات في الوظائف، وبالتبعية تم إلغاؤها من الشركات الخاصة، وبعضها تلقت تهديدات من إدارة ترامب في حال عدم إلغائها.

من اعتصام سابق لطلاب جامعة كولومبيا، 29 إبريل 2024 (سبنسر بلات/Getty)
من اعتصام سابق لطلاب جامعة كولومبيا، 29 إبريل 2024 (سبنسر بلات/Getty)

ولهذه الممارسات تاريخ، فحتى ستينيات القرن الماضي، كانت المؤسسات تمنع السود وغيرهم من الأقليات من التساوي مع ذوي العرق الأبيض في الوظائف والتعليم الجامعي والمدرسي، وحتى في المطاعم وحافلات النقل العام، وبعد صدور قانون الحقوق المدنية، تم حظر التمييز في التوظيف على أساس العرق أو الدين أو الجنس أو اللون، ومع إقامة دعاوى قضائية ضد التمييز في الستينيات والسبعينيات، أصدر الرئيس الراحل جون كيندي أمراً تنفيذياً يلزم المتعاقدين الفيدراليين بمعاملة المتقدمين على قدم المساواة.

بدأ ترامب حملته بجامعة كولومبيا العريقة، والتي يعتبرها الجمهوريون "يسارية"، فقرر وقف ملايين الدولارات من التمويل الفيدرالي، وساعده مناخ سياسي منحاز ضد القضية الفلسطينية والطلاب المؤيدين لها بغض النظر عن لونهم أو عرقهم أو دينهم، واستجوابات في الكونغرس من أعضاء يحصل بعضهم على أموال من اللوبي الصهيوني لتأييد إسرائيل، وإدارة الجامعة التي تضم في مجلس أمنائها مؤيدين لإسرائيل.

تملك جامعة كولومبيا أوقافاً تقدر بنحو 15 مليار دولار، غير أنها تحصل على تمويل فيدرالي قيمته 5 مليارات دولار، واختارت أن تخضع لرغبات ترامب متجاهلة أعضاء هيئة التدريس والطلاب الذين أكدوا أن الإدارة قررت أن تضحي بالحريات الطلابية في مقابل المال. من جانبها، قاومت جامعة هارفارد، في إبريل/ نيسان الماضي، الشروط التي حاولت إدارة ترامب فرضها عليها. وكتب رئيس الجامعة آلان غاربر آنذاك، أنّه "لا يجب على أيّ حكومة أن تملي على الجامعات ما يمكن تدريسه، ومن يمكنها قبوله أو توظيفه". وحرّكت الجامعة دعوى قضائية ضدّ الحكومة التي بدأت سحب ملايين الدولارات من أموال الأبحاث، ورغم أن القضاء الفيدرالي لم يصدر حكماً بعد في القضية، إلا أن الجامعة قررت فجأة التفاوض مع إدارة ترامب على الاستجابة للمطالب.

ويشير طريق المفاوضات إلى أن الأمور لن تكون جيدة بالنسبة لطلاب الجامعة، رغم كفاءتها المالية وقدرتها على مواجهة ضغوط إلغاء مليارات الدولارات من التمويل الفيدرالي، إذ تدير محفظة وقفية تقدر بـ53 مليار دولار، كأكبر محفظة مالية جامعية في الولايات المتحدة.

بدأ حراك طلاب الجامعات الأميركية مبكراً، 14 أكتوبر 2023 (جوزف بريزيوسو/Getty)
بدأ حراك طلاب الجامعات الأميركية مبكراً، 14 أكتوبر 2023 (جوزف بريزيوسو/Getty)

يشرح الأكاديمي نادر هاشمي، مدير مركز التفاهم الإسلامي المسيحي والأستاذ المشارك في سياسات الشرق الأوسط بجامعة جورج تاون، أن "نموذج هارفرد لا يمكن أن يكون نموذجاً للعدالة رغم الأهمية التي كانت تمثلها مقاومتها لرغبات إدارة ترامب. عندما أصبح الأمر يتعلق بالحريات الأكاديمية ومقاومة الاستبداد، والحق الفلسطيني، ودراسات الشرق الأوسط بشكل عام، استسلمت هارفارد لمطالب ترامب ونتنياهو وأنصارهما، فقد طرد مركز الشرق الأوسط بالجامعة قبل أشهر قياداته، ومنهم جمال كفادار وروزي بشير".

ويضيف هاشمي: "ما تواجهه الجامعات من محاولات لقمع أي نقاش حر ليست قضية جديدة، ومن عملوا في الحقل الجامعي لفترات طويلة، عاصروا محاولات سابقة على مدار عقود لطرد الأساتذة الذين لا يستسلمون لتفضيلات اللوبي المؤيد لإسرائيل، والمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد قضى حياته في الرد على مثل هذه الهجمات. جامعة كولومبيا تعرضت في الماضي لضغوط من قبل مانحين مؤيدين لإسرائيل، ومن إسرائيل ذاتها لمنع إدوارد سعيد من التدريس، لكنها دافعت آنذاك عن الحريات الأكاديمية".

ويوضح: "تغير كل هذا الآن، وتم دهس الحريات الأكاديمية، وإخضاع مركزي دراسات الشرق الأوسط، وجنوب آسيا وأفريقيا بشكل كامل، لأن الإدارة اختارت التحالف مع ترامب. هذه سابقة تمثل خطراً كبيراً على الجامعات، ويمكن القول الآن إنه لا توجد حريات أكاديمية عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط بعد ما جرى في جامعتي كولومبيا وهارفارد. الجامعات التي تعتمد على التمويل الحكومي للأبحاث لا يمكنها فعل الكثير إلا عبر التحالف، وإذا واجهوا ترامب معاً ستكون هناك فرصة للمقاومة، وربما الفوز. لا تستطيع الكليات الصغيرة بمفردها فعل الكثير لأنها لا تمتلك الموارد، لكن إذا شكلوا تحالفاً، فهناك فرصة لحدوث تغييرات إيجابية".

بدوره، يقول الباحث بقسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة كورنيل، عصام برعي، لـ"العربي الجديد"، إن "ما يحدث في الجامعات يعطي مؤشراً على مدى سيطرة الأذرع الصهيونية على العملية التعليمية بالولايات المتحدة. معظم إدارات الجامعات التي خضعت، أو التي تسعى للتسوية مع إدارة ترامب، تضم مؤيدين للصهيونية، إضافة إلى المتبرعين أنفسهم، بينما مفاوضي الحكومة منحازين لإسرائيل بالكامل. يتم الآن تصدير فكرة الرضوخ لمطالب ترامب، والإقرار بالخطأ، وزعم ارتفاع معدلات معاداة السامية رغم أن هذا غير حقيقي. غالبية طلاب الجامعات والباحثين وأعضاء هيئات التدريس يرفضون التطهير العرقي والإبادة الجماعية والقتل والتجويع في غزة، لكن سيطرة أتباع الصهيونية على صناعة القرار يذهب بنا إلى هذه الأوضاع".

يضيف برعي: "تمثل هذه الإجراءات خطورة كبيرة على الحريات الجامعية، وتؤدي إلى البحث عن فرص خارج الولايات المتحدة، ونرى باحثين مميزين يفكرون في أماكن بديلة، وبعضهم يغادرون الولايات المتحدة مستجيبين لإغراءات صينية وأوروبية كانت غير مرحب بها في الماضي. هناك مقاومة لأفكار إدارة ترامب التي تقضي على الحريات الأكاديمية، لكن صناعة القرار تتولاها مجموعات تتبنى الأفكار الصهيونية، ما يؤدي إلى تكرار معاقبة وفصل أعضاء هيئات التدريس والطلاب".

ويشير إلى أن "مشكلة ترامب مع الجامعات الكبرى لها علاقة بعدم حبه لجامعات النخبة، ورغبته في إخضاع المؤسسات لسيطرته، فضلاً عن رغبته في التفاخر بذلك. المشكلات ستتزايد في المستقبل، فالجامعات ستبدأ وضع رقابة ذاتية على نفسها، والتضييق على الطلاب والباحثين، وبهذا يحقق ترامب ما أراده، لكن هجوم الحكومة على العملية التعليمة سيكون له تأثير لفترة طويلة، فهذه الإدارة لديها خطط تتعلق ببناء أقسام سياسة عامة في الجامعات تركز على السياسة الأميركية من منحى محافظ في مواجهة الجامعات الليبرالية".

يتابع برعي: "إذا مضت جامعة هارفارد في خطة التسوية مع ترامب، فإن هذا سيؤثر على الجامعات الصغيرة، فإذا لم تتحمل هارفارد الضغوط، فما بالك بقدرة الجامعات الصغيرة على التحمل، ربما ستحاول إظهار الولاء، أو تطبيق بنود الاتفاقات بين ترامب وجامعتي كولومبيا وهارفارد، ما سيؤدي إلى إغلاق أقسام الشرق الأوسط في بعض الجامعات، أو وضعها تحت الرقابة الشديدة، مع تأثر برامج التنوع والتمييز والشمولية، وقد يتم إلغاؤها، إضافة إلى تراجع كل الحريات الأكاديمية".