اقتلاع آلاف أشجار الزيتون لتهجير أهالي المغير الفلسطينية
استمع إلى الملخص
- التوسع الاستيطاني والتهجير القسري: تهدف عمليات التجريف إلى توسيع المستوطنات الإسرائيلية وربطها بمستوطنة "عادي عاد"، مع دعاية مكثفة لتهجير الأهالي وتهديدات من ضباط الاحتلال.
- صمود الأهالي: يصر أهالي المغير على البقاء في أراضيهم رغم الاعتداءات، مؤكدين رفضهم للتهجير ومخططات الاستيطان.
لم تتمالك تمام أبو عليا (67 سنة) نفسها حين زارت أرض والدها في قرية المغير الفلسطينية شمال شرق رام الله، والذي رأته يعتني بها منذ أن كانت طفلة، إذ رأت كل أشجار الزيتون قد جرفتها آليات الاحتلال، وتؤكد أن والدها فالح أبو عليا لم يترك أرضه يوماً، وحتى في عقده الثامن قبل أن يتوفى، كان يداوم على الاعتناء بها.
تقول أبو عليا لـ"العربي الجديد": "هذه الأرض زرعت بشجر الزيتون قبل تسعين عاماً، وأذكر كيف كان والدي يسقي الأشجار ويعتني بها، ورغم شق الاحتلال شارع ألون الاستيطاني في سبعينيات القرن الماضي، والذي قسم أراضي القرية، ومنها أرض والدي، ورغم خطورة الوصول إلى الأراضي بسبب هذا الشارع الذي يمر منه المستوطنون، كان والدي يصر على الوصول لأرضه لرعايتها".
وتصف اقتلاع كل الأشجار بأنه حدث هز قلبها وقلوب أقاربها، وتنظر إلى الشارع حيث يقف أشقاؤها، وتقول: "ذهب أشقائي إلى الأرض رغم المخاطر لأنهم لم يحتملوا ما حصل. هذا فعل بلا عقل، وهجمة شرسة غير مسبوقة. جرار زراعي يقوده مستوطن يحرث أراضي والدي، وأرض خالي جرفت أيضاً رغم أنه يعيش في الولايات المتحدة، ولا يمكن أن تتهمه قوات الاحتلال بأنه فعل أي شيء".
واقتلعت جرافات الاحتلال نحو عشرة آلاف شجرة زيتون في قرية المغير الفلسطينية خلال ثلاثة أيام، ضمن حملة عسكرية انتهت صباح الأحد الماضي، وحين توجه الأهالي إلى أراضيهم لتفقدها، حضرت سيارة "جيب" لجيش الاحتلال، وخلفها مركبة دفع رباعي صغيرة يقودها مستوطن، ثم أطلق جيش الاحتلال قنابل الغاز المسيل للدموع لطرد الأهالي، كما بدأت طائرة مسيرة تصوير المتجمعين قرب الأراضي التي جرى تجريفها.
وعلى مدار 22 شهراً، منع الأهالي من الوصول إلى تلك الأراضي عبر قوة النار، وكل من يريد الوصول إلى أرضه كان الاحتلال أو المستوطنون يطلقون عليه النار. ويؤكد المجلس القروي في المغير، أن 10 آلاف شجرة زيتون هي حصيلة التجريف خلال ثلاثة أيام، من دون أي قرار رسمي، إذ بدأ الاقتحام الخميس الماضي، وبدأ معه التجريف باستخدام آليات ثقيلة.
يقول نائب رئيس المجلس القروي للمغير، مرزوق أبو نعيم، لـ"العربي الجديد": "لأول مرة يجلب جيش الاحتلال جرافات D10 وD9 إلى القرية. كنا نراها تجرف أحياء ومنازل في مخيم جنين، وفي مخيمات طولكرم، واليوم أتوا بها لتجريف أشجارنا. شمل التجريف أشجاراً عمرها أكثر من مائة عام، وتعتبر مصدر رزق أساسيا لأهالي القرية، ولم يقتصر التجريف على المنطقة المحاذية للشارع الاستيطاني، بل شمل أراضي في منطقة القبون ومنطقة الحجار".
ويؤكد أبو نعيم أن "التجريف تجاوز المنطقة التي أعلنها الاحتلال منطقة أمنية عازلة، والتي بلغت بحسب أمر الاحتلال العسكري الأخير 296 دونماً، وهذه المساحة تبلغ نحو ربع ما تم تجريفه بالفعل. كل ما حصل كان لإرضاء المستوطنين، والتبرير بأن مستوطناً جرح نتيجة هجوم فلسطيني يوم الخميس الماضي، أمر مرفوض، ونشكك بتلك الرواية. قوات الاحتلال استغلت هذا الادعاء لاقتحام منازل القرية، والتنكيل بسكانها، وسرقة أموالهم، وصادرت 15 مركبة مرخصة، وحطمت عدداً آخر من المركبات التي يستخدمها الأهالي في الزراعة".
يتابع: "ترافق ذلك مع دعاية للمستوطنين تركز على ضرورة تهجير أهالي المغير، ونشر مستوطنون صور شاحنات نقل، قائلين إنهم مستعدون لنقل أهالي المغير بالمجان إن قرروا الرحيل، وترافق ذلك مع عمليات تهديد من ضباط مخابرات الاحتلال خلال اقتحام المنازل، والذين قال بعضهم للأهالي إن المغير ستصبح مثل رفح. في اليوم الثاني من الاقتحام والحصار، بدأ المستوطنون شق طريق استيطاني جديد على أراضي القرية، ويتوقع الأهالي أن الهدف منه وصل إلى إحدى البؤر الاستيطانية بمستوطنة عادي عاد، ثم بشارع ألون)= الاستيطاني".
ويوضح أبو نعيم: "الهدف النهائي هو خنق القرية، وحصرها بمنطقة السكن عبر إحاطتها بالاستيطان، ومنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم مقدمةً لدفعهم للرحيل عن القرية، لكن كل أهالي القرية يرفضون التهجير. عمليات التجريف تجعل كل المنطقة المحاذية للشارع فارغة تماماً من الأشجار، لتصبح أشبه بمنطقة عازلة، لكنها منطقة واسعة جداً".
يسكن عبد اللطيف أبو عليا في منطقة ملاصقة للأراضي التي جرفها الاحتلال أخيراً، وتم في السابق تجريف معظم أرضه البالغة عشرة دونمات، ويقول لـ"العربي الجديد"، إنه كان ينتج قرابة 50 "تنكة" (صفيحة) زيت زيتون في كل موسم، لكن ما تبقى له من أشجار لن ينتج أكثر من "تنكة" واحدة.
ويسكن عبد اللطيف في منزله الحالي منذ 50 عاماً، لكن موقع المنزل القريب من الشارع جعله عرضة للاعتداءات والمضايقات، وفي شهر إبريل/ نيسان 2024، تعرض لهجمة استيطانية استمرت لثلاث ساعات، أحرق خلالها المستوطنون المركبات في باحة منزله، وحطموا زجاج المنزل، واستشهد على سطح منزله قريبه جهاد أبو عليا خلال محاولة التصدي للمستوطنين.
اضطر عبد اللطيف منذ ذلك الحين إلى وضع أسلاك شائكة حول المنزل، في محاولة لمنع المستوطنين من الوصول إلى باحته، وتكرار الهجوم. ويقول لـ"العربي الجديد": "اضطررت لتحويل المنزل إلى سجن لأني لا ألازمه فيه طيلة الوقت، كما أن في داخله كباراً بالسن ونساء وأطفالاً، وربطت الأسلاك الشائكة بآلية تمكنني من ربطها بالتيار الكهربائي في محاولة للدفاع عن نفسي وعائلتي".
ويضيف: "الهدف هو تهجيرنا لإفراغ المنطقة، وتهجير كل من يسكن في القرية، لكننا صامدون ولن نغادر، وخلال الخمسين عاماً الماضية اقتحمت قوات الاحتلال منزلي مئات المرات، ولم أفكر بالرحيل، لكن شراسة المستوطنين وقوات الاحتلال زادت مؤخراً".
ويؤكد أهالي قرية المغير أن تهجيرهم مقدمة لإفراغ منطقتي شرق وشمال رام الله بالكامل، وأنه مخطط قديم، ارتبط بما يعرف بـ"خطة ألون"، والتي أقيم الشارع الاستيطاني وفقاً لها، وقد فصل الشارع ثلثي أراضي قرية المغير عنها، وعلى مدار 22 شهراً مضت، هجرت معظم التجمعات البدوية شرقي الشارع، لإفراغ المنطقة من الفلسطينيين بسبب امتدادها الطبيعي نحو الأغوار، ومنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم شرق الشارع، وبدأت سلسلة من الاعتداءات على القرية في غرب الشارع.
وتنتشر البؤر الاستيطانية حول القرية، وبلغ عددها ثماني بؤر استيطانية، أربع منها على أراضي المغير، وأربع تحاصرها لكنها على أراضي قرى مجاورة، لتضاف إلى عدد من المستوطنات، ما يعني حصار القرية بشريط استيطاني يعمل المستوطنون على توسيعه عبر استغلال الأراضي الزراعية التي يمنع الفلسطينيون من الوصول إليها.