أطفال غزة... هياكل عظمية في مواجهة التجويع

31 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 16:40 (توقيت القدس)
صغير مصاب بسوء تغذية ووالدته بمدينة غزة شمالي القطاع، 31 يوليو 2025 (خميس الريفي/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه المنظمات الدولية تحديات كبيرة في التعامل مع أزمة التجويع المتعمد في غزة، حيث يعاني الأطفال من سوء التغذية الحاد ونقص الرعاية الصحية، مع تسجيل آلاف الحالات ونقل 20 ألف طفل إلى المستشفيات.

- يتفاقم الوضع بسبب الحصار الإسرائيلي الذي يمنع دخول المساعدات، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات بين الأطفال، حيث سجلت 65 ألف حالة سوء تغذية ووفاة 154 شخصاً، بينهم 89 طفلاً.

- يعاني الأطفال حديثو الولادة من نقص حليب الأطفال، ويواجه الأهالي صعوبة في توفير الغذاء بسبب ارتفاع الأسعار، مما يضطرهم للاعتماد على التبرعات، مع دعوات للمجتمع الدولي للتدخل.

أكثر من 650 ألف طفل في غزة يفتقرون إلى التغذية السليمة

نحو 20 ألف طفل نُقلوا إلى المستشفيات بسبب سوء التغذية

سُجّلت وفاة 159 شخصاً منذ بداية الحرب نتيجة الجوع بينهم 90 طفلاً

تمضي المنظمات الدولية والوكالات الأممية في التحذير من التجويع الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر، ولا سيّما الأطفال من بينهم، وذلك بعد تزايد أعداد الوفيات المسجّلة نتيجة "الجوع الذي من صنع الإنسان".

بوجوههم الشاحبة وأجسادهم النحيلة التي نتأت فيها فقرات أعمدتهم الفقرية وأضلع أقفاصهم الصدرية وعظام أقدامهم، يواجه مئات من أطفال قطاع غزة الجوع وسوء التغذية الحاد، بلا علاج ولا تغذية صحية، وسط اشتداد التجويع الذي يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي بحقّ الفلسطينيين المحاصرين في القطاع ونفاد الغذاء، إلى جانب منع سلطات الاحتلال إجلاءهم من غزة. وهو ما يجعل هؤلاء الصغار يموتون ببطء، ويفقدون حياتهم واحداً تلو الآخر أمام عائلاتهم التي تقف عاجزة عن القيام بأيّ شيء للحؤول دون وفاتهم.

وتزداد حدّة الجوع في قطاع غزة، في حين تعجز المنظمات الدولية عن إيجاد آلية لإدخال المساعدات والأدوية والمكملات الغذائية للأطفال المجوَّعين، نتيجة السياسات الإسرائيلية المفروضة، الأمر الذي يهدّد حياة أكثر من 650 ألف طفل يفتقرون إلى التغذية السليمة. وتتصاعد التحذيرات من خطورة التجويع المتعمّد في قطاع غزة. وقد أفادت منظمة "العمل ضد الجوع" بأنّ عملية التجويع في قطاع غزة تزداد حدّة، مشيرةً إلى أنّ نحو 20 ألف طفل نُقلوا إلى المستشفيات بسبب سوء التغذية الحاد، وأنّ 300 ألف طفل دون الخامسة و150 ألف امرأة من الحوامل والمرضعات في حاجة ماسة إلى مكمّلات علاجية.

وبلغ إجمالي حالات سوء التغذية 65 ألف حالة من كلّ الأعمار منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بحسب ما يفيد رئيس دائرة نظم المعلومات لدى وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة زاهر الوحيدي "العربي الجديد". يضيف أنّ من بين  تلك الحالات 27 ألفاً سُجّلت منذ بداية العام الجاري، في حين سُجّلت وفاة 159 شخصاً في هذا السياق منذ بداية الحرب نتيجة الجوع، من بينهم 90 طفلاً. ويوضح الوحيدي أنّ حالات سوء التغذية ارتفعت بصورة كبيرة على خلفية الجوع في خلال الشهرَين الأخيرَين، وقد سجّلت الوزارة 5.500 حالة سوء تغذية في شهر مايو/ أيار الماضي و6.425 حالة في يونيو/ حزيران الماضي، فيما وصل عدد حالات سوء التغذية في خلال يوليو/ تموز المنصرم إلى 7000 حالة.

الصورة
في مستشفى في مدينة غزة - شمال قطاع غزة - 29 يوليو 2025 (الأناضول)
في أحد المستشفيات التي ما زالت تستقبل مرضى بمدينة غزة شمالي القطاع غزة، 29 يوليو 2025 (الأناضول)

لكنّ سوء التغذية قد يترافق بإصابات من جرّاء العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ أكثر من 21 شهراً. ولعلّ الطفل الفلسطيني عبيدة القرا (10 أعوام) من محافظة خانيونس جنوبي القطاع واحد من هؤلاء الذين وقعوا ضحية الاحتلال بأكثر من طريقة. فهو أُصيب بشظية في الرأس، في أثناء نزوحه مع عائلته من شرقي المحافظة في 19 مايو الماضي، الأمر الذي أدّى إلى شلل كلي وفقدان السمع، وقد أُضيف ذلك إلى سوء التغذية الحاد الذي تعرّض له وسط التجويع، نتيجة عدم توفّر الحليب الخاص للمرضى ولا المكمّلات الغذائية وأدوات النظافة الشخصية. فالاحتلال الإسرائيلي تمعن في إطباق حصارها على القطاع وتمنع عن الفلسطينيين فيه الإمدادات الأساسية، ولا سيّما تلك المنقذة للحياة.

في مجمّع ناصر الطبي بخانيونس، يرقد عبيدة الذي يُزوَّد بما يتوفّر من محاليل بواسطة أنبوب في الفم. يقول والده لـ"العربي الجديد": "وضع طفلي خطر جداً، وقد يفقد حياته في أيّ لحظة، إذ إنّه يفقد كثيراً من الوزن"، مشيراً إلى أنّه "يتعرّض لموت بطيء". يضيف: "لا أجد ما يمكنني إطعامه إيّاه. يومياً أجول في الأسواق بحثاً عن مكمّلات غذائية أو حليب، من دون جدوى. وإن وجدت، يكون ذلك لقاء مبالغ باهظة"، ويتابع "أحاول إطعامه أيّ شيء لبقائه على قيد الحياة".

ويكمل الوالد أنّ إصابته بجدري الماء فاقمت حالة عبيدة الصحية، واليوم يعاني من نوبات تشنّج مع ارتفاع درجة حرارة جسده، "ليصير الموت أقرب إليه من الدواء". ويؤكد أنّ "عبيدة يصارع الموت. هو في وضع صحي صعب"، لافتاً إلى أنّ "سريراً لم يتوفّر له في البداية، فيما أخبرني الأطباء أنّ لا علاج له، ولا حتى محاليل. فأحضرنا سريراً خاصاً ووضعناه في ممرّ بالمستشفى. ومنذ سبعين يوماً، أرافقه وقلبي يتفطر على حالته". ويشير والد عبيدة إلى أنّ طفله يرى "بعينَيه كيف يتآكل جسده، فيما هو عاجز عن الكلام أو التعبير عن ألمه نتيجة الجوع والإصابة". وإذ يظهر صورة له قبل إصابته، يقول الوالد إنّ صغيره "كان مفعماً بالنشاط والحيوية، وكان وجهه متفتّحاً كالوردة، وكام يركض ويلعب ويحبّ الحياة. لكنّ كلّ شيء تغيّر الآن، وصار في بحالة صعبة".

بدورها، بسبب هزالها الشديد، لا تستطيع الطفلة الفلسطينية هدى أبو النجا (12 عاماً) الوقوف على قدمَيها. فالتجويع الإسرائيلي المتعمّد في قطاع غزة أدّى إلى انخفاض وزنها ونتوء عظام قفصها الصدري وعمودها الفقري. وفي محاولة لإنقاذ صغيرتها، قدّمت العائلة طلب سفر عاجل قبل شهر من دون أيّ استجابة. وقبل إصابتها بسوء التغذية، كان وزن هدى يزيد عن 30 كيلوغراماً، واليوم لا يتجاوز 19. يقول شقيقها لـ"العربي الجديد" إنّها "أُصيبت بهذه الحالة بسبب الجوع وعدم توفّر الطعام"، مشدّداً على أنّها لطالما كانت "طفلة سليمة، ولم تصب بأيّ مرض في السابق. لكنّ حالتها تزداد سوءاً يوماً بعد آخر".

ومن أجل توفير الطعام لطفلتها المجوَّعة، تبذل العائلة جهداً كبيراً في البحث عن أغذية صحية. ويلفت شقيقها إلى أنّ "أسعار ما هو متوفّر من فواكه وخضروات وأسماك محدودة باهظة. سعر عنقود عنب واحد، على سبيل المثال، يوازي 20 دولاراً أميركياً، وهو لن يؤثّر في جسد هدى إذ تحتاج يومياً إلى نصف كيلوغرام منه بالحدّ الأدنى، علماً أنّ سعره يتجاوز 30 دولاراً". يضيف: "أمّا اللحوم فمقطوعة منذ شهور. وبالكاد نستطيع شراء سمكة واحدة لها بسبب سعرها الباهظ كذلك، فيما هي في حاجة إلى عدد أكبر لتقوية جسدها". ويردف أنّ "رعايتها أمر مرهق جداً"، مشيراً إلى أنّ غذاءها كان يرتكز على العدس والمعلّبات.

ولا يخفي شقيق هدى أنّ "لا دخل لدينا، بالتالي لا نستطيع توفير وجبة طعام إلا بصعوبة"، فيما يبيّن أنّ "لا حلّ أمام الأطباء سوى تزويدها بحليب صحي خاص، ونحن نكافح من أجل توفير الغذاء لها". ويذكر أنّ هدى دخلت إلى المستشفى في 23 مايو الماضي، ولم تغادره منذ ذلك الحين، علماً أنّها فقدت نشاطها وتبقى نائمة طوال الوقت وتحاول مقاومة التجويع بجسدها الهزيل.

الصورة
في مجمّع ناصر الطبي في خانيونس - جنوب قطاع غزة - 30 يوليو 2025 (عبد الله العطّار/ الأناضول)
في مجمّع ناصر الطبي بخانيونس جنوبي قطاع غزة، 30 يوليو 2025 (عبد الله العطّار/ الأناضول)

في سياق متصل، تفاقم عملية التجويع حالات الأطفال المرضى عموماً، أمير مطر (أربعة أعوام) وشقيقه يوسف (ستّة أعوام) من بين هؤلاء. على الرغم من مرضهما، فإنّهما كانا يُعدّان بحالة صحية مقبولة قبل الحرب الإسرائيلية الأخيرة. وبفعل النزوح والتشرّد والعيش في مخيمات الإيواء، نحف جسدا الطفلَين ونتأت عظامهما، فوزن أمير اليوم 5.2 كيلوغرامات ووزن يوسف ثمانية. وقد صار جسدا الطفلَين أشبه بهيكلَين عظميَّين، علماً أنّهما يعيشان في خيمة بمركز إيواء بمدينة غزة شمالي القطاع، ويكافح والدهما كثيراً من أجل توفير الحليب والغذاء لهما. ولأنّ الوالد خسر عمله شأنه شأن سكان غزة بمعظمهم فقد بالتالي مصدر دخله، فإنّه يفشل في أحيان كثيرة في تأمين الغذاء المناسب، فلا تزيد وجبة الطفلَين اليومية عن رغيف خبز ونصف رغيف، الأمر الذي لا يسمح في تحسّن حالتَيهما.

ويخبر والدهما عبد الرحمن مطر "العربي الجديد" أنّ "أمير ويوسف مصابان بأعلى درجة من سوء تغذية، وقد أُصيبا بفعل النزوح وقلّة الغذاء في خلال الحرب. حتى نحن الكبار تضرّرنا؛ فقد انخفض وزني كثيراً فيما والدتهما المرضعة تعاني من وضع سيّئ". ويشكو من أنّ "لا مؤسسات تتبنّى مثل هذه الحالات بطريقة كاملة"، لافتاً إلى أنّ الطفلَين "كانا يحصلان على الطعام قبل الحرب، وكانت الأسعار في متناول اليد. فأنا كنت أعمل، كنت قادراً على شراء الفواكه والخضروات واللحوم لهما، وكانا يتناولان يومياً وجبات عدّة، ويحصلان على الحليب والبسكويت والمكمّلات الغذائية. لكنّ توفير ذلك، في الوقت الراهن، يفوق قدراتنا المادية".

واليوم، يحصل أمير على علبة حليب واحدة من قسم سوء التغذية في مستشفى أصدقاء المريض بمدينة غزة مرّة واحدة كلّ ثمانية أيام، لكنّ شقيقه يوسف غير مشمول بذلك إذ تجاوز خمسة أعوام. لذا يجد الوالد نفسه مضطراً إلى توزيع حصّة أمير من الحليب والمكملات الغذائية على الطفلَين، مع تخفيف المقدار اليومي من الجرعات الغذائية بهدف إطالة أمدها، في ظلّ انقطاع التسليم بين فترة وأخرى. إلى جانب ذلك، يقرّ الوالد أنّه بصعوبة يستطيع شراء كيلوغرام واحد من الطحين يومياً لأطفاله جميعاً. ويوضح مطر أنّ "في بعض الأحيان، يحصل كلّ طفل على رغيف ونصف رغيف، فأنا لديّ ستّة أطفال آخرين، من بينهم رضيع، وجميعهم في حاجة إلى الغذاء".

ونظراً إلى انقطاع حليب الأطفال، ولا سيّما الخاص بحديثي الولادة، فقد أُصيب عدد كبير منهم بسوء التغذية كما الرضيعة آية باسل عزيز البالغة من العمر أربعة أشهر. هي وُلدت بوزن 2.5 كيلوغرام، لكنّها اليوم لا تزيد عن ثلاثة كيلوغرامات، وهو وزن طفل حديث الولادة، نتيجة انقطاع الحليب وضعف الرضاعة الطبيعية. ويقول والدها لـ"العربي الجديد" إنّها "كانت تحصل على جرعات الرضاعة بصورة طبيعية، ثمّ صرنا نزوّدها ببدائل مع انقطاع الحليب. لكنّها لم تعوّضها عن كمية الحليب التي تحتاج إليها، الأمر الذي أدّى إلى انخفاض حاد في وزنها".

ومنذ عشرة أيام، ترقد آية في قسم سوء التغذية بمستشفى الرنتيسي التخصّصي بمدينة غزة، بوضع صحي صعب. وقد تمكّنت العائلة، بصعوبة، من توفير علبتَي حليب لها بواسطة تبرّعات خيرية. ولا يخفي والدها أنّه توجّه إلى المؤسسات المتخصّصة التي لم تتمكّن من نزويده بأيّ علبة حليب للأطفال، إذ يمنع الاحتلال الإسرائيلي إدخال المكمّلات الغذائية وحليب الأطفال إلى القطاع المحاصر، مع العلم أنّ سعر علبة الحليب المطلوب في السوق السوداء تتجاوز، في حال توفّرت، ما قيمته 50 دولاراً. ووفقاً لدائرة نظم المعلومات لدى وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فقد بلغ عدد المواليد في خلال الحرب المتواصلة 67 ألفاً، من بينهم 12 ألف مولود في خلال الربع الأخير من عام 2023، و37 ألفاً و800 مولود في خلال عام 2024، و17 ألف مولود في خلال النصف الأول من عام 2025.