استمع إلى الملخص
- عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن قلقه من تراجع الولايات المتحدة عن حلفائها، محذراً من العدوانية الاستعمارية الجديدة، وأكد على أهمية عدم قطع العلاقات معها رغم التوترات.
- دعا ماكرون إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجي لأوروبا وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين، مشدداً على أهمية حماية المصالح الأوروبية وتعزيز التشريعات في قطاع التكنولوجيا.
أكد وزير خارجية فرنسا جان-نويل بارو، الجمعة، أنّ لبلاده الحق الكامل في أن تقول "لا" للولايات المتحدة عندما تتصرف بطريقة "غير مقبولة"، محذراً من أن النظام السياسي الأوروبي بات "في خطر"، في ظل تحولات عميقة تشهدها العلاقات الدولية وتزايد الضغوط على الاتحاد الأوروبي.
وفي خطابه السنوي أمام السفراء الفرنسيين، حذّر بارو من أن الاتحاد الأوروبي يواجه تهديدات متزامنة من الخارج والداخل، مشيراً إلى وجود "خصوم يسعون إلى تفكيك روابط التضامن التي توحّد الأوروبيين"، إضافة إلى "الإنهاك الذي أصاب الديمقراطية من الداخل". وانتقد في هذا السياق تصريحات صادرة عن واشنطن اعتبرت أن أوروبا تواجه خطر "زوال حضارتها".
وقال بارو إن "الإدارة الأميركية قررت، خلال أشهر، إعادة التفكير في الروابط التي تجمعنا، وهذا حقها"، مضيفاً: "لكن من حقنا أيضاً أن نقول لا لحليف تاريخي، مهما كانت أهميته، عندما يكون اقتراحه غير مقبول ويتعيّن علينا رفضه". وتأتي هذه المواقف في وقت تسعى فيه القوى الأوروبية إلى التوفيق بين أولوياتها الاستراتيجية، في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا منذ نحو أربع سنوات، ومحاولات تنسيق ردّ موحّد على السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً في نصف الكرة الغربي. وقد زادت حدة التوتر عقب اختطاف واشنطن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه ضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك.
وحذّر بارو من مستقبل غامض للمشروع الأوروبي قائلاً: "لنكن واضحين، لا يوجد ما يضمن اليوم أننا سنظل نعيش داخل الاتحاد الأوروبي كما نعرفه بعد عشر سنوات".
وجاءت تصريحات وزير الخارجية غداة خطاب للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبّر فيه عن أسفه لأن الولايات المتحدة "تتخلى تدريجياً" عن حلفائها و"تتجاهل القواعد الدولية"، متحدثاً عن تصاعد ما وصفه بـ"عدوانية استعمارية جديدة" في العلاقات الدبلوماسية الدولية.
وفي خطابه السنوي أمام السفراء في قصر الإليزيه، قال ماكرون إنّ "الولايات المتحدة قوة راسخة، لكنها تتخلى تدريجياً عن بعض حلفائها وتتجاهل القواعد الدولية التي كانت تروّجها حتى وقت قريب"، محذراً من تراجع أداء المؤسسات متعددة الأطراف، ومضيفاً: "نحن نعيش في عالم قوى عظمى لديها رغبة حقيقية في تقاسم العالم فيما بينها".
ورغم انتقاده "العدوانية التجارية المتزايدة غير المقيّدة" للصين، ووصفه روسيا بأنها "قوة مزعزعة للاستقرار"، فإن مواقف ماكرون تجاه الولايات المتحدة بدت الأكثر حدّة. ومع ذلك، حرص الرئيس الفرنسي على عدم الدعوة إلى قطيعة مع واشنطن، خاصة بعد مشاركة مبعوثين أميركيين في قمة عُقدت في باريس لمناقشة الضمانات الأمنية لأي وقف محتمل لإطلاق النار في أوكرانيا.
وفي تطورات زادت من توتر المشهد، جاءت تصريحات ماكرون عقب عملية أميركية خاطفة أسفرت عن اختطاف مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك، ما أثار اتهامات لواشنطن بتقويض القانون الدولي. كما جدّد ترامب في أعقاب التدخل العسكري في فنزويلا رغبته في ضم غرينلاند، رافضاً استبعاد استخدام القوة، الأمر الذي أثار صدمة وغضب الدنمارك وحلفاء أوروبيين آخرين، وحذّرت كوبنهاغن من أن أي هجوم عسكري قد يعني نهاية حلف شمال الأطلسي.
وشدد ماكرون على رفض فرنسا "الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة"، كما رفض في الوقت نفسه "التبعية والانهزامية"، مؤكداً أن ما تحقق لفرنسا وأوروبا "يسير في الاتجاه الصحيح" من حيث تعزيز الاستقلال الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين. وفي هذا السياق، دعا الرئيس الفرنسي إلى "إعادة الاستثمار بالكامل في الأمم المتحدة"، معتبراً أن النظام الدولي بات أكثر أهمية في وقت يتساءل فيه العالم عمّا إذا كانت غرينلاند مهددة بالغزو، أو إذا كانت كندا معرضة لأن تصبح "الولاية الأميركية الحادية والخمسين".
وتزامنت هذه الدعوة مع إعلان البيت الأبيض انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة ومعاهدة دولية، نصفها تقريباً تابع للأمم المتحدة، بدعوى تعارضها مع المصالح الأميركية. كما حضّ ماكرون أوروبا على حماية مصالحها وتعزيز تشريعاتها المنظمة لقطاع التكنولوجيا، مشدداً على أهمية الاستقلالية الأكاديمية، ومشيداً بضرورة وجود "مساحة معلومات خاضعة للإشراف تُتداول فيها الآراء بحرية، من دون أن تتحكم بها خوارزميات قلة من الناس".
وكان الاتحاد الأوروبي قد اعتمد بالفعل حزمة قوانين تهدف إلى كبح نفوذ عمالقة التكنولوجيا، أبرزها قانون الأسواق الرقمية وقانون الخدمات الرقمية، وهي تشريعات انتقدتها واشنطن بشدة، معتبرة أنها محاولة لفرض رقابة أوروبية على منصات التواصل الاجتماعي الأميركية.
(فرانس برس، العربي الجديد)