هكذا طُبخت خطة ترامب للسلام في أوكرانيا بعيداً عن الجميع

22 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 23 نوفمبر 2025 - 15:12 (توقيت القدس)
ستيف ويتكوف وكيريل دميترييف صانعي الخطة، 11 إبريل 2025 (فياتشيسلاف بروكوفييف/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- احتكار المفاوضات: كشفت خطة السلام الأميركية في أوكرانيا عن احتكار مبعوثي ترامب للمفاوضات مع الروس، مستبعدين الخارجية الأميركية وأوكرانيا وأوروبا، مما وضع الرئيس الأوكراني زيلينسكي أمام خيارين صعبين.

- اجتماع ميامي والانتقادات: أثار اجتماع بين مبعوثي ترامب ورجل أعمال روسي خاضع للعقوبات شكوكاً حول الخطة، التي اعتبرت مائلة نحو المصالح الروسية، مما أثار انتقادات من الأوكرانيين وحلفائهم وقلقاً من غياب التنسيق مع الخارجية الأميركية.

- ضغوط على أوكرانيا: تسعى إدارة ترامب للضغط على أوكرانيا لقبول الخطة وسط تراجع موقف زيلينسكي الداخلي، مهددة بفقدان الدعم الاستخباراتي والعسكري، بينما تعمل أوكرانيا وحلفاؤها على مقترح مضاد.

ما تزال كواليس الخطة الأميركية لتحقيق السلام في أوكرانيا، التي قدمتها إدارة دونالد ترامب لكييف رسمياً أول من أمس الخميس، تتكشف، مظهرةً أكثر فأكثر احتكار مبعوثي ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، التفاوضَ مع الروس وإقرار الخطة من دون أن يكون للخارجية الأميركية على ما يبدو دور، بالإضافة طبعاً لتغييب أوكرانيا وأوروبا عن العملية. وقبل أن يتمكن الفرقاء من هضم الخطة، أكدت أوساط إدارة ترامب أنه لا بد من القبول بهذه الخطة في النهاية أو ستخسر كييف دعم واشنطن، ما يترك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

بين خيارين صعبين عبّر عنهما في خطاب مصوّر بالقول: "إما فقدان كرامتنا أو فقدان حليف رئيسي".

اجتماع غامض في ميامي

ويثير الغموض الذي يلفّ عملية صياغة الخطة شكوك مسؤولين ومشرعين أميركيين ومخاوفهم كما تقول رويترز، التي تنقل عن مصادر وصفتها بالمطلعة أن جزءاً من هذا القلق ينصبّ حول اجتماع عُقد في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في ميامي، التقى فيه ويتكوف وكوشنر مع رجل الأعمال الروسي كيريل دميترييف، الخاضع للعقوبات الأميركية والذي يرأس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، وهو أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في روسيا، لصياغة الخطة.

وقال مصدران مطلعان إن الاجتماع أفضى إلى خطة من 28 نقطة لإنهاء الحرب. وكانت الخطة التي كشف عنها موقع أكسيوس الأسبوع الماضي مفاجئة للمسؤولين الأميركيين في مختلف مستويات الإدارة الأميركية وأثارت بلبلةً في السفارات لدى واشنطن والعواصم الأوروبية. وأثارت أيضاً انتقادات من الأوكرانيين وحلفائهم، لأنها بدت مائلةً بشدة نحو المصالح الروسية. ويبدو أن الوثيقة، التي تدعو أوكرانيا إلى تقديم تنازلات كبيرة، تتعارض مع الموقف الأكثر صرامة الذي اتخذته إدارة ترامب في الآونة الأخيرة تجاه موسكو، بما في ذلك فرض عقوبات على قطاع الطاقة الروسي.

واضطلع دميترييف؛ الحليف المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

، بدور قيادي في المحادثات مع الولايات المتحدة بشأن الحرب واجتمع مع ويتكوف مرات عدة هذا العام. وقال مسؤول أميركي كبير إن إدارة ترامب أصدرت إعفاء خاصاً للسماح بدخوله. وأدرجت الحكومة الأميركية دميترييف وصندوق الاستثمار المباشر على القائمة السوداء للمستهدفين بالعقوبات في عام 2022 بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. وتمنع العقوبات فعلياً المواطنين والشركات الأميركية من التعامل معهما. ولم يتضح ما إذا كان دميترييف قد جاء إلى اجتماع ميامي بمطالب روسية معينة وما إذا كانت تلك المطالب أُدرجت في خطة السلام.

وقال مصدران على دراية بالاجتماع إن رستم أوميروف وزير الدفاع الأوكراني كان أيضاً في ميامي، الأسبوع الماضي، لمناقشة الخطة مع ويتكوف. وأفاد مصدر مطلع على الوضع بأن ويتكوف أخبر أوميروف بالخطة خلال تلك الزيارة، وأن الولايات المتحدة قدمت الخطة إلى أوكرانيا عبر الحكومة التركية يوم الأربعاء الماضي، قبل عرضها مباشرة في كييف يوم الخميس. إلا أن أوميروف وصف دوره بأنه "فني" ونفى بحث الخطة من حيث المضمون مع المسؤولين الأميركيين.

هل كان روبيو على اطلاع؟

وقال المصدران المطلعان على الخطة إن العديد من المسؤولين الكبار داخل وزارة الخارجية وفي مجلس الأمن القومي لم يُطلعوا عليها. وأضافا أن المبعوث الأميركي الخاص لأوكرانيا، كيث كيلوج، الذي كان يعمل مع الأوكرانيين على التفاوض لإنهاء الحرب ويخطط للتنحي في يناير/ كانون الثاني، استُبعد من المحادثات التي قادها ويتكوف ودميترييف.

وقال مسؤول أميركي كبير إن وزير الخارجية ماركو روبيو اطلع على الخطة، لكنّه لم يوضح متى حدث ذلك. وذكر تومي بيجوت، النائب الرئيسي للمتحدث باسم الخارجية الأميركية، في بيان، "شارك الوزير روبيو عن كثب طوال عملية وضع خطة لإنهاء الحرب في أوكرانيا. وأي تلميحات بخلاف ذلك خاطئة تماماً". ولكن مسؤولاً أميركياً قال لرويترز: "لم يكن هناك تنسيق، ولم يطلع أحد في وزارة الخارجية على ذلك، ولا روبيو". وأضاف أن الخطة تحتوي على نقاط رفضها وزير الخارجية في السابق. وأثارت هذه المعلومات مخاوف داخل الإدارة الأميركية وفي الكونغرس من أن ويتكوف وكوشنر التفّا على العملية المشتركة بين الهيئات الأميركية المختصة، وأن المناقشات مع دميترييف انتهت بخطة تصب في مصلحة روسيا.

وقال رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، السناتور الجمهوري روجر ويكر من ولاية مسيسبي: "ما يُطلق عليها خطة السلام تنطوي على مشاكل حقيقية، وأنا أشكّ بشدة في أنها ستُحقق السلام". وأضاف "لا ينبغي إجبار أوكرانيا على التخلي عن أراضيها لواحد من أكثر مجرمي الحرب شراً في العالم وهو فلاديمير بوتين". وتتضمّن الخطة مطالب سبق أن قدمتها روسيا؛ وهي أن تتخلى أوكرانيا عن بعض أراضيها في الجزء الشرقي من البلاد الذي لا تزال تسيطر عليه والاعتراف بشبه جزيرة القرم جزءاً من روسيا والتعهّد بعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.

على أوكرانيا أن توقع!

وبرغم إقصاء الشركاء الأوروبيين عن مرحلة إعداد الخطة، إلا أن الإدارة الأميركية تظهر عدم اكتراث بذلك وتطلب منهم الضغط على أوكرانيا لقبول هذه الخطة، وأبلغ مسؤولون أميركيون باقي أعضاء حلف الناتو أنهم يتوقعون منهم دفع زيلينسكي إلى الموافقة على اتفاق سلام في الأيام المقبلة، مهددين بأن كييف ستواجه اتفاقاً أسوأ بكثير في المستقبل إذا لم توقع. وتقول صحيفة غارديان البريطانية، السبت، إن وزير الجيش الأميركي، دان دريسكول، بعد أن أطلع سفراء دول الناتو على الخطة، في اجتماع عُقد في كييف في وقت متأخر من يوم أمس الجمعة، قال بوضوح، وفقاً لمصدر من الحاضرين: "لا يوجد اتفاق مثالي، ولكن يجب إبرامه عاجلاً وليس آجلاً".

وتقول الصحيفة البريطانية إن جواً من الكآبة ساد في القاعة، حيث شكك العديد من السفراء الأوروبيين في محتوى الاتفاق والطريقة التي أجرت بها الولايات المتحدة المفاوضات مع روسيا دون إطلاع الحلفاء على مجرياتها. وقال المصدر إنه من الواضح أننا عدنا إلى ادعاء ترامب بأن زيلينسكي لا يملك أوراقاً للعب، العبارة التي أطلقها ترامب خلال الاجتماع الشهير مع زيلينسكي في البيت الأبيض في فبراير/شباط الماضي.

ويتضمن الاتفاق المطروح الآن عدداً من البنود التي يُرجّح أن تكون غير مقبولة لكييف، بما في ذلك ضرورة التخلي عن الأراضي التي احتلتها روسيا، بالإضافة إلى التنازل عن المزيد من الأراضي التي لا تزال كييف تسيطر عليها. كما يُشير إلى أنه سيكون هناك عفو عن جميع جرائم الحرب المرتكبة خلال الصراع. وقال زيلينسكي مخاطباً مواطنيه في كلمة مصورة، أمس الجمعة، إنها "واحدة من أصعب لحظات تاريخنا"، وأضاف أن أوكرانيا تواجه خيارين: "إما فقدان كرامتنا أو فقدان حليف رئيسي".

وبالعودة لاجتماع سفراء الناتو مع دريسكول رفض الأخير، وهو صديق مقرب لنائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس وعُيّن مؤخراً في ملف أوكرانيا، الخوض في تفاصيل ما إذا كانت الصفقة المطروحة تتوافق مع الـ 28 بنداً التي نُشرت في الصحافة. وقال وفقاً للمصدر: "بعض الأمور مهمة، وبعضها مجرد واجهة. نحن نركز أكثر على الأمور المهمة". وفي دفاعه عن غياب الحلفاء الأوروبيين عن الخطة قال دريسكول إن ذلك جعل العملية أكثر سهولة، مضيفاً بحسب المصدر: "الرئيس ترامب يريد السلام الآن. كلما زاد عدد الطهاة في المطبخ، زادت صعوبة التعامل معه".

من جهتها، قالت جولي ديفيس، القائمة بالأعمال الأميركية في كييف والتي كانت حاضرة في الاجتماع أيضاً، إنه على الرغم من أن شروط الاتفاق عقابية لأوكرانيا، إلا أنه ليس لدى كييف خيار سوى القبول أو مواجهة الأسوأ في المستقبل. وقالت: "الاتفاق لا يتحسن من هنا، بل يزداد سوءاً". ويحرص ترامب على موافقة زيلينسكي على الاتفاق بحلول عيد الشكر، الموافق يوم الخميس القادم، وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، صرحت ديفيس للصحافيين بأن ترامب يسعى إلى "جدول زمني حازم" للتوصل إلى الاتفاق. وتقول غارديان أنه عندما سُئل مسؤول اميركي عن سبب إجبار كييف على التخلي عن أراضٍ في الشرق لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة عليها لمدة 11 عاماً، اكتفى المسؤول بالقول إن الاتفاق "مفيد لأوكرانيا". 

واشنطن تستغل لحظة ضعف زيلينسكي

أما صحيفة بوليتيكو فتطرح تساؤلاً حول التوقيت ولماذا يعتقد ترامب أن زيلينسكي سيوافق الآن على ما كتن رفضه من قبل؟. وتجيب الصحيفة الأأميركية بأن إدارة ترامب تعتقد أن اللحظة الآن هي المناسبة للضغط على أوكرانيا للتوصل إلى اتفاق سلام، في ظل تخلخل وضع زيلينسكي في الداخل الأوكراني بعد تعرضه لفضيحة فساد تُشكل أكبر تهديد مباشر لقيادته منذ الغزو الروسي عام 2022. وقال مسؤول كبير في البيت الأبيض للصحيفة: "على الأوكرانيين القبول بالاتفاق نظراً لضعف موقف زيلينسكي الحالي".

ومنح ترامب زيلينسكي مهلة حتى 24 نوفمبر/تشرين الثاني للتوقيع وإلا خاطر بفقدان الدعم الاستخباراتي والعسكري الأميركي. وترى الصحيفة أن ترامب الراغب بشدة بإنهاء الحرب يمارس ضغوطاً كبيرة على الجانب الذي يعتقد أنه الأضعف والأشد حاجة لأميركا وهو الأوكراني في هذه الحالة. وقال مسؤول أميركي: "أُوحي للأوكرانيين بشكل ضمني بأن الولايات المتحدة تتوقع منهم الموافقة على اتفاق سلام". وأضاف: "أي تغييرات سيقررها الرئيس بنفسه".

وجاء عرض الخطة الأميركية متزامناً مع تفشي فضيحة فساد طالت حلفاء زيلينسكي المقربين في حكومته. ورغم أن زيلينسكي نفسه لم يتهم بأي مخالفات إلا أن موقفه الداخلي أصبح أضعف وهذا ما يعيه الأميركيون حيث أبدى بعض مسؤولي ترامب تفاؤلهم بأن الرئيس الأوكراني لن يتمكن من مقاومة العرض. وتنقل بوليتيكو عن مسؤول أوروبي كبير قوله إن "الأميركيين يتحدثون إلى أوكرانيا بلغة الضغط. والخيار الوحيد هو التوقيع".

وبينما يرى البيت الأبيض فرصة سانحة، يعتقد العديد من المسؤولين الأوروبيين وحلفاء أوكرانيا الآخرين أن رأس مال زيلينسكي السياسي المُستنزف سيجعل من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، إقناع الرأي العام الأوكراني بالاقتراح الأميركي. بينما يقول مسؤولو ترامب، مع إشارة إلى تحقيقات الفساد الدائرة في كييف، إن هذا هو أفضل مقترح سلام وأكثرها واقعية يمكن لأوكرانيا توقعه. وقال مسؤول ثانٍ في البيت الأبيض: "هذه خطة جيدة، سواءً مع فضيحة فساد زيلينسكي أو بدونها".

وتكشف بوليتيكو أن دريسكول، الذي أصبح الممثل الرئيسي للإدارة الأميركية في جهود السلام، يعتزم قضاء عطلة نهاية الأسبوع في اجتماعات مع حلف الناتو والحلفاء الأوروبيين لإطلاعهم على نتائج المحادثات، وفقاً لمسؤول أميركي. فيما تعمل أوكرانيا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة على مقترح مضاد لخطة ترامب، يتضمن عدة بنود، مثل وضع حد أقصى للتجنيد العسكري الأوكراني الذي كان "غير مقبول سابقاً" لدى الأوروبيين، و"لا يزال كذلك" وفقاً لدبلوماسي أوروبي ثانٍ.

المساهمون