هكذا تعمل مليشيات الدعم السريع على طمس أدلة مجازر الفاشر
استمع إلى الملخص
- أثارت الأحداث غضباً محلياً ودولياً، حيث حذرت منظمات حقوقية من تزايد خطر الانتهاكات العرقية، ودعت إلى تحقيقات مستقلة وسريعة.
- رغم إعلان قوات الدعم السريع عن لجان تحقيق واعتقالات، استمرت الاتهامات بمحاولات إخفاء الجرائم، وأكدت منظمات حقوقية على أهمية استخدام التكنولوجيا لجمع الأدلة وإنصاف الضحايا.
بعد حصار دام نحو 540 يوماً، سيطرت قوات الدعم السريع، في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، غربي السودان، مرتكبة فظائع جماعية، ومتسببة في أزمة إنسانية كارثية. وأقدم عناصر مليشيات الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني منذ 15 إبريل/نيسان 2023، بمجرد دخول المدينة على ارتكاب عمليات قتل جماعي للمدنيين والأسرى من العسكريين، ووثقوا أفعالهم في مقاطع فيديو بثوها على مواقع التواصل الاجتماعي. تسبب ذلك في ضجة وغضب محلي ودولي، فيما اتهمت منظمات محلية ودولية "الدعم السريع" بالإقدام على محاولات طمس الأدلة والبيّنات عبر حملات تنظيف واسعة من جمع ودفن وحتى حرق للجثث، وإظهار، عبر مقاطع فيديو، مواطنين تحتجزهم داخل المدينة على أنهم يعيشون ويتجولون بأمان بعد عودة الأوضاع إلى طبيعتها.
في 26 أكتوبر الماضي، سيطرت مليشيا الدعم السريع على الفاشر بالكامل، وذلك عقب معارك ضارية مع الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني والقوات المساندة له، ما جعل كامل إقليم دارفور بولاياته الخمس خاضعاً لتلك المليشيات. وقد فتح ذلك الباب لتنفيذ مسلحيها ما وُصف بمذبحة الفاشر، حيث هاجموا المدنيين وقتلوهم عشوائياً في المدينة وما حولها، عند محاولة الآلاف الفرار.
مجازر "الدعم السريع" في الفاشر
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير يوم 30 أكتوبر الماضي، إنه "في الأشهر الأخيرة، حفرت قوات الدعم السريع خندقاً وبنت ساتراً رملياً يحيط بالمدينة، ومنع مقاتلوها التجار ومنظمات الإغاثة من الوصول إليها إلى حد كبير، ما اضطر المدنيين إلى تناول علف الحيوانات". واعتبرت أن "لقوات الدعم السريع سجلاً حافلاً بارتكاب فظائع جماعية ضد المدنيين في أعقاب الانتصارات العسكرية". وحذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، في 27 أكتوبر الماضي، من أن "خطر ارتكاب مزيد من الانتهاكات والفظائع واسعة النطاق ذات الدوافع العرقية في الفاشر يتزايد يوماً بعد يوم". كما حذّر مكتب المدعي العام لدى المحكمة الجنائية الدولية، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، من التقارير الواردة من الفاشر، والتي تتحدث عن عمليات قتل جماعي واغتصاب وغيرها من الجرائم التي يُشتبه بأنها ارتُكبت. ونبه إلى أن هذه الفظائع (في الفاشر) جزء من نمط أوسع من العنف ضرب منطقة دارفور بأكملها منذ إبريل 2023". وأضاف أن "أفعالاً كهذه، إذا تم إثباتها، قد تشكّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما
" الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.من جهتهم، أعرب عشرة خبراء من الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، الأسبوع الماضي، عن بالغ قلقهم إزاء "حجم وبشاعة الجرائم المبلغ عنها في الفاشر، بما في ذلك مستويات واسعة النطاق ومنهجية وسادية من العنف الجنسي تُستخدم عمداً استراتيجية للهيمنة والإذلال وتهدف إلى تدمير المجتمعات". وأضافوا في بيان يوم السابع من نوفمبر الحالي: "لقد هالنا بوجه خاص ما يرد من التقارير التي تفيد بتعرض نساء للاغتصاب أمام أقاربهن واحتجازهن لأيام في ظروف قاسية ترقى إلى مستوى التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة". وتحدث الخبراء عن تقارير موثوقة تشير إلى "تنفيذ إعدامات ميدانية على أساس عرقي بحق مدنيين في الفاشر على أيدي الدعم السريع، وهي أفعال محظورة بموجب القانون الدولي وتشكل جرائم حرب وقد ترقى أيضاً إلى جرائم ضد الإنسانية"، وشددوا على ضرورة توقفها فوراً وإجراء تحقيقات سريعة ومستقلة بشأنها.
وعقب سقوط الفاشر، قالت مجموعة "محامو الطوارئ" الحقوقية، في بيان يوم 27 أكتوبر، إن "الدعم السريع" ارتكبت "جريمة مروّعة" جديدة بالمدينة، حيث أظهرت مقاطع فيديو موثقة تنفيذ عناصر تابعة لها عمليات تصفية جماعية بحق مواطنين مدنيين وأسرى من الجيش والمجموعات المتحالفة معه، تم "قتلهم بدمٍ بارد في مشاهد صادمة ومتكررة بالمدينة". وبيّنت أن المقاطع وثقت إعدام عناصر "الدعم السريع" أسرى حرب بعد أن ألقوا أسلحتهم واستسلموا.
في خضم الضجة التي حدثت في الفاشر وتصوير المقاتلين لجرائمهم، أقر قائد "الدعم" محمد حمدان دقلو "حميدتي" بحدوث ما سمّاها "تجاوزات" من قواته في المدينة. وقال في خطاب نُشر على تطبيق تليغرام يوم 29 أكتوبر الماضي: "أرى أن هناك تجاوزات حصلت في الفاشر، ومن هنا أعلن عن تشكيل لجان تحقيق، ليس ذلك فقط، لقد وصلت بالفعل لجان التحقيق إلى الفاشر"، وزعم أن "لجان تحقيق قانونية ستبدأ فوراً في التحقيق والمحاسبة لأي جندي أو ضابط تجاوز وأجرم في حق أي إنسان يجري القبض عليه، والإعلان عن نتيجة التحقيق فوراً". وأضاف: "نتأسف للكارثة التي حلت عليكم، لكنا كنا مجبورين لم يكن لدينا خيار، فالحرب فرضت علينا، القرار لكل القوات أن توجد خارج الفاشر بعد أن تؤمن المدينة وتعمل على إزالة العوائق".
كما أعلن مجلس وزراء حكومة تحالف "تأسيس" الذي تقوده "الدعم السريع"، أول من أمس الأحد، أن اللجنة الوطنية للتحقيق في مزاعم انتهاكات الحرب بالفاشر باشرت أعمالها من داخل المدينة. كذلك أعلنت "الدعم السريع" في بيان على تطبيق تليغرام يوم 30 أكتوبر الماضي، أنها ألقت القبض على مقاتلها المدعو أبو لولو، والذي ظهر في عدد كبير من مقاطع الفيديو وهو يعدم مدنيين وعسكريين بالرصاص. وأضافت "الدعم" في البيان أنها ألقت القبض على عددٍ من المتهمين في التجاوزات التي صاحبت "تحرير الفاشر"، مبينة "حرصها التام على بسط سيادة حكم القانون، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي تجاوزات أو انتهاكات، مهما كانت محدودة أو ناتجة عن سلوكيات فردية وتؤكد أنه لا كبير على القانون". وطوال الأيام الماضية نشرت "الدعم السريع" عدداً من الصور ومقاطع الفيديو على تطبيق تليغرام تظهر أشخاصاً يتجولون وباعة في السوق مع تعليق بأن الحياة في الفاشر "عادت لطبيعتها" عقب تأمين الأحياء والأسواق، كما أجرت لقاءات مع مواطنين وهم يؤكدون هدوء الأوضاع وعدم تعرضهم لأي أذى.
لكن شبكة أطباء السودان (أهلية)، قالت في بيان، أول من أمس الأحد، إن قوات الدعم السريع جمعت خلال الأيام الماضية مئات الجثث من شوارع وأحياء مدينة الفاشر ثم دفنت بعضها في مقابر جماعية وأحرقت أخرى بالكامل "في محاولة يائسة لإخفاء آثار جرائمها ضد المدنيين". وذكرت الشبكة أن ما جرى في الفاشر "ليس حادثة معزولة بل فصل جديد من جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تمارسها الدعم السريع، ضاربةً عرض الحائط بكل الأعراف الدولية والدينية التي تحرّم التمثيل بالجثث وتمنح الموتى حق الدفن الكريم"، محملة قيادة "الدعم" المسؤولية الكاملة عن هذه المجازر. وأكدت أن هذه الجرائم لن تُمحى بالتستر أو الحرق، داعية المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري والعاجل لفتح تحقيق دولي مستقل في ما يجري بالفاشر.
إثبات الجرائم عبر التكنولوجيا
وجاءت اتهامات شبكة أطباء السودان لـ"الدعم السريع" بمحاولة إخفاء آثار الجرائم، بعد تقرير سابق مدعوم بصور الأقمار الاصطناعية أصدره مختبر أبحاث الشؤون الإنسانية التابع لكلية ييل للصحة العامة الأميركية، في 6 نوفمبر الحالي، والذي قال فيه إن "الدعم السريع" أغلقت منفذ خروج رئيسي يستخدمه المدنيون للهروب من الفاشر. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت ثلاث حالات محتملة للتخلص من الجثث في صور الأقمار الاصطناعية داخل المدينة وحولها، وفق التقرير، الذي ذكر أيضاً أن هذه الحالات المحتملة للتخلص من الجثث تشمل حالة واحدة لجثث مُلقاة على جانب طريق، وأشياء محترقة قد تكون متوافقة مع الجثث عند منفذ خروج بوابة مليط وفي المستشفى السعودي بالمدينة.
وأشار التقرير تحت عنوان "استمرار عمليات القتل الجماعي في الفاشر" إلى أن المستشفى السعودي كان موقعاً لمذبحة جماعية مزعومة أكدها المختبر في تقارير سابقة من خلال تحديد أشياء ذات أبعاد بشرية في الموقع. وأضاف أنه تمت إزالة الأشياء من أرض مستشفى الأطفال الذي تسيطر عليه "الدعم السريع"، بعد أن حدد المختبر عمليات قتل جماعي متعددة في الموقع، لافتاً إلى أن ممارسة حرق الجثث لا تتوافق مع طقوس الدفن الإسلامية، ويُعقّد حرق الأشياء التي قد تكون مطابقة للرفات البشرية أي جهود مستقبلية لإحصاء عدد القتلى منذ سقوط الفاشر وتحديد هوية الرفات وإعادتها إلى ذويها. وحسب المختبر فقد حدد أول مرة أجساماً بأبعاد تتوافق مع الجثث خارج المستشفى السعودي في صور الأقمار الملتقطة في 28 أكتوبر الماضي، وقد أُزيلت هذه الأجسام. وكان نشاط الشاحنات المسطحة واضحاً شمال المنطقة في صور الأقمار الملتقطة في 30 و31 أكتوبر، و2 نوفمبر الحالي.
وأظهرت مقاطع فيديو تم تحديد موقعها الجغرافي للمستشفى السعودي، بالإضافة إلى تقارير ميدانية، أن "الدعم السريع" قتلت المئات في المستشفى السعودي بعد سيطرتها على الفاشر. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية، في 29 أكتوبر الماضي، مقتل أكثر من 460 مريضاً ومرافقاً في المستشفى. من جهتها ادعت "الدعم"، في 2 نوفمبر الماضي، أن المستشفى كان جاهزاً للعمل. وأمس الاثنين، دعا مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، على منصة إكس، إلى "وقف إراقة الدماء في السودان". وأضاف: "تنعى منظمة الصحة العالمية الطبيب آدم إبراهيم إسماعيل، وتطالب بوقف العنف ضد العاملين في مجال الرعاية الصحية". وبحسب شبكة أطباء السودان، أعدمت قوات الدعم السريع ميدانياً الطبيب آدم إبراهيم إسماعيل في مدينة الفاشر، الأربعاء الماضي.
إنصاف الضحايا
في هذا الصدد، قال المحامي السوداني والمدافع عن حقوق الإنسان، عثمان صالح، لـ"العربي الجديد"، إن "الأحاديث حول محاولات الدعم السريع طمس البيّنات في الفاشر، وجمع وحرق الجثث حتى لا يكون هناك أي أدلة على ارتكاب الفظاعات تثير نقطتين مهمتين". وأوضح أن النقطة الأولى "هي ضرورة جمع البيّنات والأدلة، والعمل على التوثيق الاحترافي المهني والاحتفاظ بهذه البيّنات بأسرع ما يكون حتى لا يفلت الجناة من العقاب، ما يؤكد ضرورة الإسراع في التوثيق للجرائم". أما النقطة الثانية فهي "أنه إذا أقدمت الدعم السريع على طمس البيّنات يمكن للتطور المذهل في العلوم والتكنولوجيا عن طريق الأقمار الاصطناعية معرفة أصل المكان والتاريخ المحدد للإبادة والقتل الجماعي، وأيضاً الوضع الماثل قبل إحراق الجثث وما كان على الأرض والعدد والمواقع المعنية".
عثمان صالح: من الضروري استخدام الوسائل الحديثة وجمع البيّنات اللازمة لإنصاف الضحايا
وأشار صالح إلى أن "العالم رأى من خلال الصور الفضائية بقع الدم داخل وحول الفاشر، وهي تدل على الفظاعات التي وقعت، لهذا يمكن استخدام التكنولوجيا للعودة إلى تاريخ ما قبل التصرف مع الجثث". ولفت إلى أن "الجناة أصبحوا يحسبون ألف حساب لمسألة العدالة والمحاكمات، وفي بالهم دائماً وهم يرتكبون الجرائم محاولة عدم ترك ما يحاكمون بشأنه لاحقاً"، مشدداً على أنه "من الضروري استخدام الوسائل الحديثة وجمع البيّنات اللازمة لإنصاف الضحايا".
بدوره رأى عضو المكتب التنفيذي لمجموعة "محامو الطوارئ" الحقوقية، محمد صلاح الدين، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الحديث حول عمليات طمس تجري للأدلة في الفاشر "يأتي جزءاً من حملة إعلامية بدأت بعد الأحداث ونشر مقاطع الفيديو التي توضح ما وقع هناك، ومحاولة الأطراف الاستفادة من الصور في إطار الصراع السياسي أو الحربي". وأضاف أنه "بعد ما حدث في أكتوبر ظهرت حملة أخرى تشكك في الأدلة التي تم عرضها من صور الأقمار الاصطناعية ومقاطع الفيديو والتي أثبتت وقوع الجرائم، وحددت آثار دماء وأجسام بشرية، والتشكيك حتى في إفادات الناجين الذين هربوا من المدينة". واعتبر أن "هذا التشكيك جاء للتخفيف من ضغط الحملة الأولى (ضد الدعم) عقب الأحداث".
محمد صلاح الدين: تلعب الانتهاكات دوراً أساسياً في أي عملية تفاوضية
وفي رأي صلاح الدين فإن "هذه الأدلة يصعب طمسها لأنها أثبتت من خلال المصادر المفتوحة والتحقيقات وصور الأقمار الاصطناعية أوضاع ما قبل وبعد سقوط المدينة، وعرضت صوراً التقطها الجنود بأنفسهم بما فيها الأسرى وخطابات التحريض التي سبقت ذلك". وأشار إلى أن "عمليات لنقل ودفن الأجسام البشرية التي تم تصويرها ستكون ظاهرة، وسيتم إيجادها أيضاً"، معتبراً أن "الجرائم لم تقع في الفاشر وحدها خلال الحرب، بل هناك مقابر جماعية في مناطق عديدة لأطراف الصراع". وشدد على أن "محاولات طمس الأدلة هذه، إذا جرت، لن تؤثر على المساءلة القانونية، ولكن يمكن أن يتم استخدام هذه التفاصيل للتأثير السياسي، إذ تلعب الانتهاكات دوراً أساسياً في أي عملية تفاوضية".
وبحسب صلاح الدين فإن "الأدلة بشأن ما وقع في الفاشر تم جمعها وانتهت، وهي كافية تماماً للمساءلة، بجانب إفادات الشهود ومن كانوا موجودين وخرجوا إلى مناطق أخرى". ولفت إلى أنه "بمرور الوقت يمكن جمع (مزيد من) الأدلة أيضاً، إذا حدثت محاولة طمس حالياً، ويمكن اكتشافها عبر تطور العلوم والتقنية وآليات المساءلة والعدالة نفسها". وقال إن "ما يفعلونه (من جرائم) لن يؤثر كثيراً، وفي النهاية سيتم تثبيت الجرائم إذا ذهب الأمر إلى مساءلة".