نيكول باشينيان يطلق حملته للانتخابات البرلمانية الأرمينية من الكرملين
استمع إلى الملخص
- رفض باشينيان التدخل الروسي في الانتخابات البرلمانية الأرمينية، مشدداً على نزاهتها. بوتين حاول ضمان مشاركة القوى المؤيدة لروسيا، لكن باشينيان أكد على احترام الدستور الذي يمنع ترشح حاملي الجنسية الروسية.
- أرمينيا تسعى لتنويع علاقاتها الاستراتيجية بعيداً عن روسيا، من خلال التعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مما يضعف نفوذ روسيا. باشينيان يهدف لتثبيت مستقبل أرمينيا في عالم متعدد الأقطاب مع الحفاظ على براغماتية في العلاقات مع روسيا.
صوت حزب "العقد المدني" الحاكم في أرمينيا في مؤتمر استثنائي، السبت الماضي، على اختيار رئيس الحكومة نيكول باشينيان لتصدر قائمة الحزب في الانتخابات البرلمانية المقررة في 7 يونيو/ حزيران المقبل. وجاء الترشيح بالإجماع بعد أيام من قمة جمعت باشينيان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، وشهدت توتراً واضحاً.
ورغم عدم دخول الزعيمين في سجالات، كشفت الكلمات الترحيبية عن خلافات حول مجموعة كبيرة من القضايا، تبدأ من استياء أرمينيا من الموقف الروسي في الحرب مع أذربيجان في العام 2020، ولاحقاً مواقف موسكو خلال المعارك اللاحقة، والتي أدت إلى فقدان يريفان السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ بشكل كامل، ولا تنتهي بتقارب أرمينيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سياسياً وعسكرياً.
وبدا أن نيكول باشينيان قرر إطلاق تصريحات قوية من داخل الكرملين لتدشين حملة انتخابية صعبة، تمكنه من الاستمرار في حكمه الذي بدأ بـ"ثورة مخملية" في 2018، عبر تحميل روسيا مسؤولية الهزيمة في حروبه مع أذربيجان، والتأكيد على التمسك بخياراته في الحصول على مكاسب إضافية لبلاده عبر الاستمرار بعلاقات جيدة مع موسكو ضمن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومواصلة العمل للانضمام للاتحاد الأوروبي بما هو هدف استراتيجي. وفي الشأن الداخلي، أكد نيكول باشينيان رفض أي تدخل روسي في الانتخابات المقبلة.
في المقابل، لوّح بوتين، خلال القمة مع باشينيان الأربعاء الماضي، بأوراق اقتصادية، أهمها أسعار الغاز التفضيلية لأرمينيا والتي تقل كثيراً عن أسعار السوق العالمية، موضحاً أن انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي غير ممكن لأنه لا يجوز الجمع بين عضوية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والاتحاد الأوروبي في الوقت ذاته، ومشدداً على أن أسعار الغاز ليريفان سترتفع عدة أضعاف. وقال بوتين: "كما تعلمون، فإن أسعار الطاقة اليوم، أسعار الغاز في أوروبا، مرتفعة للغاية، حيث تتجاوز 600 دولار لكل ألف متر مكعب. تبيع روسيا الغاز لأرمينيا بسعر 177.50 دولاراً. الفرق كبير، بل هو فرق جوهري".
في المقابل، أقرّ نيكول باشينيان بأن أرمينيا لا يمكنها البقاء في كلا الاتحادين في الوقت ذاته، لكنه شدد على أن بلاده تحاول الحفاظ على توازن بين التزاماتها في الاتحاد الأوراسي وتعزيز تعاونها مع بروكسل، مع التأكيد على أن القرار النهائي حول هذا التوجه الاستراتيجي رهن إرادة الشعب الأرميني. ومعلوم أن أرمينيا عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي أسسته روسيا، ويضم أيضاً كازاخستان وبيلاروسيا وقرغيزستان. وفي مارس/آذار العام الماضي صوتت الجمعية الوطنية الأرمينية (البرلمان) على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، علماً أن أرمينيا ضمن ما يعرف بـ"الشراكة الشرقية" للاتحاد الأوروبي منذ 2009، لكنها ليست دولة مرشحة للانضمام، مثل أوكرانيا ومولدوفا. وقد تستغرق عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في حال وجود إرادة أكثر من عقدين من الزمن، فدول غرب البلقان، ورغم الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والقانونية التي تبنتها، ما زالت خارج الاتحاد.
رفض روسي لانضمام أرمينيا للاتحاد الأوروبي
وفي مؤشر واضح إلى رفض روسيا انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي، قال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف، في تصريح صحافي الجمعة الماضي، إن على موسكو التخلي عن "موقفها المتسامح" تجاه احتمال انضمام دول الجوار الروسي إلى الاتحاد الأوروبي. وأوضح أن "الاتحاد الأوروبي لم يعد مجرد تكتل اقتصادي. ويمكن أن يتحول، وبسرعة كبيرة، إلى تحالف عسكري كامل يتبنى موقفاً عدائياً صريحاً تجاه روسيا، ويصبح أسوأ من حلف شمال الأطلسي (ناتو) من بعض النواحي". واعتبر أنه "حان الوقت للتخلي عن الموقف المتسامح إزاء سعي الدول المجاورة للانضمام إلى ما أصبح الآن تكتلاً أوروبياً عسكرياً واقتصادياً".
نيكول باشينيان يرفض التدخل الروسي بالانتخابات
رفض باشينيان مطلب بوتين السماح لحاملي الجنسية الروسية بالترشح للانتخابات
وفي مسعى لتأمين تمثيل للقوى الداعمة لروسيا، طلب بوتين من نيكول باشينيان ضمان مشاركة الأشخاص المؤيدين لموسكو في المنافسة، بشكل متساو وعادل، في الانتخابات المقبلة. وبعد تراجع القوى التقليدية المؤيدة لروسيا من النخب العسكرية والأمنية السابقة، راهن الكرملين على الملياردير الأرميني الروسي سامفيل كارابتيان، وهو واحد من أغنى رجال الأعمال الأرمن في العالم. وفي القمة لمح بوتين إلى ضرورة مشاركة كارابتيان في الانتخابات، لكن نيكول باشينيان ردّ بحزم، مشدداً على ضرورة احترام الدستور الأرميني والقوانين الوطنية. وقال إن "أرمينيا دولة ديمقراطية، ويمكن فقط لمواطنيها المشاركة في الانتخابات البرلمانية. لا يمكن لحاملي الجنسية الروسية أن يكونوا مرشحين للبرلمان أو لرئاسة الحكومة، ولا يوجد استثناء في هذا الشأن".
يشار إلى أن كارابتيان يخضع للإقامة الجبرية منذ العام الماضي، إثر اعتقاله بعد عودته إلى أرمينيا ودعمه الكنيسة الأرمينية في صراعها مع باشينيان. وكانت تفجرت خلافات بين السلطات الأرمينية والكنيسة بعد تصريحات انتقاد باشينيان، في 2025، لكبار رجال الدين، مقترحاً تغيير إجراءات انتخاب كاثوليكوس عموم الأرمن، وضرورة وجود دور للدولة في هذه العملية. وأسس أنصار كارابتيان حزباً سياسياً تحت اسم "أرمينيا القوية"، وهم يراهنون على استغلال النقمة الشعبية من الهزيمة في ناغورنو كاراباخ وصراع الحكومة مع الكنيسة للحصول على أغلبية برلمانية تؤهلهم لتعديل القوانين وتعيين كارابتيان رئيساً للحكومة. وكارابتيان أحد أثرى الأرمن في العالم، وتقدر ثروته بنحو 4.4 مليارات دولار، وهو مواطن روسي، ولديه علاقات وثيقة مع النخب الروسية، في حين أن معظم مصالحه التجارية في روسيا. ويخضع كارابتيان للملاحقة الجنائية في أرمينيا بتهمة "الدعوة للاستيلاء على السلطة"، بعد دعمه حراكاً معارضاً.
وفي 25 يونيو/ حزيران الماضي، قال نيكول باشينيان في منشور على "تليغرام" إن الأجهزة الأمنية في البلاد أفشلت محاولة لـ"الاستيلاء على السلطة" من قبل أعضاء حركة "النضال المقدس" الموالية لروسيا، بقيادة رئيس أساقفة الكنيسة الرسولية الأرمنية، باغرات غالستانيان. وأوضح أن "عناصر أجهزة إنفاذ القانون أحبطوا خطة واسعة النطاق وخبيثة من تدبير رجال دين أوليغارشيين مجرمين تهدف إلى زعزعة استقرار الجمهورية" عبر تنفيذ انقلاب.
ومع تصاعد الحديث عن نية روسيا رفع أسعار الغاز لأرمينيا، قال رئيس البرلمان الأرميني ألين سيمونيان، في تصريح السبت الماضي: "إذا اتخذوا هذا القرار، فإن أرمينيا ستتخذ قرارها الخاص وتنسحب تماماً من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ومن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي". وكانت أرمينيا علقت عضويتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي منذ العام 2024، وتوقفت عن دفع رسوم العضوية. ورغم أن أرمينيا لم تنسحب رسمياً، إلا أن نيكول باشينيان قال، في ديسمبر/كانون الأول 2024: "في جوهر الأمر، نحن نعتبر أنفسنا خارج منظمة معاهدة الأمن الجماعي".
ساءت العلاقات بين موسكو ويريفان على خلفية صفقات تسليح عقدتها أرمينيا مع فرنسا
وفي العامين الأخيرين ساءت علاقات البلدين على خلفية صفقات تسليح عقدتها أرمينيا مع فرنسا وتدريبات مع بلدان في "ناتو"، بالإضافة إلى إجراء مناورات معها، بعدما ظلت لسنوات حليفة عسكرية مهمة لروسيا ومصدر تسليحها الأساسي. وطالبت يريفان منظمة معاهدة الأمن الجماعي بالدفاع عنها خلال حرب 2020 مع أذربيجان ولاحقاً في 2023، إلا أن روسيا بررت عدم التدخل بأن المعاهدة تنص على دعم الدول في حال تعرضها لاعتداء. وما زاد من حدة الخلافات استبعاد روسيا من الوساطة للتوصل إلى اتفاق سلام مع أذربيجان، وموافقة يريفان على مشاركة واشنطن في الإشراف على "ممر (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب" للسلام بين الأراضي الأذربيجانية الرئيسية وجيب ناخيتشفان المحاط بالأراضي الأرمينية. ومعلوم أن روسيا كانت توسطت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 لإنهاء الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، وينص بند في الوساطة أن تنشر قواتها للمحافظة على وقف إطلاق النار، مع وجود بند آخر لفتح طرق المواصلات بإشراف روسيا التي ما زالت حتى الآن الطرف المشرف على مراقبة الحدود الأرمينية الإيرانية.
وفي حال المضي في مشروع "ممر ترامب" فإن روسيا ستخرج من عقدة المواصلات ضمن "الممر الأوسط". وحسب الاتفاق في أغسطس/ آب العام الماضي في البيت الأبيض بين نيكول باشينيان ورئيس أذربيجان إلهام علييف بحضور ترامب، تم الاتفاق على أن تملك الولايات المتحدة حصة 74% في المشروع لمدة 49 عاماً، مع خيار للتمديد لمدة 50 عاماً أخرى، ما يرسخ دور الولايات المتحدة في محيط روسيا ويضعف نفوذ الكرملين في "الجوار القريب" تحت ستار مشروع بنية تحتية تجارية.
ولسنوات طويلة، كانت أرمينيا تُعتبر من أكثر الحلفاء وفاءً لروسيا بين دول ما بعد الاتحاد السوفييتي. ومع تصاعد الشكوك بسياسات روسيا، وانشغالها بحرب أوكرانيا لم تعد يريفان تهمس باستيائها، بل تصرخ به. وفي المقابل، فإن الكرملين يسعى، عبر استخدام أدوات مختلفة من ضمنها الضغط الاقتصادي، ودعم معارضين في أرمينيا إلى إنقاذ ما تبقى من نفوذه. وفي هذا الإطار، ذكرت صحيفة "فيدومستي" في يونيو 2025 أن سيرغي كيريينكو، النائب الأول لرئيس الإدارة الرئاسية الروسية، كُلِّف بإحياء النفوذ الروسي في أرمينيا قبل الانتخابات البرلمانية. في المقابل، ومع انفتاحها على الغرب، تتخلى أرمينيا عن اعتمادها الطويل على روسيا بوصفها الضامن الأساسي لأمنها، وتتبنّى سياسة "تنويع استراتيجي". وواضح أن هذا التوجه ليس مجرد خطوة رمزية، بل هو تحرك حاسم لتثبيت مستقبل أرمينيا في عالم متعدد الأقطاب. وفي حين حدد بوتين خطوط الكرملين الحمراء بشأن علاقات أرمينيا مع الاتحاد الأوروبي، وضغط لزيادة حظوظه مريديه في أرمينيا، انتهز نيكول باشينيان فرصة القمة للخروج بصورة القائد القوي المدافع عن توجهات الأرمن، من دون أن يغلق الباب للبراغماتية في العلاقات مع روسيا.